تاريخ موجز للمستقبل

 

 

الكتاب: تاريخ موجز للمستقبل

 تأليف :جاك أتالي 

الناشر: فايار ـ باريس 2006

الصفحات :423 صفحة من القطع المتوسط

 

قدّم جاك أتالي أكثر من ثلاثين كتابا للمكتبة الفرنسية جمعت بين الدراسات - ما يفوق العشرين دراسة ـ والروايات والسير. ومن بين أعماله: «قاموس القرن الحادي والعشرين» و«اليهود والعالم والمال» و«تحليل اقتصادي للحياة السياسية» و«الصوت الإنساني»، وله رواية نالت شهرة تحمل عنوان: «اليوم الأول بعدي».جاك أتالي، رجل اقتصادي الأصل، ولكنه اشتهر أكثر كرجل سياسة إذ كان من الأصدقاء المقرّبين، مدة سنوات طويلة، للرئيس الفرنسي الراحل فرانسوا ميتيران.

في هذا الكتاب الجديد «تاريخ موجز للمستقبل» يقوم جاك أتالي ب«استقراء» تاريخ السنوات الخمسين المقبلة كما يمكن تصوره بالاعتماد على ما هو معروف اليوم من التاريخ والعلم. وهو يبدأ حديثه عن «تاريخ المستقبل» بالقول: «اليوم يتقرر ما سيكون عليه العالم عام 2050 ويتحضّر ما سيكون عليه عام 2100». هذا يعني أننا «نكتب» اليوم تاريخ أبنائنا وتاريخ أبنائهم.

كما يقدّم أتالي رؤيته للكيفية التي سوف تتطور بها العلاقات بين الأمم وما ستكون عليه التطورات الديموغرافية وتبدلات السوق ومستقبل الإرهاب والعنف والتبدلات المناخية والدور المتنامي للأديان، وحيث ستكون محصلة هذا كله تغيرات جوهرية في الحياة اليومية للبشر حيثما كانوا.

وهو يميّز في «الصيرورة» المستقبلية ثلاث «موجات». الموجة الأولى ستشهد قيام «الإمبراطورية الكبرى» وستعرف الموجة الثانية «النزاع الكبير» بينما سترسي الموجة الثالثة «الديمقراطية الكبيرة»، وهذا ما يشرحه المؤلف على مدى ثلاثة من فصول الكتاب السبعة.

و«يكشف» المؤلف أيضا كيف أن أشكال التقدم العلمي والتكنولوجي الهائل سوف تغير من بنية العمل وأوقات الفراغ والتربية والصحة بل والثقافات والمنظومات السياسية.

إن النظر إلى المستقبل يتطلب أولا رسم «لوحة عيانية» للواقع القائم اليوم، كما هو، وبكل معطياته. والسمة الأولى التي يحددها أتالي للوضع العالمي اليوم هي «سيادة قوى السوق على العالم»، الأمر الذي يجد تعبيره في «انتصار النزعة الفردية» و«انتصار المال». وهنا يفتح المؤلف قوسين كي يقدم استشرافا للمستقبل عبّر عنه بالقول: «إذا وصل التطور الحاصل اليوم إلى نهاياته القصوى، فإن المال سوف يقضي على كل ما يمكن أن يسيئ له، بما في ذلك الدول التي سوف يدمّرها شيئا فشيئا، وبما في ذلك الولايات المتحدة الأميركية». وهكذا إذا أصبح السوق هو «القانون الوحيد للعالم» فإنه سوف يكوّن ما يسميه المؤلف «الإمبراطورية الكبرى»، وعندها سوف يصبح كل شيء قابلا للخصخصة، بما في ذلك الجيش والشرطة والعدالة. وضمن مثل هذا المنظور سوف يصبح الإنسان نفسه «سلعة» لها سوق «قطع للتبديل». وبهذا المعنى سوف «يختفي الإنسان» نفسه.

