قارئ المحافظين الجدد

 

 

إسم الكتاب: قارئ المحافظين الجدد

إسم المؤلف: مجموعة من الكتاب المحسوبين على تيار المحافظضين الجدد

 

كتاب "قارئ المحافظين الجدد" هو واحد من الكتب القليلة المكتوبة عن المحافظين الجدد بأقلام المحافظين الجدد أنفسهم، والكتاب في الجانب الأكبر منه عبارة عن محاولة للدفاع عن المحافظين الجدد من خلال تفنيد وإبطال الاتهامات الرئيسية الموجهة إليهم من قبل الصحافة الأمريكية والعالمية منذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001، كما يحاول الكتاب أيضا تأصيل فكر وتوجهات المحافظين الجدد السياسية بتصويرها على أنها جزء لا يتجزأ من التراث السياسي الأمريكي، كما يسعى الكتاب لتقديم صورة سريعة لنشأة المحافظين الجدد ولبعض أهم أفكارهم، ولكن الكتاب - على الجانب الأخر - فشل في تقديم رؤية بديلة عن المحافظين الجدد قادرة على تحديد وتفسير مدى نفوذهم داخل الإدارة الأمريكية ودوائر صنع السياسة بالولايات المتحدة.

تفنيد الاتهامات

"قارئ المحافظين الجدد" حرص منذ بدايته على التأكيد على أن الأفكار الشائعة عن المحافظين الجدد ليست صحيحة، إذ يحتوي الجزء الأول من كتاب على فصل بعنوان "أساطير عن المحافظة الجديدة" - بقلم ماكس باوت الباحث بمجلس العلاقات الخارجية والكاتب بمجلة ذا ويكلي ستاندارد – يحدد وينتقد عدد من الأفكار الشائعة عن المحافظين الجدد مثل سيطرتهم على سياسات إدارة الرئيس جورج دبليو بوش، وكون المحافظون الجدد هم مجموعة من الليبراليين الذي تحولوا إلى التوجه المحافظ الأمريكي، وكونهم مجموعة من اليهود الذين يخدمون مصالح إسرائيل ويرتبطون بعلاقات وثيقة مع حزب الليكود الإسرائيلي، كما يرفض باوت فكرة أن المحافظين الجدد هم شبكة مترابطة تمتلك موارد ونفوذ إعلامي وفكري ضخم.

في المقابل يتفق باوت مع من يعتقدون أن المحافظين الجدد يؤمنون بأفكار الرئيس الأمريكي السابق ويدرو ويلسون والذي دفع أمريكا في اتجاه إنهاء عزلتها الدولية والعمل على نشر المبادئ الديمقراطية والليبرالية في العالم، كما يتفق مع من يؤمنون بأن المحافظين الجدد سوف يستهدفون كوريا الشمالية وإيران بعد استهدافهم العراق، كما يرى أن المحافظين الجدد ليسوا مسئولين عن تدهور الأوضاع في العراق بعد الغزو لأن سياسة أمريكا هناك لم تتفق مع رؤية المحافظين الجدد لما يجب أن يكون عليه الأمر بعد سقوط النظام العراقي.

كما يحتوى الجزء الأول من الكتاب على مقال صغير للكاتب دايفيد بروكس، وهو أحد كبار محرري مجلة ذا ويكلي ستاندارد، يرى فيه أن العداء للمحافظين الجدد هو عداء أيديولوجي غير عقلاني، ويقول أن الكتابات التي تتحدث عن المحافظين الجدد غالبا ما تدور حول عدد قليل جدا من الأفراد والمؤسسات البحثية والمطبوعات فكيف يمكن لهذا العدد القليل من الأفراد والمؤسسات اختطاف سياسة دولة بأكملها.

وتستمر اللهجة والكتابات الدفاعية عبر الكتاب إذ يحتوي الجزء الرابع وقبل الأخير من الكتاب على مقال لجاشوا مورافشيك الباحث بمعهد أمريكان إنتربرايز يعارض فيه فكرة أن يكون المحافظين الجدد قد تأثروا بشكل قوي ومباشر على المستوى الفلسفي بأفكار الفيلسوف الأمريكي الألماني الأصل "ليو ستراوس" والذي يرى البعض أنه الأب الفلسفي للمحافظين الجدد.

في المقابل يرى مورافشيك أن الربط بين ستراوس والمحافظين الجدد هو نتاج لأفكار بعض السياسيين والكتاب الأمريكيين المتطرفين وغير أصحاب المصداقية، ويدلل على ذلك بترويج هؤلاء لفكرة أن المحافظين الجدد يديرون سياسة أمريكا لصالح إسرائيل، حيث يرى مورافشيك أن بعض أبرز المحافظين الجدد ليسوا يهودا وإن كان الكثير منهم يهود، كما يشير إلى أن عدد من أبرز المحافظين الجدد مثل ريتشارد بيرل وجين كيرباتريك وبول ولفويتز كانوا من أشد الداعين للتدخل الأمريكي في البوسنة في أوائل التسعينات لوضع حد للمذابح التي تعرض لها مسلمو البوسنة في ذلك الوقت إيمانا منهم بضرورة تبني أمريكا سياسية تدخلية للحفاظ على الأمن والسلام العالميين، وهو ما يؤكد – من وجهة نظر مورافشيك - على أن اهتمام المحافظين الجدد بتشجيع أمريكا على التدخل عالميا لنشر الديمقراطية ومكافحة الحكومات المستبدة هو توجه قديم وراسخ.

