السلطة، الإيمان، الفانتازيا

 

 

إسم الكتاب: السلطة، الإيمان، الفانتازيا ؛ أميركا في الشرق الأوسط من عام 1776 وحتى اليوم

تأليف : ميكائيل ب. أورين 

الناشر: و. و. نورتون وشركاؤه - نيويورك 2007

الصفحات: 672 صفحة من القطع الكبير

 

قام بتأليف هذا الكتاب الباحث ميكائيل ب. أورين المختص بتاريخ المنطقة والعلاقات العربية الأميركية. وكان قد نشر سابقا كتابا بعنوان: حرب الأيام الستة: وتشكيل الشرق الأوسط الحديث، منشورات جامعة اوكسفورد.

وفي هذا الكتاب الجديد يتحدث المؤلف عن العلاقات الأميركية بالشرق الأوسط منذ أقدم العصور وحتى اليوم: أي منذ أن كانت هناك علاقات بين الطرفين. وفي البداية كانت العلاقات تتم عن طريق البعثات التبشيرية البروتستانتية التي أسست الجامعة الأميركية في بيروت في القرن التاسع عشر كما هو معلوم. وكلما نمت القوة الأميركية وتطورت زادت علاقاتها بمنطقة الشرق الأوسط بطبيعة الحال. نقول ذلك ونحن نعلم أن أميركا كانت دولة صغيرة في القرن التاسع عشر أو قل حتى أواخره.

لم تكن أميركا دولة عظمى كما هو معروف حاليا، كانت الدول العظمى آنذاك هي انجلترا وفرنسا أساسا بالإضافة إلى ألمانيا وروسيا. ولكن أميركا أخذت تتحول إلى دولة عظمى بدءا من أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين.

ثم أصبحت أكبر قوة عظمى بعد الحرب العالمية الثانية أو حتى قبل ذلك بقليل. وبالتالي فتأثيرها على الشرق الأوسط كان محدودا طيلة القرن التاسع عشر وحتى النصف الأول من القرن العشرين. ولكنه بعد ذلك أصبح مهيمنا. واستطاع النفوذ الأميركي أن يتغلّب على النفوذ الانجليزي والفرنسي في المنطقة بدءا من معركة السويس والعدوان الثلاثي على مصر.

ثم يردف المؤلف قائلا: بعدئذ طردت أميركا انجلترا من المنطقة وحلت محلها. نقول ذلك ونحن نعلم أن الرئيس روزفيلت التقى بالملك عبد العزيز آل سعود على ظهر باخرة في البحر الأحمر واتفق معه على شؤون البترول والقضايا السياسية بين البلدين. ثم تأسست شركة آرامكو وبدءا من تلك اللحظة أصبح النفوذ الأميركي مهيمنا على منطقة الخليج العربي.

والواقع أن علاقات أميركا بالشرق الأوسط كانت مطبوعة بطابع الرومانطيقية الشاعرية في البداية. وهذا ما حصل للرحالة الأوروبيين أيضا في القرن التاسع عشر. فالشرق بمجاهيله وأسراره كان دائما يجذب الغربيين إليه ويملأ خيالهم بالفانتازيا: أي بالصور الحالمة للشرق، صدر الصحراء، والخيول، والجمال، والبداوة، والصور الرائعة، الخ.

ولكن بالإضافة إلى هذا الطابع الرومانطيقي انضاف الإيمان الديني لأن الأميركان مسيحيون في معظمهم وينتمون إلى المذهب البروتستانتي في أغلبيتهم. ولذلك فإنهم اهتموا بالأقليات المسيحية في الشرق بل وحاولوا نشر المذهب البروتستانتي على حساب المذهب الكاثوليكي التابع لبابا روما. وحصلت بعض الصدامات في لبنان من جراء ذلك لأن هناك عداءً تاريخيا بين كلا المذهبين في أوروبا.

فقد خشي الكاثوليك أو الموارنة من أن يؤدي تبشير البعثات الأميركية إلى تحويلهم عن مذهبهم. مهما يكن من أمر فإن البعثات التبشيرية الأميركية كانت غنية جدا بالقياس إلى غيرها، وقد فتحت الكثير من المدارس والمعاهد العلمية والجامعات في الشرق من أجل جذب شبابه إلى نمط الحياة الأميركية والمذهب البروتستانتي. وكان لها الفضل في تطوير العلوم والفنون ونشر الثقافة الحديثة في الشرق العتيق الذي كان لا يزال يعيش حالة انحطاط بسبب هيمنة الإمبراطورية العثمانية عليه.

بالطبع ليس من السهل التحدث عن العلاقات بين أميركا والشرق الأوسط على مدار قرنين وربع القرن، ولكن المؤلف يتوقف عن معظم المراحل الأساسية التي تخللت هذه العلاقات بقدر الإمكان. من المعلوم أن سياسة الولايات المتحدة كانت حيادية تقريبا في البداية تجاه الصراع العربي-الإسرائيلي. ولم تكن منحازة إلى إسرائيل بشكل أعمى كما هو سائد اليوم.

