الأميركان والعرب :المواجهة

 

 

إسم الكتاب: الأميركان والعرب: المواجهة

تأليف : نيكول باشاران وأنطوان صفير 

الناشر: سويل ـ باريس 2006

الصفحات: 249 صفحة من القطع المتوسط

 

مؤلفا هذا الكتاب رجل وامرأة. أما الرجل فهو أنطوان صفير الباحث اللبناني المعروف في فرنسا وصاحب الكتب العديدة ورئيس تحرير مجلة (دفاتر الشرق). وأما المرأة فهي الباحثة الفرنسية نيكول باشاران المختصة بشؤون الولايات المتحدة. وهي أستاذة في معهد العلوم السياسية بباريس وصاحبة الكتب والمنشورات العديدة، نذكر من بينها كتابا بعنوان: هل ينبغي أن نخاف من أميركا؟ (2005)، وصباح الخير يا أميركا (2000). وأما من كتب أنطوان صفير فنذكر: تونس، بل المتناقضات (2006)، وقاموس الأصولية (2002)، وأطلس الأديان (1999)، الخ.

وهذا الكتاب الجديد ليس إلا عبارة عن سلسلة حوارات متواصلة حول موضوع واحد يشغل العالم كله حاليا، ألا وهو علاقة أميركا بالعالم العربي والإسلامي قبل 11 سبتمبر وبعده. وبالتالي فهو قراءة للعلاقات الأميركية العربية منذ الخمسينات من القرن الماضي وحتى اليوم. ويلاحظ القارئ أن الباحثة الفرنسية نيكول باشاران تقف دائما تقريبا إلى جانب أميركا في هذا الصراع. أما الباحث اللبناني أنطوان صفير فيدافع عن وجهة النظر العربية باستمرار. ومن خلال هذا التناقض والتفاعل الجدلي الخلاق بين شخصيتين وموقفين ينتج الكتاب وتتولد أهميته ومتعة قراءته. فالتناقض يولد الإشارة وشرارة الاحتكاك. ولذلك فإن القارئ يظل يتابعه حتى النهاية بفارغ الصبر لكي يعرف نتيجة هذه المماحكة الفكرية أو المناظرة السياسية المحتدمة.

ينقسم الكتاب إلى قسمين كبيرين مع مقدمة وخاتمة. أما القسم الأول فيحمل العنوان التالي: اختلافاتنا. والمقصود بذلك الاختلافات التي تفصل بين المجتمع الأميركي والعالم العربي. وهي اختلافات تخص الهوية، والقيم الأساسية، والخلفية الثقافية، والدين. ويتوقف الباحثان مطولا عند كل واحدة من هذه النقاط الكبرى التي تفرق بين نظرة المجتمع الأميركي ونظرة المجتمع العربي للهوية والقيم والثقافة والدين.

وربما كانت هذه الاختلافات هي سبب الصدام الحاصل بينهما منذ ستين سنة على الأقل. ولكن هذا الصدام ليس فقط بين أميركا والعرب وإنما أيضا بين الغرب ككل والعرب، ثم العالم الإسلامي بمجمله. وهو ما يدعوه بعضهم بصدام الحضارات.

 أما القسم الثاني من الكتاب فيتركز أساسا على الفترة المعاصرة. ويفتتحه فصل بعنوان: الثقة المفقودة: مائة عام من سوء التفاهم. ثم يليه فصل آخر بعنوان: القطيعة الحقيقية: 11 سبتمبر. يليه فصل ثالث عن الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي الذي يشكل عقدة العقد بين أميركا والعالم العربي. فكل الأحقاد المتراكمة بين الطرفين ناتجة عنه. يليه فصل رابع بعنوان: الصدمة: حرب العراق. يليه فصل خامس وأخير عن إيران التي تشغل العالم حاليا ببرنامجها النووي.

هذا هو المخطط العام للكتاب والآن لندخل في التفاصيل. منذ البداية يقول المؤلفان بما معناه: لقد تجادلنا على مدار هذا الكتاب وتصارعنا واختلفنا في وجهات النظر من أجل توضيح المواقف العربية والأميركية على حد سواء. فمصير العالم يتوقف على الصراع الدائر حاليا بين الطرفين. لكن ما هي أميركا في نهاية المطاف؟ على هذا السؤال تجيب الباحثة نيكول باشاران قائلة: لا ريب في أن الولايات المتحدة الأميركية متأثرة جدا بأصولها البروتستانتية الأنغلوساكسونية.

 ولكنها في طورها للتغير والتبدل. فهناك فئات أخرى في أميركا وقد أخذت تحتل موقعها أكثر فأكثر. فأميركا بلد تعددي يجمع كل جنسيات العالم وأديانه ويصهرها في بوتقة واحدة، هي بوتقة المجتمع الأميركي. ثم تضيف الباحثة قائلة: في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر كانت أميركا أمة البيض الأنغلوساكسون البروتستانتيين. ثم وصلت بعدئذ موجة كبيرة من الهجرة الإيرلندية والإيطالية وأصبحت أميركا عندئذ كاثوليكية في جزء منها.

