ملامح الأفق:النظام السياسي العالمي الجديد( سيرورة التشكّل)

-3-

 

 

إسم الكتاب: ملامح الأفق:النظام السياسي العالمي الجديد( سيرورة التشكّل)

المؤلف: د.عماد فوزي شعيبي

 

تحولات في المفاهيم والأدوار على ضوء النظام العالمي الجديد :

سوف نعرض هنا إلى مجموعة من التوقعات على ضوء المتحوّلات العالمية للمتغيّرات التي ستطرأ على دور المثقف ومفهوم القوة وفكرة الدولة وهي من أهم ما سوف يتعرّض لتغيير واضح،وعلى اعتبار أنهما متصلان إلى حدًّ كبير بمفاهيم مرتبطة بالنظام العالمي الأسبق،ولابد أن ينالها تغيير كبير.

• دور المثقف في النظام العالمي الجديد :

على خلفية التحّولات المعلوماتيّة،تذهب دراسات وأبحاث إلى إعادة نبش الفكرة الافلاطونية عن موقع المثقف في النظام العالمي الجديد،وإذ يُغالي "شمعون بيريز" بدور المثقف فإن ألفين توفلر يذهب إلى تعيين موقف يقول بأن الدور الجديد للمعرفة قد أصاب السلطة في متحوَّلاتها، وأن العنف والمال والمعرفة هي مصادر ثلاث للسلطة على (خلفية النظام العالمي الجديد) وهي تقبل الاستخدام في مختلف مستويات الوجود الاجتماعي وصولاً إلى المسرح السياسي.لكن المعرفة أعظم وسائل السلطة قيمة لأنها الأكثر قدرة على التلاؤم وهي عامل مضاعف للثروة والقوة.والانقلاب الحاصل اليوم في العالم يتمثل في إخضاع القوة والثروة لحكم المعرفة،إذ أن القوة قد باتت في يد "الذكاء الكامن والمختزن".وعلى هذا فإنه قد انقضى العهد الذي كانت فيه المعرفة مجرد عون لسلطة الثروة أو لمجرد القوة الجسدية،فهي الآن جوهر الدولة كما أنه معين لا ينضب. ومن هنا فإن قواعد لعبة الدولة قد اختلفت بدخول هذه اللعبة على اسس المعرفة.و لكن إذا كان "توفلر" يرى أنّ الدولة في النظام العالمي الجديد قد بدأت تستند إلى المعرفة، فإن هذا قد يوحي بأن المعرفة قد باتت نخبوية باعتبار أن السلطة هي في المآل الأخير نخبوية،ولكن الأمر يغدو غير هذا تماماً إذ أن للمعرفة خصوصية الاتساع،فهل تفضي نخبوية السلطة إلى توسيع مساحاتها على اعتبار أن ديمقراطية المعرفة هي الديمقراطية القشرية بين الديمقراطيات المشهودة ؟ إنه السؤال الأكثر أهمية في النظام العالمي الجديد.

و يمكن القول أن وظيفة المثقف ستختلف في النظام العالمي الجديد في مقابل نموذج المثقف الذي طرحه "توفلر"،و قد بات من المؤكد أن الأنظمة السياسية ستتأثر بتراجع قيمة ونوعية الثقافة التي تفرضها قيم المثقف المستهلك الذي يستخدم معارفه من أجهزة الاتصالات التلفازية والكمبيوترية التي تلغي طقوس الثقافة الورقية المعمّقة لصالح طقوس الثقافة السطحية وهذا أمر سيفضي إلى تكون شريحتين فعليتين إحداهما لا علاقة لها بالسياسة بسبب سذاجتها وسطحية ثقافتها وأخرى عميقة وتتوافر لها ثقافات المعارف الأوسع عبر شبكات المعرفة الحاسوبية.و لكن من المؤكد أن نسبة الشريحة الأولى ستكون (طاغية) على نسبة الشريحة الثانية الأمر الذي سُيريح الأنظمة السياسية من نموذج المثقف الذي يحشر أنفه في كل شيء حسب تعبير سارتر،وسيوفر لها في حال تشكلها المؤسّساتيّ نوعيّة من المثقفين لم تتوفر من قبل متجاوزة مفهوم "الثورة" بشكل لم يسبق له مثيل، الأمر الذي سيلغي هذا المفهوم من الشريحة الاجتماعية الأولى المنشغلة بالاستهلاك والسطحية و بشكل تلقائي،كما سيكون مثقف الشريحة الثانية أكثر اندماجاً بالسلطة الاجتماعية السياسية .وعلى هذا فإن إعادة إحياء الطبقة الوسطى التي كانت في النظام السياسي السابق بؤرة للتثوير،ستكون فرصة للتوازن الاقتصادي-السياسي -الاجتماعي،الذي افتقد بسبب إفكار هذه الطبقة وهو الأمر الذي أدى إلى ابتعادها عن العمل السياسي تلقائياً وانشغالها بلقمة العيش.و بإحياء هذه الطبقة مع اندماج ثقافة (اللاثقافة) في الشريحة الأولى والعمق والاتساع والعالمية والتوظيف السليم في الشريحة الثانية،ستكون الفرصة ممكنة ولأول مرة في التاريخ المعاصر والحديث ،لإعادة دمج المثقفين بالدولة،و هو الأمر الذي لم يكن من قبل بسبب حالة الطلاق بين الثقافة المؤدلجة والسياسة البراغماتية .

