النزعة العسكرية الأمريكية الجديدة

 

 

إسم الكتاب:النزعة العسكرية الأمريكية الجديدة

المؤلف: أندرو باسفيتش

عرض:علاء بيومي

 

ينتقد كتاب النزعة العسكرية الأمريكية الجديدة لأستاذ العلاقات الدولية في جامعة بوستن الأمريكية أندرو باسفيتش العديد من كتب العلاقات الدولية التي ظهرت في أمريكا خلال السنوات الأربعة الأخيرة لتركيزها المبالغ فيه على إلقاء اللوم على جورج دبليو بوش وإدارته والمحافظين الجدد وتصويرهم على أنهم المسئولون الأساسيون عن الأزمة التي تتعرض لها سياسة أمريكا الخارجية في الفترة الأخيرة وتحديدا منذ غزو أمريكا للعراق في عام 2003 والذي حظي بمعارضة دولية طاغية.

إذ يرى باسفيتش أن غزو العراق – وهو نقطة انطلاق الكتاب – هو نتاج لأخطاء عديدة ارتكبتها مؤسسات أمريكية مختلفة يمينية ويسارية على حد سواء منذ عقود طويلة تعود على أقل تقدير إلى الفترة التالية لحرب فيتنام والتي شهدت تراجعا غير مسبوقا في شعبية الجيش الأمريكي وفي شعبية الحرب والقوة العسكرية لأدوات لتحقيق أهداف أمريكا على المستوى الخارجي.

بمعنى أخر الكتاب هو محاولة للإجابة على أسئلة هامة، وهي: كيف أيد الأمريكيون الحرب على العراق؟ وكيف تلاشت خبرة فيتنام السلبية من عقلية المواطن الأمريكي؟ وما هي المؤسسات الأمريكية المسئولة عن ذلك التحول الدراماتيكي؟

توصيف المرض

في الفصل الأول من الكتاب يحاول باسفيتش توصيف المرض الذي أصاب العقل الأمريكي وقاده للموافقة على حرب العراق، ويصف باسفيتش هذا المرض بأنه "النزعة العسكرية الأمريكية الجديدة"، ويحاول باسفيتش رصد بعض أعراض هذا المرض داخل رؤية الأمريكيين للجيش والحرب في الفترة الراهنة.

ومن بين هذه الأعراض حجم الإنفاق العسكري الأمريكي، إذ يتعجب باسفيتش من رغبة الأمريكيين في زيادة إنفاقهم العسكري على الرغم من أنه يتعدى وفقا لبعض أساليب الحساب مجموع الإنفاق العسكري لبقية دول العالم مجتمعة، كما أنه يفوق إنفاق أمريكا خلال الحرب البادرة بنسبة 12% في المتوسط.

العرض الثاني هو ميل الأمريكيون المتزايد لاستخدام القوة العسكرية، فالأمريكيون – كما يرى المؤلف – باتوا ينظرون للحرب على أنها أداة دبلوماسية وليست كخيار أخير.

العرض الثالث هو صورة الحرب في عيون الأمريكيين، وهنا يقول باسفيتش أن النظم الفاشية والديكتاتورية هي التي كانت تحتفي بالحرب وتنظر لها على أنها شيء له صورة وملامح إيجابية كما يفعل الأمريكيون الآن، إذ يرى الأمريكيون الحرب على أنها تجربة مثيرة تتميز بالسرعة والتحكم والاختيار والتكنولوجيا وكأنها خبرة أولمبية.

العرض الرابع هو صورة الجيش والجنود الأمريكيون لدى الرأي العام الأمريكي، وهنا يذكر المؤلف القارئ بأن الجيش الأمريكي بعد حرب فيتنام أصبح جيشا تطوعيا، وأن الجنود الأمريكيين في الوقت الراهن لا يكادوا يمثلون الشعب الأمريكي على الإطلاق، فهم ينتمون لطبقات وشرائح فقيرة قليلة التعليم، ففي عام 2000 شكل أبناء الأقليات 42% من الجيش الأمريكي، كما بلغت نسبة الجنود الذين حصلوا على أي تعليم جامعي 6.5 % من الجيش الأمريكي مقارنة بنسبة 46% داخل المجتمع الأمريكي.