أسباب النفوذ

في المقابل يرى مورافشيك أن سبب صعود المحافظين الجدد الأساسي في السنوات الأخيرة يعود لأحداث الحادي عشر من سبتمبر والتي فاجأت أمريكا بوضع سياسي وأمني جديد، ونجاح المحافظين الجدد – من وجهة نظره – في تقديم بدائل عملية وقوية للسياسة الخارجية الأمريكية في عالم ما بعد أحداث سبتمبر وهو الأمر الذي عجزت عن تقديمه التيارات السياسية الأمريكية الأخرى.

ويؤكد إيرون ستلزر محرر الكتاب - والباحث الحالي في معهد هدسون للأبحاث والباحث السابق بمعهد أمريكان إنتربرايز – على الفكرة ذاتها، حيث يرى أن رواج أفكار المحافظين الجدد في السنوات الأخيرة يعود لتغير الظروف الدولية ذاتها التي بررت أفكار المحافظين الجدد، ويضيف على ذلك اعتقاده بأن أفكار المحافظين الجدد ليست جديدة فهي تعبر عن توجهات موجود وراسخة في التراث السياسي الأمريكية، فهو يرى أن المحافظين الجدد يستمدون أفكارهم من رؤساء أمريكيين عظماء سابقين مثل ويدرو ويلسون وجون أدامز، كما أن رفض المحافظين الجدد للعمل الدولي وإيمانهم بالقوة الأمريكية ورغبتهم في نشر الديمقراطية هي أفكار رائجة في أوساط الشعب الأمريكي.

ويضم الجزء الأخير من الكتاب مقالا لكارلين بومان الباحثة بمعهد أمريكان إنتربرايز يحلل عدد من استطلاعات الرأي العام الأمريكية باحثا عن مدى تقبل الشعب الأمريكي لأفكار المحافظين الجدد، وفي البداية تؤكد بومان على أن استطلاعات الرأي العام الأمريكية لا تسأل الأمريكيين عن موقفهم من المحافظين الجدد كجماعة محددة، ولكن دراسة مواقف الرأي العام الأمريكي – بشكل عام كما ترى بومان – تؤكد أنهم تربة خصبة لأفكار المحافظين الجدد لعدة أسباب.

من بين هذه الأسباب ميل غالبية الأمريكيين للتفاؤل بخصوص المستقبل مما يجعلهم أكثر تقبلا للسياسات المجازفة على المستويين الاقتصادي والسياسي، كما يرفض الأمريكيون تدخل الدولة لإعادة توزيع الثروة، مما يجعلهم لا يشعرون بالقلق من عجز الميزانية وإن كانوا يشعرون بالقلق على الوضع الأخلاقي داخل المجتمع الأمريكي، كما تؤكد بومان على أن غالبية الأمريكيين يرفضون العزلة الدولية ويؤيدون لعب دورا نشطا على الساحة الدولية، كما يميل الأمريكيون للقادة السياسيين الذين يقدمون لهم أهداف واضحة وقوية حتى ولو كانت عامة وغير محددة بخصوص السياسة الدولية، كما يرى أكثر من 80% من الأمريكيين أن الديمقراطية هي أفضل نظام حكم في العالم، وتؤكد بومان في نهاية مقالها على أن غالبية الأمريكيين قد لا يكونوا قد سمعوا عن المحافظين الجدد، ولكن أفكار المحافظين الجدد موجودة وراسخة داخل المجتمع والتقاليد الأمريكية.

وفي الجزء نفسه يؤكد مايكل جوف الكاتب بجريدة "ذا تايمز" البريطانية على أن جذور أفكار المحافظين الجدد تمتد إلى تقاليد بعض أهم القادة السياسيين البريطانيين على مدى التاريخ المعاصر مثل وزير الخارجية البريطاني جورج كانينج الذي قاد بريطانيا للانتصار في حروبها ضد نابليون، ورئيس الوزراء البريطاني وينستون تشيرشيل الذي قاد بريطانيا للانتصار على ألمانيا النازية، وهو يرى أن هؤلاء القادة الكبار امنوا بضرورة استخدام الحروب الإجهاضية لحماية أمن بريطانيا والعالم، وأنهم واجهوا انتقادات عديدة قبل شنهم لهذه الحروب، ولكن التاريخ أثبت أنهم كانوا على صواب.