لقد حدث أن تنبأ ماركيوز في الستينيات من هذا القرن باندماج الطبقة العاملة في النظام الرأسمالي معتبراً أن الطبقة الثورية الوحيدة الآن هي الطبقة المثقفة وخصوصاً الطلابية،إلا أن (الثورة) باعتبارها قد أزيلت من القاموس السياسي للنظام العالمي الجديد أوهي في طريقها،فإن الاندماج في طريقه للحدوث بين المثقفين والسلطة السياسيّة،فيغدو المثقفون تروساً في ماكنية الدولة،أما جانبهم النقدي فسيصبح جزءاً من هيئات الرقابة والتفتيش ضمن الدولة نفسها،و بالتالي فلا مجال للعزف خارج الجوقة.

إن الثقافة المعلوماتية المتدفقة ستخلق لدى الشريحة الأولى نوعاً من العقلّية الجماعية شبه العالمية التي ستصوغ نمطاً من (الثقافة) القادرة على الهدم والتجديد بسرعة فائقة للغاية،وهي بالتأكيد ستكون عابرة للقوميات وللحدود السياسية،الأمر الذي سيُضعف دور الاحزاب السياسية التقليدية،إذ ستشارك دول أخرى في التصويت لمرشحين ومحاولة إسقاط مرشحين آخرين عبر الأقمار الصناعية. وهذا ما سيجسّد مرة أخرى فكرة (عالمية سيادة الدولة)،و ستكون القدرة على الضبط العالمي أوفر بشكل لم يكن متوافراً من قبل الأمر الذي سيجعل الإكراه المرذول أكثر تراجعاً في العمل السياسي الدولي،لصالح الضبط...العالمي تحت عناوين أهمها (الديمقراطية)؛التي ستكون بمعنى من المعاني،مشاركة الدول الأخرى في حكم بعض الدول.

التحولات في مفهوم القوة :

بات واضحاً أن النظام العالمي الجديد قد بدأ بتغيير مفهوم القوى فقد لا تقل فلسفة نيتشه في إرادة القوة أهميةً عن فلسفة صراع الطبقات والعنف كقافلة للتاريخ عند ماركس.و يبدو أن الخيط الرفيع بينهما قائمٌ بالفعل،لكن الاختلاف الوحيد هو أن فلسفة ماركس استطاعت أن تجد تطبيقاً (ما)،إلا أن فلسفة نيتشه لم تستطع أن تجد تطبيقها اللهم إلا إذا اعتبرنا أن تجربة ألمانيا النازية واليابان الفاشية،تجسيّدين لهذه الفلسفة.

ولكن إذا كانت فلسفة نيتشه أقرب إلى التطرف في انتاج القوى واستخدامها دون إيجاد مبررٍ أخلاقيّ أو ايديولوجيٍ لها،و لهذا فإن سرعان ما سقطت، فإن تجربة ماركس قد تأخرت في الوصول إلى نهايتها الحتمية، ولقد تبين أن الرأسمالية أيضاً قد غادرت مفهوم القوة منذ مطلع السبعينيات إثر تجربة فييتنام بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية،وبات واضحاً في النظام العالمي الجديد باعتباره تجسيداً لإرادة الضبط على حساب إرادة الإكراه وكحالةٍ متطورة لنظام الهيمنة،أن القاعدة قد باتت هي ممارسة النفوذ دون الحاجة للقوة.