وهنا يتعجب باسفيتش من تصوير الأمريكيين للجيش على أنه المؤسسة الحامية للقيم الأمريكية وتصويرهم للجنود على أنهم يحملون أفضل القيم الأمريكي كالتضحية وحب الوطن والنظام واحترام القيم التقليدية والسعادة والقوة وكرم الأخلاق.

وهنا يقول باسفيتش أن رفض النخب والطبقات الثرية والمثقفة إرسال أولادها للجيش قلل من عدد أصحاب الخبرات العسكرية في مواقع تشكيل الرأي العام وصناعة السياسات كالكونجرس ومركز الأبحاث ووسائل الإعلام، ومن ثم بدأ يحدث بعض الانفصال بين تصور الأمريكيين المثالي للجيش ودوره وبين واقع الجيش الأمريكي.

العرض الخامس هو صعود النفوذ السياسي والإعلامي لرجال الجيش الذين أصبحوا يتمتعون بشهرة نجوم السينما وحرص القادة السياسيين الديمقراطيين والجمهوريين على حد سواء على التعبير عن مساندتهم للجيش والجنود مثل جون كيري الذي اعتاد على استخدم تاريخه العسكري كوسيلة دعاية سياسية.

أسباب صعود النزعة العسكرية الأمريكية الجديدة

حياد باسفيتش النسبي وعدم انشغاله بلوم الجمهوريين لحساب الديمقراطيين أو العكس جعله يركز على البحث المتوازن والدقيق عن إسهام أكبر المؤسسات الأمريكية في تغذية النزعة العسكرية الأمريكية الجديدة.

إذ يتناول باسفيتش في الفصل الثاني من كتابه دور قادة الجيش أنفسهم، وهنا يرى باسفيتش أن قادة الجيش الأمريكي بعد حرب فيتنام سعوا لإعادة بناء جيشهم والنأي به عن أي مغامرات شبيهة بفيتنام، وذلك عن طريق الحد من سلطة القيادة المدنية على الجيش، وتخويف الرأي العام والسياسيين من مغبة الزج بالجيش في حروب جديدة، والاعتماد المتزايد على التسليح والتكنولوجيا المتقدمة التي قد تمكن الجيش من الفوز بالحرب بأقل خسائر بشرية ممكنة.

كما وضع القادة العسكريون سلسلة طويلة من الشروط المحددة لتعريف الحرب الناجحة، كأن تكون مرتبطة بمصلحة قومية حيوية، وذات هدف محدد يمكن تحقيقه على المستويين السياسي والعسكري، وأن تحظى بدعم الشعب والحكومة، وأن يسمح فيها للجيش باستخدام كافة قوته لتحقيق النصر.

ويقول باسفيتش أن الجيش نجح في الثبات على موقفه حتى حرب عاصفة الصحراء والتي قلبت المعايير ليس بسبب فشل الجيش فيها ولكن بسبب نجاحه وبسبب الشروط التي وضعها لنفسه منذ فيتنام، فضعف خصم أمريكا في الحرب ومحدودية أهداف أمريكا العسكرية ساعدا الجيش على تحقيق نصر كاسح وسريع وقليل الخسائر البشرية مما فتح صفحة جديدة من التاريخ العسكري الأمريكي زاد فيها الطلب على خدمات الجيش من قبل الساسة والمفكرين الجمهوريين والديمقراطيين على حد سواء، كما ظهر في حروب كلينتون الصغيرة التي مثلت مقدمات لنسيان الدروس التي تعلمها الجيش الأمريكي في فيتنام.