وفي البداية شعر البروتستانتيون الأنغلوساكسون بأن هذه الهجرة تشكل تهديدا للهوية الوطنية لأميركا! لماذا؟ لأن المذهب الكاثوليكي هو العدو اللدود للمذهب البروتستانتي. ولكن أميركا استطاعت هضمهم واستيعابهم في نهاية المطاف ولم يعودوا غرباء بالنسبة لها بعد مرور جيلين أو ثلاثة.

بل وانتخبت أول رئيس كاثوليكي عام 1960 في شخص جون كندي الإيرلندي الأصل.ثم وصلت بعدهم موجة جديدة من الهجرة آتية من أوروبا الوسطى وتتمثل باليهود. وهنا أيضا حصلت مشاكل عديدة قبل أن تقبلهم أميركا بين صفوفها. ولكنها استوعبتهم أخيرا كما استوعبت الكاثوليك وأصبحوا جزءاً لا يتجزأ منهت. بل وأصبحوا يشكلون قوة ضخمة يحسب لها الحساب من خلال اللوبي اليهودي.

ثم وصلت بعدئذ موجة اللاتينيين الأسبان من أميركا اللاتينية والمكسيك. ووصلت بعدهم موجة الآسيويين البوذيين من صينيين وهنود ويابانيين وسواهم. ولا ينبغي أن ننسى الموجة العربية وبخاصة اللبنانية السورية التي تعود في جذورها القديمة إلى عهد الإمبراطورية العثمانية. والعرب سوف يصبحون قريبا أكثر من اليهود في أميركا، أي أكثر من ستة ملايين شخص. ولا ينبغي أن ننسى السود الأميركان الذين أنجبوا كولين باول وكوندوليزا رايس...

وفي عام 2010 سوف يصبح البيض من أصل أوروبي لأول مرة أقلية في أميركا! وهذا تطور نوعي كبير في تاريخ الولايات المتحدة، ولكن الهوية الأميركية ليس قائمة على العرق ولا على الدين وإنما على المشروع الحضاري الأميركي والدستور الأساسي الذي تبلور قبل مائتي سنة. وهو دستور يضمن المساواة بين مختلف أنواع المواطنين الأميركان ويفصل بين الدين والسياسة ويؤمن الحرية الدينية لكل الطوائف والمذاهب دون أي تمييز.

أما أنطوان صفير فبعد أن يعترف بأهمية أميركا وحضارتها وازدهارها نجده ينتقدها لأنها خذلت جمال عبد الناصر وكل التيارات التحررية والتقدمية في العالم العربي. وهو يأخذ عليها أنها خانت المبادئ التأسيسية لدستورها وآبائها الكبار عندما تحالفت مع القوى المحافظة في العالم العربي طيلة الخمسينات والستينات والسبعينات بل وحتى 11 سبتمبر.

فهي التي احتضنت التيارات الأصولية أثناء حرب أفغانستان ضد الاتحاد السوفييتي، وهي التي حاربت التيارات العلمانية والتحديثية في العالم العربي حتى أمد قريب. ولم تكتشف غلطتها الكبرى إلا بعد فوات الأوان وبعد أن ضربها المتطرفون في عقر دارها. وبالتالي فأميركا مسؤولة عن الوضع الحاصل والمتفجر حاليا في كل أنحاء المشرق العربي. ثم يضيف أنطوان صفير قائلا: إن العرب لا يمكن أن يغفروا لأميركا أنها وقفت إلى جانب عدوهم التاريخي، أي إسرائيل، على طول الخط. صحيح أن ضربة 11 سبتمبر التي ذهب ضحيتها ثلاثة آلاف شخص جريمة منكرة لا يمكن تبريرها بأي شكل من الأشكال.

ولكن لكي نفهم سبب كره العرب لأميركا ينبغي أن نبحث عن جذوره العميقة. وأول هذه الجذور هو كارثة فلسطين وتأسيس دولة إسرائيل على أرضها وطرد شعبها. وللأسف فإن الغرب لا يفهم، أو لا يريد أن يفهم، أن هذه الكارثة المأساوية شكلت صدمة لكل العرب وليس فقط للفلسطينيين. نقول ذلك ونحن نعلم أن أميركا حلت محل فرنسا بعد عام 1967 أو حتى قبله كداعم أساسي لدولة إسرائيل في المنطقة.

ومنذ ذلك الوقت وحتى الآن لا تزال أميركا تدعم إسرائيل في الأمم المتحدة وسواها. وكل قرارات الأمم المتحدة الخاصة بالصراع العربي الإسرائيلي لا يمكن تنفيذها بسبب الفيتو الأميركي. ثم يوجه أنطوان صفير كلامه إلى الباحثة الفرنسية قائلا: كيف تريدين ألا يكره العرب أميركا؟ إنهم يحسون بأن حقوقهم مهضومة في فلسطين بسبب هذا الموقف اللامسؤول للحكومات الأميركية المتعاقبة منذ نصف قرن على الأقل.

وبالتالي فتصفية الحسابات بين أميركا والعالم العربي قديمة أو قل لها جذور عميقة وأسباب ضخمة. ولهذا السبب فإن العداء مستحكم بين الطرفين وبخاصة بعد غزو العراق. فأميركا تفعل كل شيء لدعم إسرائيل وتأمين مستقبلها في المنطقة دون أي اعتبار لحقوق الفلسطينيين. ثم يتساءلون بعدئذ بكل دهشة: لماذا يكرهوننا؟

المصدر:البيان الإماراتية