و إذا كان لكل قاعدةٍ شواذٌ فإن هذا لا يلغي أن المسار يشير إلى أفول فلسفة القوى،و هو مسار حقيقيّ فعلاً وطويل،ويمتد إلى ما قبل انتهاء الحرب الباردة بل إن الحرب الباردة نفسها ومن تسميتها،تشير إلى هذا التوجه،الذي لم يبدأ بالتبلور إلاّ مؤخراً

و لعل في سقوط الاتحاد السوفييتي، بدون تدخل بالقوة من خارجه أو حتى من داخله ودون الحاجة إلى ملء فراغ القوى الذي نجم عن هذا السقوط وهي ظاهرةٌ غير مألوفة في تاريخ العلاقات التاريخية بين الأمم،وتكرار ذلك مع تفكك الاتحاد اليوغسلافي الذي اشتعل هذه المرة بنفسه وبنار الحرب الاهلية التي اكلته من الداخل،مثالاً آخر،حتى أنه يمكن أن يقال بأن فراغ القوة الناجم عن امتناع القوى الخارجية عن التدخل هو الذي جعل الحرب الداخلية تندلع بضراوةٍ لم يسبق لها مثيل ولم تتوقف إلا بعد لأيّ.ٍ حتى حرب الخليج قد جرى إخراجها لا على أنها حرب قوةٍ بل حرب عقوبةٍ على سياسة القوة وعلى فعل القوة،وأعطي لها لا شكل حرب إنما شكل لعبة حرب باعتبارها نموذجاً لحربٍ تكنولوجيةٍ بالأزرار دون صدام قوةٍ ودون التحام مباشرٍ على الأرض، وهكذا فإن المتغير الاساس في فلسفة القوة في النظام العالمي الجديد إنما هو الاكتفاء بالتهديد بالقوة بدلاً من استخدامها،حتى أننا نستطيع القول مع "باسكال بون فاس" بأن غياب إرادة القوة لايعني شيئاً في نهاية المطاف إلا تحاشي الرغبة في تحمل نتائج القوة.و بالتالي فهو ضرب من (التشرنق) الاستراتيجيّ على الذات لتفادي عدائية العالم المباشرة والكلفة البشرية العالية لسياسات التدخل الخارجية، إذ أن عقدة فيتنام لم تعد عقدةً أمريكيةً بل أصبحت عقدةً حضاريةً بالمعنى الحصري للكلمة. ورغم أن أوروبا هي المعنية الأولى بالحرب اليوغسلافية وهي التي تشق الاتحاد الأوروبي بين فرنسا وألمانيا و قد ترددت أوروبا كثيراً قبل أن تضطرها المبادرة الأمريكية إلى ارسال قواتها إلى البوسنة.كما أن التدخل الروسي في الشيشان قد أضحى بمثابة نزهةٍ عسكرية بالمقارنة مع ما حدث في أفغانستان ومع ذلك فإن روسيا تميل الى الحسم السياسي أو إلى تأجيل الصراع بانتظار حسم بلا قوة.

و تقدم الصومال مثالاً إضافياً على إرادة (اللا تدخل)،فمع أن مجمل اعداد المقتولين من الجنود الأمريكيين لم يَتَعدَّ /34/ قتيلاً أمريكياً مقابل /1000/ قتيل صومالي،فقد قررت واشنطن الانسحاب إلى إرادة القوة بدلاً من ممارستها وفي هذا السياق تندرج حالة تقليص القواعد الأمريكية خارج الاراضي الأمريكية المباشرة من /90/ قاعدة جوية كبيرة الى /13/ فقط،خلال السنوات السبع السابقة

إن إرادة اللا قوة لاتعني نبذاً لمفهوم القوة بحدّ ذاته بل تعني تجنّباً لنتائج استعمالها المحتمل .والهدف هو حماية الامتيازات والابقاء عليها وليس توسيعها وتكبيرها لأن وسائل أخرى كفيلةٌ بتحقيق ذلك.وإذا كان التعريف الكلاسيكي لقوة الدولة هو قدرتها على فرض إرادتها فإن تعريف القوة الحديث ليس في ذلك بل في إيجاد خيارات كثيرة لمنع اكراهات الاخرين وفرض إراداتهم على قوة الدولة .