لذا يدعو جوف الباحثين للاهتمام بالعلاقة بين أفكار المحافظين الجدد والتقاليد السياسية البريطانية، كما يدعو البريطانيين للاحتفال بالمحافظين الجدد كورثة تلقائيين لتراث عظماء القادة السياسيين البريطانيين، كما يدعو اليمين البريطاني بشكل خاص واليمين الأوربي بشكل عام للتعلم من المحافظين الجدد الأمريكيين وتقليدهم، فهو يرى أن المحافظين الجدد نجحوا في الجمع بين عقلانية اليسار وأخلاق اليمين والرؤية الواقعية للطبيعة البشرية ورؤية حديثة للأخطار الدولية المعاصرة وعلى رأسها مواجهة الأخطار القادمة من العالم الإسلامي.

تحديات رئيسية

في مقابل رؤية جوف يرى جيفري جيدمين الكاتب الألماني والباحث السابق بمعهد أمريكان إنتربرايز أن الثقافة السياسية الألمانية الحالية لا ترحب بأفكار المحافظين الجدد، لأن ثلثي الشعب الألماني على الأقل يعارضون السياسة الأمريكية، كما أن الثقافة السياسية الألمانية التي مازالت متأثرة بتبعات الحقبة النازية المتطرفة سلبيا على ألمانيا والعالم، لذا يرفض غالبية الألمان الأفكار القومية والتدخل في الشئون الدولية واستعرض القوة العسكرية على المستوى الدولي.

ويؤيد الفكرة ذاتها الكاتب الأمريكي المعروف جورج ويل، إذ يرى في مقال له في الجزء الثاني من الكتاب أن أفكار المحافظين الجدد تسير في اتجاه مخالف للتوجهات السياسية الأوربية المنادية بالوحدة الأوربية في الوقت الراهن، وهي أكبر مشروع سياسي أوربي، حيث يرى ويل أن الدستور الأوربي الموحد قائم على فكرة تقنين عدد من المبادئ الفلسفية العامة التي تتخطى الحدود بين الدول والانتخابات الديمقراطية، في حين أن أمريكا مازالت تعلى من شأن الممارسة الديمقراطية كمصدر للسياسات والقوانين بغض النظر عن طبيعة هذه القوانين والسياسات مادامت قد تم التوصل إليها عن طريق الصناديق الانتخابية، كما يرى ويل أن الوحدة الأوربية تحض من قدر القوميات والتي تعليها أمريكا.

كما يؤكد إيرون ستلزر على أن المحافظين الجدد هم تيار فكري وليسوا حركة سياسية، كما يؤكد أيضا على صعوبة التنبؤ بمستقبل المحافظين الجدد فقد سبق وتنبأ أحد الآباء المؤسسين لتيار المحافظين الجدد - وهو نورمان بودهوريتز المحرر السابق لمجلة كومنتاري - بموت المحافظين الجدد في عام 1996، ولكنهم عادوا للحياة بشكل غير مسبوق في أوائل القرن الحادي والعشرين.

كما يؤكد آدم ولفسون محرر مجلة المصلحة العامة "ذا بابليك إنتريست" على الصراعات القائمة بين المحافظين الجدد وطوائف التوجه الأمريكي المحافظ الأخرى مثل المحافظين التقليديين الذين يفضلون العزلة، والمحافظين التحرريين الذي يرفضون تضخم جهاز الدولة.

أما إيرفنج كريستول والذي يعد الأب الروحي للمحافظين الجدد فهو يشارك في الكتاب بثلاثة فصول قصيرة، يؤكد في أولها على أن التحالف بين المحافظين الجدد واليمين المسيحي المتدين هو أمر لم يكن متوقعا، ولكنه أعطى المحافظين الجدد قوة هائلة، كما يشير إلى أن المحافظين الجدد كتبت لهم "حياة ثانية" في الفترة الحالية بعد أن توقعوا نهايتهم في منتصف التسعينات.

كما يبرز كريستول في بقية مقالاته المنشورة في الكتاب بعض أفكار المحافظين الجدد الاقتصادية والأخلاقية، وهو ما يتماشى مع الكتاب الذي خصص الجزء الثالث منه للحديث عن سياسات المحافظين الجدد وأفكارهم الداخلية والاقتصادية.

ولا يفوت قارئ الكتاب أن يلاحظ اللهجة الدفاعية والسطحية والكتابات القديمة التي تخللت معظم أجزاء الكتاب والتي لم تتعدى نفي الأفكار الشائعة عن المحافظين الجدد وإبراز بعض كتابات المحافظين الجدد السابقة عن أنفسهم، ولكنها لم تتمكن من تقديم رؤية بديلة قادرة على شرح جذور تيار المحافظين الجدد وعلاقتهم بالتيارات الأمريكية الأخرى ومدى نفوذهم في الفترة الحالية وتطلعاتهم لمستقبل أمريكا أو حتى لمستقبل أنفسهم.

و كل ذلك بحسب المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر:ناس برس