حـراس الخـليـج

 

تاريخ توسـع الدور الأميركي في الخليج 1833 - 1992

 

 

قـراءة المهندس حسين جـهاد

 

إسـم الكتاب : حراس الخليج

المؤلف : مايكل أ. بالمر

ترجمة : نبيل زكي

الناشر : مركز الأهرام للترجمة والنشر - مؤسسة الأهرام - 1995

الحـجم : كبير - ( 332 ) صفحة .

 

الكتاب يدور حول تاريخ توسع الدور الأميركي في الخليج 1833 – 1992 ، وهو لمايكل أ. بالمر : أستاذ التاريخ المساعد فى جامعة ايست كارولينا .

الكتاب جدير بالمطالعة لأسباب عديدة منها : تدوينه بعد عملية "عاصفة الصحراء" التى قادتها الولايات المتحدة ، والتي أنتهت بتحرير الكويت ، وقبل تحرير العراق من دكتاتورية صدام بعقد من الزمان تقريباً حيث الأوراق لم تختلط بعد ، ولم يسيطر التطييف على التحليلات والمواقف ، إضافة الى أن الكتاب يزخر بالوقائع التاريخية والوثائق والأرقام من جهة ويشير الى العديد من الجذور والخلفيات التي يمكن بواسطتها تفسير الأزمة الحالية التي تعتصر المنطقة ومألات الوجود الأميركي في الخليج عموماً والعراق خصوصاً كما يكشف النقاب عن الفرصة الذهبية التي قدمها صدام بإحتلاله الكويت لقرنين من السياسة الأمريكية الدءوبة فى الخليج ، كما يشير الى مراحل ومتداخلات زيادة المسؤلية الأميركية في الخليج سنة وراء سنة إلى أن وصلت فى النهاية إلى حد أنها حلت محل بريطانيا ليس فقط فى الحلبة التجارية ، وإنما أيضاً فى المجالين السياسي والعسكري بحيث باتت هي حارس الخليج .

القراءة المتأنية للكتاب تفسر كيف أن صدام جعل المنطقة أمام موقف ليس فيه مجالاً للإختيار .

البدايات

السياسة والإقتصاد وجهان لعملة واحدة ، لكن الأميركيين ومنذ القرن التاسع عشر كانوا يعملون لإزاحة البريطانيين تجارياً فقط من الخليج ، حيث دخلت أول سفينة حربية أميركية المحيط الهندي عام 1800 ، وفي الربع الأول من القرن التاسع عشر أستمرَ توسع التجارة الأميركية في المحيط الهندي ، وهذا دفع حكومة الولايات المتحدة الى بحث إقامة علاقة تجارية مع سلطان عمان ، وفعلا عقدت اتفاقية مع عمان ، مما دفع البريطانيين الى مساءلة السلطان حول الترتيبات الجديدة مع أميركا فعرض عليهم تمزيق المعاهدة ، لكن لأنها كانت تجارية محضة ، كما أن الأميركيين لم يبدوا إهتماماً بتوريط أنفسهم في الشئون السياسية غيرالمصيرية للسلطان فقد ظلت المعاهدة قائمة .

 لكـن لمـاذا مسـقـط ؟

لأن مسقط كانت مركزاً تجارياً رئيسياً في المحيط الهندي ، وامتد نفوذ سلطانها الى حد أنه سيطرعلى جزء كبير مما كان يشكل وقتئذ الإمبراطورية البرتغالية ( التي طـُرِدت من المحيط الهندي بمساعدة البريطانيين الذين أبتعدوا وقتها عن العجرفة البرتغالية ) في الخليج ، وشبه الجزيرة العربية والساحل الشرقي لأفريقيا ، وفعلا نجحت جزئياً على حساب البريطانيين حيث توصلت بأسرع وقت الى احتكار للتجارة مع زنجبار ، وبلغ الوجود الأميركي الى حد أنه عندما وصل القنصل البريطاني الى زنجبار عام 1841 وجد قصر سلطان عمان مزيناً بنشرات مطبوعة عن إنتصارات البحرية الأميركية على قطع الأسطول الملكي البريطاني في 1812 .