بل إن الضباط الأحرار عندما قاموا بثورتهم على فاروق عام 1952 كانوا يأملون في إقامة علاقات طيبة مع الولايات المتحدة بصفتها دولة غير استعمارية على عكس انجلترا. وكان جمال عبد الناصر يأمل بربط مصر بأميركا لا بالاتحاد السوفييتي ولا بأوروبا الاستعمارية. ولكن بما أن سياسة أميركا خيبت آماله فإنه اضطر لإدارة ظهره لها وإقامة علاقات وثيقة مع الاتحاد السوفييتي من أجل تنمية بلاده وتزويد الجيش المصري بالأسلحة وبناء سد أسوان العالي.

ثم يردف المؤلف قائلا: في البداية، أي طيلة الخمسينات من القرن الماضي كانت فرنسا هي التي تدعم إسرائيل وتزودها بكافة أنواع الأسلحة. ولكن بعد حرب يونيو 1967 وغضب الجنرال ديغول على القادة الإسرائيليين حلت أميركا محل فرنسا كداعم أول وأساسي لإسرائيل. ثم تنامت العلاقات بين الطرفين حتى وصلت إلى ما وصلت إليه اليوم.

وكان الهمّ الأساسي للسياسة الأميركية يتمثل فيما يلي: كيف يمكن التوفيق بين دعم إسرائيل وصداقة السعودية والبترول في آن معا؟ ولم تكن العملية سهلة. وقد تعرضت في بعض المراحل لهزات كبيرة. ولكن أميركا بسبب قوتها وجبروتها كانت تتوصل في نهاية المطاف إلى رأب الصدع مع الطرف العربي وتحقيق المعادلة المستحيلة.

ثم استمرت الأمور على هذا النحو حتى حصلت ضربة 11 سبتمبر. بعدئذ لم تعد أميركا راغبة في إرضاء الطرف العربي أصلا وإنما راحت تنخرط بكل قوتها في سياسة أحادية الجانب ومتماهية مع إسرائيل إلى أقصى حد ممكن. وقد نجحت إسرائيل في استغلال 11 سبتمبر أفضل استغلال عندما أقنعت أميركا بأن عدوهما مشترك، ألا وهو «الإرهاب» العربي الإسلامي ولا شيء غيره. وهكذا استطاعت ولأول مرة في تاريخ الصراع أن تحول المسألة الفلسطينية إلى مسألة إرهاب.

في الماضي كانت حتى أميركا عاجزة عن تحقيق ذلك على الرغم من قوتها وجبروتها. كانت لا تزال تعتقد بوجود حركة تحرر وطني في فلسطين. أو قل أن بعض المؤثرين على سياستها الخارجية كانوا يعتقدون بذلك. ولكنهم بعد 11 سبتمبر ما عادوا يعبأون بقضية الشعب الفلسطيني وما عادوا ينظرون إليها إلا من زاوية علاقتها بالإرهاب الدولي. وهكذا دفعت قضية فلسطين ثمن 11 سبتمبر عدا ونقدا دون أن يكون لها أي علاقة بها.ثم دخلت العلاقات الأميركية-الشرق أوسطية في مرحلة جديدة كليا.

فالسياسة الأميركية أصبحت مشغولة بشيء واحد هو: الإرهاب الأصولي. وأصبحت كل أولوياتها مرتبطة به. وراح المحافظون الجدد يرسمون لأول مرة الخطوط العريضة للسياسة الخارجية الأميركية بعد أن كان بيل كلنتون قد رفضهم وعزلهم كليا. وحتى في أوائل عهد بوش ما كان لهم تأثير يذكر. ولكن بعد ضربة 11 سبتمبر أصبحت أطروحاتهم على الموضة كما يقال وزاد تأثيرهم كثيرا على البيت الأبيض والبنتاغون وحتى وزارة الخارجية.

ثم يردف المؤلف قائلا: وبعدئذ أعلن بوش خطته الإستراتيجية الهادفة إلى تشكيل شرق أوسط جديد خال من الإرهاب وأسلحة الدمار الشامل على حد قوله. وكان أن زاد الإرهاب بسبب تدخله العسكري في العراق بدلا من أن ينقص.

في الواقع أن خطة بوش القائمة على الحروب الاستباقية كانت تهدف إلى تحييد كل القوى المضادة للغرب في المنطقة من أجل إقامة السلام الكامل والشامل بين العرب والإسرائيليين والانتهاء من هذا الصراع المزمن الذي أنهك العالم. وكانت تهدف أيضا وفي ذات الوقت إلى ضمان تصدير البترول بشكل طبيعي وأسعار معقولة إلى دول الغرب الأوروبي-الأميركي. ولكي تحقق ذلك فإن إستراتيجية بوش راحت تسعى لتحجيم القوى والأنظمة المضادة لها في المنطقة.

ولا تزال هذه الإستراتيجية سارية المفعول حتى الآن. ومن المتوقع أن تظل قائمة طيلة السنتين القادمتين حتى خروج بوش من البيت الأبيض نهائيا. وبالتالي فالعلاقات الأميركية-الشرق أوسطية دخلت مرحلة الصدام المباشر الذي نظّر له صموئيل هنتنغتون تحت عنوان: صدام الحضارات. ولا أحد يعرف كيف ستنتهي الأمور حتى الآن. ولكن يتوقع أن يحل الديمقراطيون محل بوش والجمهوريين في البيت الأبيض. وعندئذ ربما غيروا هذه الإستراتيجية واتبعوا سياسة واقعية أكثر اعتدالا وأقل تطرفا. ولكن ذلك لن يحصل قبل انتخاب رئيس جديد عام 2008.

المصدر: البيان الإماراتية