تطويرالفضائيات الدينية بين الحاجة والآلية والدعم

 

 

الفضائيات والبرامج الدينية ، غائبة ... مغـيبة ... أم تفتقد إلى التخطيط ؟

ماهي أسباب غياب الفضائيات والبرامج الدينية الهادفة ؟

وهل يتحمل الجمهور أو القائمين على الفضائيات مسؤولية هذا الغياب ؟

يقول فهمي هـويدي :

" قبل أن نبدأ بتقييم القنوات الإسلامية يجب أن ندرك أن الدعوة للإسلام هي الدعوة للدفاع عن القيم السامية للمجتمع المسلم ، وبناء على ذلك يفترض أن تكون هذه هي رسالة جميع قنواتنا الفضائية ولكن بالنظر لما هو قائم من انتشار الفضائيات التي تتبنى الفساد رسالة لها فليس أمامنا سوى تشجيع بث القنوات الإسلامية متخصصة وإن كانت قليلة و لاتزال في طور الحبو وليس الفصح الكامل "

ويؤكد فهمي هويدي :

على أننا مازلنا حتى الآن عاجزين عن استخدام تكنولوجيا الإعلام أو مواكبة العصر المعلوماتي وتوظيفه لخدمة قضايانا قائلاً :

" لقد عجزنا بالرغم من كل مايتوفر لنا من إمكانيات إعلامية عن نشر روح الإسلام في الداخل فضلاً عن الخارج ، ولازال القصور يلازمنا في إطلاق قناة إسلامية تعبر عنا وتستند إلى أسلوب محترف واستثمار عالي حتى تثبت أركان الدين الصحيح في هذه الأمة التي بدأ الفساد يستشري فيها حتى وصل للأعناق ، وذابت قيمنا وعاداتنا في طوفان العولمة لتصب نتيجة ذلك في صالح أعداء هذا الدين .... والمطلوب الآن هو دراسة جادة لفكرة إخراج قناة إسلامية يقوم عليها نخبة من الإعلاميين ورجال الدين الإسلامي و يكون هدفها تقديم صورة حضارية للإسلام في الداخل والخارج من خلال منظومة إعلامية متكاملة " .

منبر لصد الثقافات الوافدة

أما الدكتورمحمد معوض - أستاذ الإعلام بكلية الآداب ، جامعة الزقازيق - فيرى أن فكرة وجود قناة إسلامية تعد في حد ذاتها فكرة جيدة ، مشيراً إلى أن الإعلام الآن يتجه نحو التخصص ومشجعاً للمنابر الإعلامية التي تهدف إلى ترسيخ المفاهيم الإسلامية في ظل العولمة وحروب الثقافات الوافدة ، ويقول :

" أعتبرها خطوة صحيحة نحو تدعيم ارتباطنا بالهوية الإسلامية في مواجهة سيل التيارات الجارفة التي تحاول اقتلاع كل ما يمت للإسلام بصلة من جذوره وتعمل على إلصاق مختلف الاتهامات بالإسلام واصفة إياه بالجمود والعنف والإرهاب وعدم التماشي مع التطور الحضاري " .

ويضيف د . عوض قائلاً :

 " لو قيمنا تجربة القنوات المتخصصة في مجال الدعوة للإسلام سنجد أن هناك العـديد من الإيجابيات والسلبيات ، أما الإيجابيات فهي كما أسلفنا تدعيم الهوية الإسلامية ونشر مبادئ الإسلام وتعاليمه وغير ذلك من الأهداف التي هي في الأصل عنوان القناة أو الغاية من إنشائها .... وإذا تطرقنا للسلبيات فإننا سنجد أنها تفتقر لوجود كوادر إعلامية مدربة وتفتقر للكثير من المقومات المطلوبة لإيصال الرسالة الإعلامية لجمهور المشاهدين على اختلاف مستوياتهم الثقافية والاجتماعية ، كما تفتقد الكوادر القائمة على هذه أغلب الفضائيات الإسلامية للوعي الكامل والصحيح بالإسلام ، ففي هذا المجال نحن لا نسوق لبضاعة وإنما نسوق لمادة إعلامية قائمة على الثقافة الدينية فيجب أن يتحلى من يقدمها بدراية علمية واسعة بهذا الدين ، وليس بالضرورة أن يكون هؤلاء من رجال الدين ولكن إعلاميين متخصصين في المجال الذي تختص القناة بتقديمه للجمهور " .