لماذا هذا التوجه الأميركي المبكر نحو الخارج عموماً والخليج خصوصاً ؟

يقول الأميركيون : التوسع التجاري كان ضرورة في وقت كانت تواجه أمة أميركية ناشئة أنظمة إمبراطورية عريقة لأن معاهدة باريس 1783 حققت الإستقلال السياسي للولايات المتحدة ، لكنها لم تؤمن إستقلالها الإقتصادي. والتاريخ يحدثنا بأن محاولة التوسع التجاري الأميركي كانت غالباً متوازية مع مقاومة إغراءات التورط لقبول مسئوليات في هذه المنطقة المتفجرة على حدِ وصفهم ، حيث كانوا يتجنبون أويترددون طويلا أويتريثون كثيراً في قبول المسئوليات الستراتيجية خليجياً ونفقاتها في المجالين السياسي والعسكري ، فبقي ذلك القبول بطيئاً ومحدوداً الى حدٍ ما حتى أوائل القرن العشرين ، ثم نما بسرعة أكبر في العقود التالية للحرب العالمية الثانية ، ثم بسرعة مذهلة مع أواخر السبعينات ( حيث سقط الشاه في إيران وقفز صدام الى رأس السلطة في العراق ) وأوائل الثمانينات ، وإلى أن وصل َ قبولها للمسؤلية الى حد أنها حلت محل بريطانيا العظمى ليس فقط في الحلبة التجارية ، وانما أيضاً بقبول المسئوليات في المجالين السياسي والعسكري ، وبذلك فلم تعد الولايات المتحدة الإنجليز رقم -2- في الخليج بعد عملية درع الصحراء وعاصفة الصحراء التي قادت الى تحرير الكويت بعد غزو صدام  لها ، وذلك بحسب وصف العميد البحري شوفيلت حرفياً برواية مايكل أ. بالمر في كتابه حراس الخليج ص ( 242 ) ، والذي يضيف ما مضمونه في ص 244 :

عندما وجد الأميركيون انفسهم في نهاية المطاف الأنجليز رقم -1- جاء شعورهم بالإرتباك والضيق لأن السيطرة الإقتصادية جلبت معها مسئوليات سياسية وعسكرية لها نفقاتها وأعباءها ، وقد قاومت الولايات المتحدة هذا الإتجاه في محاولة لإقناع البريطانيين بأن يواصلوا تحمل مسئولياتهم العسكرية والسياسية في الخليج ، وكأن بالبريطانيين يقولون الربح والخسارة توأمان ، وكما نقول منْ عليه الغـُرم له الغـُنم ، ولكن دون طائل وبحلول أواخر الستينات لم تعد لدى بريطانيا القوة العسكرية الكافية ولا الرغبة لحراسة المنطقة بنفسها مباشرة وبدأت بالانسحاب ، لكن :

متـى ؟

في أسـوأ توقيت لأميركا ، وذلك على عهد إدارة نيكسون التي كانت غارقة في حرب الهند الصينية فما كان على أميركا اما أن تنفض يدها من المنطقة أوتقبل المسئولية فقبلت باعتبارها القوة المباشرة الأولى في الخليج وعلى مضض لأنها يجب ان تتحمل لاحقاً المسئوليات السياسية والعسكرية والنفقات لوقت طويل , ولأنها قبل ذلك نجحت في تحقيق ما كانت تسعى اليه من تجارة وسوق ونفوذ في الخليج من دون مسئوليات ثقيلة ونفقات كبيرة وبالحد الأدنى من التكاليف بالمقارنة بإنفاقها العسكري الهائل على مدى اكثر من خمسين عاما في الدفاع عن اوربا الغربية وبالمقارنة بتجربة التدخل المرير في جنوب شرق اسيا وبالمقارنة بذلك المزيج من النجاح والإخفاق في أميركا اللاتينية .

مما تقدمَ من الكتاب يمكن للقارئ أن يسـتـكشف بعض الدوافع والحقائق والظروف والعوامل المختلفة الرئيسية والفرعية التي أسـتـقـدمـت الولايات المتحدة الى الخليج فالمنطقة ، وبالشكل الذي كانت تتجنبه لتدفع بذلك الوجود الى الذروة بعد إحتلال صدام للكويت وتحريرها ، ومن ثم الى ذروة الذروة في الفترة الواقعة بعد تحرير الكويت وحتى الأحداث الإرهابية الإجرامية في الحادي عشر من سبتمبر- أيلول 2001 ، والتي هيئت متطلبات ومبررات كيفية إسقاط طالبان في أفغانستان أولاً ، ونظام صدام في العراق ثانياً .