إن المعنى المطلق لمفهوم القوة كما كاد أن يشيع في النظام العالمي السابق لا يتسقُ مع واقع تفاعل القوة مع قوىً أخرى، حيث تبدو الدولة قويةً قياساً لدولة أخرى، وتبدو ضعيفةً قياساً لدولة ثانية،ومع ذلك فإن هذا المعنى النسبي لم يعد كافياً أذ أن مقياس القوة ليس بمقارنتها لدى الاخرين بل بما ما يترتب على امتلاكها من نتائج.

إن المعنى الكلاسيكي للقوة الذي نجده في كتابات (كوتيليا) و (وتريتشكا) و(كيسنجر) هو نفس المعنى الذي ذهب اليه (جنتز) والذي يعني الثقل المعادل والذي لا ينفصل كمنهجية معرفية عن أحد مبادئ الثورة النيوتونية،ومفهوم القوة النيوتونيّ.

غير أن هذا المفهوم النيوتوني للقوة قد تسللت له ملامح مخالفة ليصبح مقياس القوة هو الأثر المترتب عليها، أي أن مقياس القوة هو في نتيجتها.فبمقاييس الكلاسيكيين كانت القوة الأمريكية في فيتنام هي الأكبر لكنها قوة عقيمة،والقوة العسكرية السوفيتية في أفغانستان كانت متفوقة كما ونوعاً لكنها قوة "غير منتجة".

وهناك بعد آخر لا بد من التنبّه له في تحول دلالات مفهوم القوة،إذ أن تداخل الكيانات السياسيّة المعاصرة في المجالات الاقتصادية والاجتماعية وبروز "مفهوم الاعتماد" المتبادل،أدى إلى ظهور ترابط بين الكيانات يحوّل بحد ذاته (الترابط) إلى أحد مقومات القوة.إذ أن التلاعب بالاعتماد المتبادل يجعل من الترابط عنصر قوة اضافية سواء أخذ هذا الترابط شكلاً بيولوجياً (مساهمة خصائص معينة لدى الأطراف لإنجاز خاصية جديدة على غرار مساهمة مجموعة من الجينات في بناء خاصية وراثية مميزة) أو ترابطاً نظامياً (على غرار تسلسل الذرات في جزئ معين) أو ترابطاً ميكانيكياً (على غرار انتقال الحركة في نظام آلي).

على أن تحولاً آخر في مفهوم القوة المعاصرة قد تترتب عليه سلسلة من النتائج،وهو الانفصال التدريجي بين القوة العسكرية والقوة الاقتصادية،إذ أن النظم الدولية القديمة كانت تستند لقوى عسكرية اقتصادية،بمعنى أن الدولة الأقوى عسكرياً تكون الأقوى اقتصادياً (روما،أو الامبراطورية الاسلامية،أو بريطانيا الخ...) غير أننا نلاحظ انفصالاً بين بعدى القوة المذكورين ويكفي مقارنة القوة الاقتصادية لليابان أو ألمانيا مع الولايات المتحدة وروسيا،مع قواهم العسكرية،لإدراك هذا التحّول.

إلى جانب ذلك كله،فإن المتغير الرئيس في بناء القوة يعرف تحولاً هائلاً،فقد كانت الملكية:هي معيار القوة، حيث تمركزت السلطة في المرحلة الأولى بيد ملاك الأرض والجنود ولكنها-كما يصفها توفلر- سلطة متدنية النوعية وذات مضمون سلبي،وفي المرحلة الثانية تمركزت القوة بيد أصحاب المصانع الذين شكلوا سلطة مبنية على الثروة وهي سلطة متوسطة النوعية وذات مضمون مزدوج سلباً وإيجاباً،أماالمرحلة الثالثة التي نعيشها فهي مرحلة المعرفة وتتمركز بيد العلماء وهي سلطة ذات مضمون عال في نوعيته ويتسم بالإيجابية.ويرى توفلر أن "التصادم بين القوى التي تجعل المعرفة أداة سلطتها و بين قوى الثروة سيكون أهم من الصراع بين الرأسمالية والاشتراكية .

وكل ذلك بحسب الكاتب في المصدر نصاً ودون تعليق .

المصدر : http://www.dascsyriamag.net