ويضيف :

 " جميع القنوات الفضائية هدفها استثماري بما فيها الفضائيات الإسلامية التي تلجأ عادة إلى مصادر تمويل أو شخصيات لها ثقل اقتصادي ، كما تبحث عن أسماء إعلامية شهيرة دون أن تضع بعين الاعتبار توافق ثقافة الإعلامي مع أهداف القناة ، وهؤلاء بالمفهوم الدارج شخصيات ( محروقة ) لن تتمكن من الإعداد والتقديم بشكل يخدم المتلقي والقناة .... فيجب أن يكون هناك انتقاء للقائمين على القناة وبرامجها مع استبعاد أصحاب الاتجاهات الفكرية المنحرفة أو المتطرفة فالاعتدال والوسطية من أهم سمات الإسلام التي يجب أن تتبناها القناة وتدعو لها حتى لا تشوبها الشبهات فيما تقدمه من مواد وبرامج " .

وعن آلية تطوير القنوات الإسلامية يقول :

" من أهم النقاط التي يجب مراعاتها لكي تخرج هذه القنوات من حيز الجمود والرتابة التي تعتبر سمة الكثير من البرامج الدينية ، هو ضرورة تنويع المادة الإعلامية المقدمة

فالبرامج الحوارية ليست القالب الوحيد الذي يفترض أن تعتمد عليه ولابد من تقديم الأعمال الدرامية المعاصرة والمسابقات وغير ذلك للخروج من حيز الجمود ....

مخاطبة جموع المسلمين

و تقول الأستاذة الدكتورة ماجي الحلواني عميدة كلية الإعلام بجامعة القاهرة وعضو مجلس الشورى :

" مع تتبع حركة الانفتاح الإعلامي وعصر القنوات المتخصصة فإنه من المهم وجود قنوات فضائية إسلامية تخاطب جموع المسلمين في جميع أنحاء العالم وليس الوطن العربي فحسب ..... و لو قيمنا تجربة القنوات الموجودة حاليا فإنها بمقياس العدم - حيث لم تكن لدينا أي قنوات متخصصة في هذا المجال - تعتبر تجربة ناجحة إلى حد كبير فهي متمسكة بالطابع الإعلامي الديني كما يجب أن يكون في سبيل نشر الإسلام والدعوة له في الداخل والخارج وترسيخ القيم والعادات التي جاء الإسلام بها ، وقد استعانت بالوعاظ من جميع أنحاء الوطن العربي لتقريب اللهجات العربية ومخاطبة الجمهور من المحيط للخليج ، إلا انه لا ينبغي أن نسرف في المديح دون توجيه تقييم موضوعي لعمل هذه القنوات ، وقد سبق لكلية الإعلام أن قامت بعمل استبيان حول القنوات المتخصصة سواء كانت أرضية أو فضائية فجاءت نسبة مشاهدة القنوات الإسلامية في ترتيب متأخر وعلل البعض ذلك بأنهم لم يجدوا فيها جديد أو أنها أغفلت عناصر الإبهار التلفزيوني في تقديمها لبرامجها " .

وتؤكد د . ماجي على أن هناك عدة مآخذ على هذه القنوات منها إغفالها لعناصر الإبهار والتشويق التليفزيونية والاكتفاء بالبرامج الحوارية والمواجهات ، قائلة : " أرى أن القنوات الإسلامية إذاعية أكثر منها تليفزيونية ، بمعنى أنها تعتمد على حاسة السمع وحدها دون الحاجة لحاسة الإبصار، ولكي تتخطى هذه السقطة يجب أن تستعين بالأفلام التسجيلية والمواد التعليمية الأخرى ....

أما النقطة الثانية تتعلق بجغرافية الانتشار أو الطبيعة المكانية والبشرية التي تخاطبها هذه القنوات على اختلاف ثقافاتها وعاداتها وقيمها ، وبالتالي هذا يتطلب مهارة الوصول إلى قاعدة عريضة من الجمهور بطرح واحد فإذا كانت اللغة تشكل حاجزاً يحد من الانتشار فبالإمكان الاستعانة بالترجمة أو إنتاج برامج خاصة تنطق بلغات مختلفة .... كما يجب أن تتناول المادة الإعلامية جميع الاتجاهات والأفكار من خلال المناظرات بين أصحاب الاتجاهات المختلفة والمذاهب المتباينة " .

وتختتم د . ماجي حديثها  قائلة :

 " أغلب القنوات المتخصصة وقعت في خطأ إغفال التنوع في المادة المذاعة ، فمثلا كنا نجد قنوات الأفلام في بداية ظهورها تركز على عرض الأفلام فقط دون مراعاة للبرامج النقدية والتحليلية ثم تداركت هذا الخلل ، وعلى القنوات الإسلامية الاستفادة من هذه التجربة بما يتناسب مع رسالتها وجمهورها " .