وهناك دراسات كثيرة ترصد نمو تطور التعاون العسكري العربي الأميركي

خلال الحقبتين المذكورتين ، وأعني الذروة وذروة الذروة منها دراسة لقسم البحوث والدراسات في الجزيرة نت ، وهي منشورة على موقعها الإلكتروني وتستعرض بعض جوانب ذلك التعاون الكبير والوجود العسكري الأميركي في العالم العربي الذي ازداد منذ حرب الخليج الثانية وأصبح أكثر وأوسع انتشارا بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر- أيلول 2001 ، ويركز التقرير على حالة كل دولة بصورة مستقلة متناولاً  الإمارات ، البحرين ،  الجزائر ، جيبوتي ، السعودية ،عُمان ، قطر ، الكويت ، مصر ، وأخيراً اليمن التي تذكر بعض المصادر أن القاعدة السوفياتية السابقة بجزيرة سوقطرة اليمنية صارت تابعة لسلاح الإشارة الأميركي ( US Signit) بحسب الدراسة المذكورة .

ياترى مـا هـو دور الشعب العـراقـي فـي كلّ ذلك ؟

لكي يستحق التخوين اوالتكفير اوالتذبيح من جهات والجـفاء من غالبية الأطراف إنْ لم نقل من جميعها ؟

يقول البعض كان لزاماً عليه التصدي بنفسـه لنظام صدام ؟

لقد حاول ذلك مراراً منذ 1920 وكان اخرها الإنتفاضة الشعبية العفوية التي أنفجرت في العراق كله بعيد تحرير الكويت وقبيل وقف العمليات العسكرية للتحالف الغربي العربي الدولي الذي تصدى لتحرير الكويت فكان الرد المزيد من الضغوط المكثفة على التحالف والتهديد بإنشقاق التحالف لإسـتعـجال موعد وقف الحرب .

لنرجع الى الكتاب وفيه :

وفعلاً تمّ إيقاف العمليات العسكرية ويبدو أن ذلك وقعَ خلافاً لرأي قائد القيادة المركزية الأمريكية هيربرت نورمان شوارتزكوف ( ص 238 ) ، فألتـقـط َ صدام الإشارة وفسـرها بالضوء الأخضر لتصفية الإنتفاضة والإبقاء عليه على رأس الحكم في العراق ، ولاسيما أن وقف العمليات ترك طرق الهروب مفتوحة لقوات من الحرس الجمهوري نحو بغداد .

طبعاً لم تكن هناك ملازمة بين عدم وقف العمليات العسكرية والزحف نحو بغداد - كما يصور المؤلف -  وكان يكفي تأجيل الإعلان الرسمي عن وقف العمليات العسكرية لوحده مع مراقبة الحدود العراقية الأخرى لمنع أي تدخل خارجي لفسح المجال أمام الشعب العراقي لئن يقرر مصيره بنفسه.

أما تفسير مايكل أ. بالمر فهو غريب والأكثر غرابة وصفه للعراقيين بأنهم لم يكونوا شعباً على الإِطلاق حيث يقول في ص 240 - 241 مانصه :

( وبحلول صباح يوم 28 فبراير ، كان شوارتزكوف قد أنجز بوضوح الأهداف التى كُلف بها . إذ تم تحرير الكويت ، و تم إضعاف جيش صدام بحيث لم يعد يشكلِّ تهديداً لجيران العراق ) .

( وبالنسبة للرئيس بوش ولقطاع من شعب الأمريكي ، فإن صدام قد يكون (( هتلر )) آخر ، غير أن العراق لم يكن بالقطع ألمانيا أخرى . ففي عام 1945 ، كان الألمان شعبا تحدوه المشاعر القومية ويريد أن يتوحد ، بينما العراقيون فى ربيع 1991 لم يكونوا شعباً على الإِطلاق !! ، بل بالأحرى مجموعات عرقية ودينية متباينة ، بعضها يرغب فقط فى الإنفصال عن العراق ، وكان إحتلال التحالف للعراق بعد الحرب سيجلب كارثة للولايات المتحدة ) .

وعن التناقض بين الإدارة الأميركية والرئيس نفسه حول مستقبل صدام يضيف المؤلف ما يعكس بعض جوانب المأزق الحالي في العراق :