هناك «سيناريو» آخر، يحدده المؤلف بالقول أنه إذا استطاعت البشرية أن «تتراجع أمام مثل هذا المستقبل»، وأنهت «العولمة» عبر اللجوء إلى العنف، وقبل أن تتحرر من أشكال «استلابها» السابقة، فإنها سوف تنجح نحو «سلسلة من الممارسات البربرية والمعارك المخرّبة مستخدمة أسلحة ليست معروفة اليوم وبحيث تتواجه فيها الدول والمجموعات الدينية والكيانات الإرهابية والقراصنة من كل نوع»، وهذا ما يسميه أتالي ب«النزاع الكبير»، وهذا النزاع قد يكون منه «إنهاء العالم أيضا».

وفي مواجهة «الاحتمالين» المأساويين السابقين المصنوعين من «التشاؤم» المتطرف يقول أتالي بإمكانية أن تعم «الديمقراطية الكبيرة»، إذا استطاع البشر «ضبط العولمة» دون رفضها، و«حصر السوق» دون حذفه، وإذا أصبحت الديمقراطية ذات «بعد كوني» بحيث «تتوقف سيطرة إمبراطورية واحدة على العالم كله» وتنفتح أبواب الحرية والمسؤولية والكرامة الإنسانية على مصراعيها.

إن مؤلف هذا الكتاب، وبعد فصلين أولين يشرح فيهما المحطات الرئيسية للتاريخ الإنساني عامة ولتاريخ الرأسمالية بشكل خاص، يقدّم فصلا تحت عنوان: «نهاية الإمبراطورية الأميركية». إنه يشرح كيف أن تاريخ الإنسانية «الطويل» قد خضع حتى الآن لعدة قواعد بسيطة إذ منذ قرون، بعد ظهور الديمقراطية والسوق، يسير التاريخ باتجاه واحد هو ترسيخ الحرية السياسية وقواعد السوق وهجرة الفلاحين إلى المدن وتعاظم القطاع الصناعي.

ووصل الأمر اليوم إلى أن الولايات المتحدة الأميركية تسيطر على العالم «عسكريا وسياسيا واقتصاديا وثقافيا، وإلى حد ما ديموغرافيا». وعلى الصعيد الديموغرافي تحتل أميركا اليوم المرتبة الثالثة في عدد السكان بالعالم وسوف تظل كذلك عام 2040 حيث سيصل عدد سكانها إلى 420 مليون نسمة تقريبا. ومن جهة أخرى «حتى عام 2025 على الأقل سوف يرى أغنى أثرياء العالم والبنوك المركزية الأميركية الولايات المتحدة والدولار على أنهما أفضل ملاذ اقتصادي وسياسي ومالي».

وفي نفس أفق عام 2025 يرى المؤلف أن الهند ستكون «أكبر دولة في العالم بعدد السكان الذين سيكونون حوالي 1,4 مليار نسمة والقوة الاقتصادية الثالثة بعد الصين والولايات المتحدة الأميركية». أما روسيا فيُتوقع أن يصل عدد سكانها عام 2025 إلى 120 مليون نسمة مقابل 142 مليون اليوم.

وفي نفس الأفق سيسود بلدان في أميركا اللاتينية هما المكسيك بوجود 130 مليون نسمة وإجمالي إنتاج داخلي أعلى من فرنسا، والبرازيل مع 210 مليون نسمة والتي تصبح عندها في المرتبة الاقتصادية الرابعة على الصعيد العالمي بعد الولايات المتحدة والصين والهند وقبل اليابان. وسيفوق عدد سكان القارة الإفريقية السوداء 1,5 مليار نسمة بحيث ستصبح نيجيريا والكونغو وإثيوبيا في عداد الأمم العشر الأكثر سكانا في العالم، لكن هذه القارة لن تكون قوة اقتصادية فاعلة آنذاك على الصعيد العالمي.