تنقصنا آليات مدروسة لمواجهة ومخاطبة الآخر 

ويؤكد الدكتور  فوزي عبد الغني رئيس قسم الإعلام بكلية الآداب - جامعة جنوب الوادي – أن تواجد القنوات الإسلامية أشغل حيزا كبيرا من الفراغ على الساحة الإعلامية فيما يختص بالإعلام الديني ، قائلاً :

" لقد أسهمت هذه القنوات بتجديد الخطاب الديني ودعمت جهود الدعوة الإسلامية في الداخل وحملت على عاتقها التعريف بحقيقة الإسلام في الخارج ولكن بشكل محدود ، فلازلنا نعاني من مشكلة مواجهة الآخر وتغيير الصورة النمطية المشوهة التي يحتفظ بها عنا الغرب ، وتنقصنا آليات مدروسة لمخاطبة العالم من حولنا " .

ويضيف :

" القنوات الموجودة على الساحة الإعلامية الآن نجحت في جذب عدد كبير من المشاهدين بأسلوب ( الإعلام الرأسمالي ) الذي يعتمد على ترويج المادة الإعلامية كسلعة ، فاستعانت بالمشاهير في مجال الفقه والدعوة الإسلامية مثل الشيخ يوسف القرضاوي والداعية عمرو خالد والحبيب الجفري وغيرهم ، بالإضافة إلى عدد من الممثلات المعتزلات فيما يشبه نظرية الترغيب " .

واختتم الدكتور  عبد الغني حديثه مشيراً إلى أهمية توجيه الخطاب للجاليات المسلمة المقيمة في الخارج والتي تتعرض لحملات تشويه لصورة الإسلام الحقيقية .

انفتاح إعلامي

و يرى الأستاذ الدكتور خلاف الشاذلي رئيس قسم الاجتماع بجامعة المنيا أن للفضائيات آثار إيجابية وأخرى سلبية على الأسرة العربية ، قائلاً : " إننا نعيش اليوم مرحلة انفتاح إعلامي غير متكافئة فهناك جهة تضخ أفكارها الإعلامية وأخرى تكتفي بالاستقبال والتلقي وهي جهة الوطن العربي ...

ويضيف الدكتور الشاذلي : "

مع الأسف الشديد أرى أن مساحة البرامج الدينية في الفضائيات العربية لا تتناسب مع حجم الخطر القادم إلينا ، الأمر الذي أصابنا بعدد من الأمراض الاجتماعية و التي تسللت إلينا عبر ثقافات وافدة على عادات وقيم كانت أصيلة في نفوس العرب .... كما أطالب كل أساتذة الإعلام بالتفاعل مع المسئولين في الفضائيات لوضع خريطة البرامج الدينية فالدين هو الدرع الواقي .....

قنوات إسلامية غير مسيسة

ويقول الدكتور صلاح عمير أستاذ الاتصال بقسم الإعلام - كلية الآداب ، جامعة عين شمس - : " قبل تقييم تجربة القنوات الفضائية الإسلامية يجب أن نعى أولا الهدف من إنشاءها ، فإذا كان الهدف منها هو نشر الإسلام كدين ومنهج والتعريف بقيمه وتعاليمه في الداخل والخارج دون النظر لتغليف هذه القناة بأية مفاهيم سياسية أو تأثر تبعيتها بنظام سياسي معين فإننا نقول أن هذه هي القناة التي نتمناها ونسعد بوجودها في كل البيوت العربية ...

أما إذا حادت القناة عن هذا الهدف وهو في الواقع الحياد الملموس في الوقت الحالي خاصة وأنها تنطق بلسان أنظمة سياسية معينة ، فنجد أنها تفتقد للموضوعية وتتجه إلى ( تسييس ) الدين وتفوح منها رائحة التبعية التي تؤثر على مصداقيتها ... ونظرا لكونها قنوات خاصة فهي تبنى أيضاً سياستها على أسس المكسب والخسارة ويأتي مبدأ الربحية على حساب المادة المنتقاة لخدمة نخبة معينة هم أصحاب رؤوس الأموال لتخرج المادة الإعلامية أو الرسالة ضعيفة جدا " .

ويشير د . عمير إلى اعتماد الفضائيات الإسلامية على الفنانين والفنانات المعتزلات في تقديم البرامج ، قائلاً : " حققت تلك التجربة بعض النجاح في البداية مرتكزة على شهرتهم وتوفر عنصر القبول من الجمهور إلا أن هذه العناصر تفقد أهميتها متى ما يشعر المتلقي بافتقار المقدم للحنكة الإعلامية والثقافة الإسلامية " .

