إيطاليا في عهد موسوليني، الحياة في ظل الديكتاتورية

 

 

الكتاب: إيطاليا في عهدموسوليني، الحياة في ظل الديكتاتورية

تأليف : ريتشارد بوسورث

الناشر: بنغوين ـ لندن 2006

الصفحات:720 صفحة من القطع الكبير

 

 مؤلف هذا الكتاب هو البروفيسور ريتشارد بوسورث أستاذ مادة التاريخ الأوروبي الحديث في جامعة سيدني باستراليا، ثم في جامعة كولومبيا بنيويورك. وهو من كبار المختصين بالتاريخ الإيطالي المعاصر ويمضي كل سنة فترة معينة في إيطاليا لمواصلة يحوثه عن هذا البلد الأوروبي الكبير.

كما أنه كان أستاذا زائرا في جامعتي كامبردج وأوكسفورد. وبالتالي فهو من كبار الأساتذة في الغرب الأوروبي- الأميركي.وفي هذا الكتاب الجديد يتحدث المؤلف بالتفصيل عن الحياة السياسية والاجتماعية في إيطاليا إبّان المرحلة الفاشية. يقول المؤلف بما معناه: لقد ظهرت الفاشية على مسرح السياسة الإيطالية بكل عنف في بدايات القرن العشرين، ولكنها ظلت ظاهرة هامشية حتى عام 1920، وكانت الحركة في بداياتها غامضة أو ملتبسة. ولم تتضح معالمها السلبية الديكتاتورية إلا لاحقا.

والواقع أن موسوليني كان قد دعا إلى عقد أول مؤتمر للفاشيين في الواحد والعشرين من شهر مارس عام 1919. وخلص الاجتماع إلى تشكيل الحزب الفاشي. وكانت أفكار هذا الحزب مشكلة من عدة أنواع: ففيها نجد العصبية القومية الإيطالية، وفيها نجد النزعة الاشتراكية التي تهتم بالعمال والطبقات الشعبية، وفيها نجد أيضا التوجهات الفوضوية والعدمية. باختصار فإن الحزب الفاشي كان خليطا من عدة تيارات ومذاهب إيديولوجية ولم يكن منسجما في البداية ولا موحدا ولا واضح المعالم تماما.

وأكبر دليل على ذلك سيرة زعيم الفاشية الإيطالية نفسه، أي موسوليني، فهذا الشخص المولود عام 1883 كان يجمع في شخصه بين عدة تيارات. فقد كان في البداية نقابيا ثوريا قريبا من الماركسية ثم أصبح لاحقا قوميا شوفينيا متعصبا جدا للقومية الإيطالية.

وقد ولد في بيئة فقيرة متواضعة جدا، وما كان أحد يتوقع له كل هذا المجد! ما كان أحد يظن أنه سيصبح زعيم إيطاليا الأوحد لاحقا، وذلك لأن القادة السياسيين الإيطاليين كانوا ينتمون إلى طبقات بورجوازية وغنية في معظمهم، ولم يقبلوا بموسوليني إلا مؤقتا لكي يخدم مصالحهم. واعتقدوا بأنهم قادرون على التخلص منه لاحقا، ولكنهم كانوا واهمين، فهو الذي تخلص منهم واحدا واحدا وحكم إيطاليا بيد من حديد سنوات طويلة، أي حتى سقوطه بعد هزيمة دول المحور في نهاية الحرب العالمية الثانية ضد الحلفاء.

ثم يردف المؤلف قائلا: والواقع أن وصول الفاشيين إلى السلطة في إيطاليا كان ناتجا عن عدة عوامل. صحيح أن إرادتهم الحديدية وأساليبهم الإرهابية ساهمت في وصولهم إلى قمة السلطة، ولكن ينبغي ألا ننسى أن الملك كان ضعيفا لا يستطيع مواجهتهم وأن الدولة كانت قد أخذت في التفكك والانهيار. في هذه اللحظة بالذات فقز الفاشيون على السلطة وأمسكوا بها جيدا، وكان ذلك عام 1922 عندما أصبح موسوليني رئيسا للوزراء وعمره أقل من أربعين عاما.