( وبينما علقت إدارة بوش آمالها علناً على أن العراقيين سيطيحـون بصدام بعيدا عن السلطة ، فقد كان الرئيس يفكر فى القيام بانقلاب عسكري أو سياسي ، وليس فى تمرد جماهيري شعبي دموي . ولا يعني عدم حدوث انقلاب ناجح ( حتى كتابة هذه السطور ) بالضروة أن آمال الإِدارة الأمريكية كانت بلا أساس . لقد ساعدت أعمال التمرد فى الجنوب الشرقي وفي كردستان على الإِبقاء على صدام فى السلطة . وأي خليفة محتمل لصدام سيكون عربياً سنياً آخر حريصاً كل الحرص على السلطة المركزية لبغداد و على وحدة أراضي العراق . والقضاء على صدام كان سيؤدي فقط إلى تنشيط قوى التفتت التى تتحرك فى البلاد ، و يجعل مهمة إعادة تأكيد السيطرة المركزية أكثر صعوبة بالنسبة للقائمين بالانقلاب . وأي شخص يفكر في الإِطاحة بصدام كان يعرف أيضا أن العراق سوف تـُفـرَض عليه أعباء تعويضات مالية على نمط تعويضات مالية على نمط تعويضات فرساي ، كما ستفرض قيود على سيادته . والأرجح أن صدام سيبقى فى السلطة إلى أن يوافق على تسوية نهائية مع الائتلاف ) .

( ورغم أن صدام مازال فى الحكم ، إلا أن عمليتي (( درع الصحراء )) و (( عاصفة الصحراء )) أنجزتا الأهداف المحدودة التي وضعتها إدارة بوش ، وهي الأهداف التي ساندتها الدول المتحالفة مع هذه الإِدارة والأمم المتحدة ، و هي ايضا الأهداف التي تعبرعن الرفض التقليدي للولايات المتحدة للمخاطرة بتورط سياسي وعسكري أعمق فى الخليج . وقد أدت الاضطرابات الدينية و العرقية الدموية فى العراق بالفعل إلى التقليل من وقع انتصار التحالف ، غير أن انتصار الأمم المتحدة فى أوروبا عام 1945 لم يحل أيضا كل مشكلات القارة . ولم يحرر تدمير الجيش العراقي فى الكويت الولايات المتحدة فحسب من مهمة المضي فى المسيرة كلها إلى بغداد للقضاء على القدرات العسكرية الهجومية لصدام ، بل أيضا وفر الضمان بأن حجم القوات العسكرية الأمريكية التى ستضطر للبقاء فى المنطقة بعد الحرب ستكون عند مستوى الحد الأدنى ، وبسبب سرعة و مدى نجاحها سوف تمتلك الحد الأقصى لقوة الردع ) .

ويضيف محذراً الولايات المتحدة من اللعب بالحدود في المنطقة ص 245 :

( وقد رسم البريطانيون بالفعل الكثير من الحدود المصطنعة ، و.....ان الدولة التي تأسست بطريقة مصطنعة اكثر من غيرها هي العراق ..... )

وعن المازق الذي يواجه الاميركيين يقول قبل عقد من الزمان تقريباً و في ص 245 :

( المازق الذي يواجه الاميركيين - وهو على شاكلة المازق الذي واجه البريطانيين في القرن التاسع عشر واوائل القرن العشرين – هو انهم يجب ان يقرروا ما اذا كان انفاق الوقت والموارد ( والارواح الاميركية من بين هذه الموارد ) لضمان البقاء المستمر لدول الخليج ، يتفق مع مصلحتهم ام لا ؟ )

ويضيف في ص 248 :

( مثلما كانت بريطانيا العظمى في سنة 1919 فان الولايات المتحدة في سنة 1991 كانت في اوج قوتها في الخليج وقد يكون هذا درساً تاريخيا اخراً  في حد ذاته لان السيطرة البريطانية في فترة ما بعد الحرب العالمية الاولى اثبتت انها قصيرة العمر . ولكن التحدي التجاري من جانب قوة غربية اخرى – الولايات المتحدة – دفع البريطانيين الى الخروج من الخليج ولم يكن القوميون العرب او الايرانيون هم الذين اخرجوا البريطانيين والفترة الزمنية التي ستحافظ الولايات المتحدة خلالها على مواقعها في المنطقة سوف تتحدد على الارجح بعوامل من خارج الخليج . والوصول الى مستودعات البترول هو في نهاية المطاف وسيلة الى غاية وسوف تكشف مجريات الامور ما اذا كان الاميركيون سوف يستخدمون – ام لا – نفط الخليج في تنشيط النمو الاقتصادي الديناميكي في القرن الحادي والعشرين . فاذا لم يحدث .. فان الاميركيين سوف يكتشفون في يوم ما ربما لن يكون بعيدا جدا ... ان دولة اوروبية او اسيوية او مجموعة من الدول سوف تتجه رأسا نحو تحقيق هدف ان تحل محل الولايات المتحدة اقتصاديا وسياسيا وعسكريا في المنطقة ولكن الى ان يجئ هذا اليوم سوف يظل الامريكيون حراس الخليج .)