البرامج الدينية خارج أوقات الذروة

د . عبد العزيز السيد الأستاذ بقسم الصحافة - جامعة الوادي الجديد - يرى أن الإعلام الديني غائب عن الفضائيات العربية التي تضع البرامج الدينية خارج أوقات الذروة حيث تقل كثافة المشاهدة ، قائلاً :

" من السخرية أن نعرض برنامجاً هادفاً يدعو إلى الهداية والاستقامة في الساعة الثالثة صباحاً مثلاً !! ، هذا التوقيت وغيره يعكس تهميش القائمين على الفضائيات العربية للبرامج الدينية واعتبارها من البرامج الثانوية والتي لايهم أن يتابعها الجمهور .... ويجب أن يكون للجمهور كلمة هنا بالتواصل مع القائمين على القنوات الفضائية وطلب بث هذه البرامج بكثافة وفي أوقات مناسبة وبشكل يساعد على نقاش واقعنا ومشاكلنا بعد أن تشبعنا ومللنا من برامج الترفيه والطرب " .

ويؤكد نادر السيد نجم منتخب مصر لكرة القدم والاتحاد الإسكندري :

 أن البرامج الدينية في معظم الفضائيات ليست غائبة ولكن مغيبة ، قائلاً : " أعتقد أنها مغيبة عن خريطة البرامج بفعل فاعل والجمهور لايتحمل مسؤولية ذلك بل على العكس البرامج الدينية تحظى بإقبال كبير من المشاهدين " . البرامج الدينية ليست غائبة بل مغيبة 

ويضيف :

" خلال فترة احترافي في بلجيكا واليونان وجدت أن القنوات الفضائية الإسلامية هي الأكثر مشاهدة بالنسبة للجالية الإسلامية التي تعتبرها مصدر للمعلومات ودليل للتعاملات ومدرسة لتعليم الأبناء التعاليم الإسلامية ، فنتمنى أن تراعي الفضائيات هذه الحاجة الملحة لأعداد كبيرة من المسلمين في مختلف أنحاء العالم "

كا يصف السيد البرامج الدينية بأنها وقائية للمسلم ولها دور في إبعاده عن الوقوع في المحظورات في الوقت الذي أصبحت فيه الفضائيات الأخرى تدعو لها وتزين الوقوع فيها بأشكال مختلفة .

أما عيسى عبد الباقي – أستاذ مساعد بجامعة جنوب الوادي – فيشير إلى أهمية وجود الكوادر المتخصصة في هذه القنوات ، قائلاً :

" من المهم أن يتواجد في كل قناة استشاري بالتخصصات التالية : أستاذ إعلام ، أستاذ علم اجتماع وآخر في علم النفس وكذلك في الاقتصاد ... فهذه المجموعة الاستشارية هي التي تحكم على القناة بالفشل أو النجاح وعندما يتعلق التخصص بالدين والقيم الاجتماعية فالأمر يتطلب تدخل سريع وفعال لرأب التصدع الاجتماعي " .

هزيمة الخلاعة

وترى د . زينب الأشوح - أستاذ الاقتصاد بكلية التجارة - جامعة الأزهر - أنه على الأسرة أن تصحح من وسائل تربية الأبناء قبل أن تبحث عن دور الفضائيات ، وتقول : " لو أحسنت الأسرة والمدرسة أداء دورهما في إمداد الابن بالمعلومات والنصائح والتجارب المفيدة ستتضاءل الآثار السلبية على الأبناء من الفضائيات لأن التنشئة الصحيحة ستشكل أسوار حصينة من المناعة في مواجهة خطر الثقافات الوافدة .... وأؤكد على أهمية الإبتعاد عن السلبية وطردها من سلوكياتنا بالاتجاه إلى مخاطبة القنوات الفضائية ومطالبتها نبذ المواد المخالفة لشرائعنا وعاداتنا وتقاليدنا " .

وتطالب د . زينب أساتذة الإعلام بضرورة مواجهة ظاهرة انتشار الخلاعة وقنوات الفيديو كليب بتكثيف بث إسلامي مضاد وشيق ، قائلة : " من العار أن تكون لدينا 3 قنوات إسلامية فقط في مواجهة عشرات القنوات التي تعج بالرقص والغناء وتصرخ بنداءات العلاقات الغير شرعية ، نحن بحاجة لصوت مضاد يقرض الشعر ويقص الحكايا التي تتميز بالهوية العربية والإسلامية فيقدم بديل عن الإسفاف الذي تمتلئ به الساحة ولايمت لمجتمعاتنا أو ثقافتنا بصلة " .

المصدر : المرسل : معتزعلي الجنابي : مختارات من حديث مطول للكاتب ممدوح الصغيربالقاهرة لعربيات : www.arabiyat.com  في 5-6-2005