وفي البداية حاول موسوليني أن يظهر كسياسي معتدل يحترم الدستور. لماذا؟ لأنه كان لا يزال ضعيفا ويمكن للطبقة السياسية الليبرالية أن تقضي عليه إذا ما شعرت بأنه يهدد السلام المدني أو المبادئ الديمقراطية التي قامت عليها الدولة الإيطالية بصفتها دولة أوروبية حديثة تحترم الدستور والتعددية الفكرية والسياسية وتعتمد على المشروعية البرلمانية.ولكن عندما تمكن من الأمر وترسخت أقدامه في السلطة راح يحذف خصومه واحدا واحدا ويقضي على الطبقة السياسية الليبرالية برمتها.

وهكذا استطاع أن يفرض النظام الفاشي الديكتاتوري المطلق على البلاد، وأدى ذلك إلى خنق الحريات في إيطاليا وإرهاب الناس، وعاشت البلاد عندئذ ظروفا عصيبة، وعمّ الخوف الناس. فلم يعد أحد يستطيع أن يعبر عن آرائه السياسية بحرية، نقول ذلك ونحن نعلم أن الإيديولوجيا الفاشية تقوم أساسا على عبادة الزعيم الأوحد وعلى تقديس الهيبة العليا للسلطة والخضوع لها بشكل كامل من قبل الشعب. ومن لا يخضع تتم تصفيته جسديا إذا لزم الأمر.

وهكذا أصبح النظام الفاشي مفروضا على إيطاليا بدءًا من عام 1925 بعد أن ألغي البرلمان والانتخابات الديمقراطية الحرة في البلاد. فالديمقراطية هي ألد أعداء الفاشية. واستمرت الفاشية تحكم إيطاليا حتى عام 1945 تقريبا، أي حتى نهاية الحرب العالمية الثانية وسقوط هتلر وموسوليني على حد سواء. وكان ذلك يعني نهاية الفاشية والنازية في آن معا وعودة أوروبا إلى الديمقراطية الليبرالية البرلمانية.

وراح موسوليني يطهّر جهاز الدولة من كل العناصر الجيدة التي لا تؤمن بالفاشية أو لا تقدم السمع والطاعة للحزب الفاشي الحاكم. وسيطرت الثقافة الفاشية على عقول الناس، وهي ثقافة تقوم على تمجيد الفحولة والرجولة والعنف والعصبية القومية الشوفينية وكره النقاش الديمقراطي والتعددية.

كما أنها ثقافة تقوم على فرض الرأي الأوحد على الجميع وكره كل القيم الليبرالية القائمة على التسامح وحق الاختلاف في الرأي والمناقشات البرلمانية. فالفاشيون يعتقدون أن هذه المناقشات مضيعة للوقت، وبالتالي فلسنا بحاجة إلى برلمان ولا ديمقراطية ولا من يحزنون. وهكذا سيطرت الديماغوجية الغوغائية على إيطاليا.

وكان الفاشيون يقولون: نحن بحاجة إلى زعيم قوي لا يتردد عن سفك الدماء لفرض هيبته وسطوته على الجميع. وكلما كان عنيفا قويا مرعبا كلما خاف الناس منه وكلما تعلق الفاشيون به. وعلى هذا النحو حكم كلٌ من موسوليني وهتلر.

ثم يردف المؤلف قائلا بما معناه: وعلى هذا النحو أيضا اختفت السياسة العقلانية التنويرية من إيطاليا وحلت محلها الثقافة الاستبدادية والمغامرة إن لم نقل المتهورة. واضطر معظم المثقفين للخضوع لموسوليني وحزبه الفاشي، بل إن بعضهم فعل ذلك عن طيبة خاطر معتقدا بأن الفاشية هي مستقبل إيطاليا لأنها إيديولوجيا جديدة تضرب على وتر الغرائز القومية والعصبيات الشوفينية الضيقة كما أنها تقوم على النزعة الشعبوية لا الشعبية لأنها ديماغوجية غوغائية.

وهكذا خسر الشعب الإيطالي الكثير من قيمه الراقية وتحول إلى شعب مستعبد يصفق للديكتاتور إما حبا به أحيانا وإما خوفا منه في أكثر الأحيان. ولم يتحرر هذا الشعب الذي صنع النهضة الأوروبية إلا بعد سقوط الديكتاتورية أو الفاشية التي لم تكن إلا فاصلا قصيرا في تاريخه الطويل العريض. فالواقع أنها لم تستمر إلا عشرين سنة أو أكثر قليلا. بعدئذ عادت إيطاليا إلى الديمقراطية والحرية من جديد.

المصدر: البيان الإماراتية-4-2-2007