وقبل عام 2030 سيكون كل فرد، باستثناء الأكثر فقرا، مالكا لحاسوب «موصول» مع شبكة انترنيت. وستكون الغالبية العظمى من وسائل الإعلام المكتوبة اليومية «افتراضية» بحيث تقدم «خدمات فورية». وربما سوف تتعمم أكثر فأكثر خدمات «الإنسان الآلي» في المنازل.

وفي عام 2025 سيكون هناك أكثر من 10 ملايين أميركي يزيد عمرهم عن 85 سنة وسوف تنتقل نسبة من تزيد أعمارهم عن 65 سنة من 4 بالمائة عام 1900 إلى 33 بالمائة في أميركا مقابل 45 بالمائة في اليابان و22 بالمائة في الصين. وعلى صعيد آخر، وقبل حلول عام 2035 سوف يتضاعف عدد سكان المدن وسيتضاعف بنفس الوقت الطلب على المواد الأولية»، حسب تقديرات المؤلف.

ومن خلال هذه الأرقام والكثير غيرها يصل المؤلف إلى القول أن أميركا «سوف تنجح» من الآن وحتى عام 2025 «بدعم زراعتها وحماية صناعاتها المتقدمة وتطوير تكنولوجيات متقدمة جديدة وتحديث منظومات أسلحتها والدفاع عن مناطقها التجارية وضمان نفوذها الإستراتيجي».

لكن اعتبارا من أفق عام 2030 سيكون على أميركا أن تواجه صعوبات من نفس طبيعة تلك التي واجهتها مواطن الازدهار السابقة. بل إن «الأدوات» التي تضع قوتها سوف تصبح «قوى قائمة بذاتها» و«كيانات مستقلة ذاتيا».

فإذا كان «الانترنيت» مثلا هو حتى الآن «مستوطنة أميركية تتحدث اللغة الإنجليزية وتتدفق ثرواتها نحو الوطن الأم، فإن هذه القارة السابعة سوف تنال ذات يوم استقلالها الذاتي». ويرى المؤلف أيضا أن «المؤسسات الأميركية الحقيقية -المنتجة- سوف تنفصل هي الأخرى أيضا عن أميركا (...).

والصناعات الأميركية الإستراتيجية سوف تنقل إنتاجها وأبحاثها إلى مناطق أخرى». لكن بالطبع «سوف تبقى أميركا قوة كبرى»، حسب تأكيده قبل أن يضيف: «إنها ونتيجة لخيارها الذاتي وليس بدافع الرضوخ أو الإرغام، لن تكون بعدئذ الإمبراطورية المسيطرة ولا «قلب» النظام التجاري العالمي».

لكن متى سوف يحصل ذلك؟ إذا كان المؤلف ينأى عن التحديد الدقيق فإنه يشير بنفس الوقت إلى أن التاريخ قد علّمنا أن عمر الإمبراطوريات يتناقص فالإمبراطوية الرومانية الشرقية عاشت 1058 سنة، وإمبراطوريات الشرق 400 سنة والإمبراطورية السوفييتية 70 سنة. وبالتالي «إن الإمبراطورية الأميركية التي تسود منذ حوالي 120 سنة قد عاشت أصلا أكثر من متوسط عمر الإمبراطوريات قريبة العهد، وسوف تتوقف في القريب العاجل عن أن تسود العالم».

الصفحات الأخيرة من هذا الكتاب تحمل عنوان: «وماذا بالنسبة لفرنسا؟». وبعد أن يشير المؤلف إلى أن بلاده كان أمامها «ثلاث مرات إمكانية أن تصبح القوة المسيطرة في أوروبا، فإنها لم تصبح كذلك لثلاثة أسباب». ويحددها بكون أنها أعطت الأولوية للزراعة على حساب الصناعة، ولم تمتلك أبدا قوة بحرية عسكرية وتجارية ولم تنجح في تكوين «طبقة مبدعة» من التجار والصناعيين وفي المحصلة وبعد أن فشلت في انتهاز الفرصة في القرون 17 و18 و19 فإن حظها لا يبدو أوفر هذه المرة.

المصدر:البيان الإماراتية