كما يرى باسفيتش أن أحداث 11/9 مثلت فشلا خطيرا لقادة الجيش الأمريكي في القيام بمهمتهم الأولى في الدفاع عن الأراضي الأمريكية مما أعطي للقيادة المدنية فرصة لتحقيق مزيد من التدخل لفرض إرادتها على العسكريين.

السبب الثاني لصعود النزعة العسكرية الأمريكية – والذي يتناوله باسفيتش في الفصل الثالث – هو المحافظين الجدد والذي يقسمهم الكتاب إلى جيلين متميزين نشأ أولهما في ستينات القرن الماضي واستمر حتى التسعينات، ونشأ الجيل الثاني في التسعينات ووجد فرصته الذهبية في إيمان جورج بوش بأفكاره في الفترة التالية لأحداث الحادي عشر من سبتمبر.

إذ يرى باسفيتش أن المحافظين الجدد تميزوا منذ بدايتهم بإيمانهم القوي بوجود الشر في العالم، وبدور أمريكا القدري في محاربة هذا الشر وعدم التغاضي عنه ولو للحظة، وبدور أمريكا في قيادة العالم الحر لمكافحة الشر مستخدمة مختلف الأساليب وعلى رأسها القوة العسكرية، وهنا يرى باسفيتش أن المحافظين الجدد لا ينظرون للقوة العسكرية على أنها خيار أخير، ولكنهم يرونها كخيار ضروري ورئيسي لا يجب إهماله في الصراعات الدولية.

كما يرى باسفيتش أن الجيل الثاني من المحافظين الجدد والذي ظهر في تسعينات القرن الماضي ويمثله مفكرون مثل ويليام كريستول وروبرت كاجين وريتشار كروتهمر كانوا أكثر جراءة على استخدام القوة مقارنة بالجيل الأول من المحافظين الجدد، لأن الجيل الأول ظهر في الفترة التالية لحرب فيتنام وهي فترة عارض فيها المجتمع الأمريكي استخدام القوة العسكرية والحرب، أما الجيل الثاني فقد ظهر بعد نهاية الحرب الباردة حيث تمتعت أمريكا بموقع دولي لا نظير له مما شجع المحافظون الجدد الصغار على التنظير بحرية لكيفية استخدام القوة الأمريكية بدون رادع.

السبب الثالث هو فشل الرئيس جيمي كارتر في إقناع الأمريكيين بخطابه المنادي بالسلام، واستغلال رونالد ريجان لفشل كارتر في ترويج نظرة جديدة مليئة بالأساطير عن الجيش الأمريكي، إذ يرى باسفيتش أن ريجان حاول في خطابه إرضاء غرور المواطن الأمريكي وإسماعه ما يريد أن يسمعه عن نفسه، لذا هاجم ريجان من هاجموا الجيش الأمريكي بعد فيتنام، وبدأ في ترويج خطاب جديد يحتفل بالجنود الأمريكيين ويصورهم على أنهم أبطال يمثلون قيم التضحية والنظام وأفضل المثل الأمريكي.

كما يشير باسفيتش في الفصل الرابع إلى السينما الأمريكي وكيف أنها مثل ريجان صنعت وروجت أساطير ليس لها أساس من الصحة عن الجيش، وذلك في أفلام مثل "جندي وجينتلمان" و"رامبو" وأفلام أخرى مشابهة، والتي صورت الجندي الأمريكي على أنه شخص خير بطبعه يهرب من حياة اللهو داخل المجتمع ليجد حياة التضحية والالتزام ومحاربة الأشرار في الجيش دون أن يفقد فرصة الاستمتاع والوقوع في الحب خلال مغامراته العسكرية. 

كما يشير باسفيتش إلى أن الرؤساء الأمريكيين من بعد ريجان – بما في ذلك بيل كلينتون الديمقراطي – رضخوا لخطاب ريجان المليء بالأساطير وزايدوا عليه حتى لا يظهروا أمام الناخبين وكأنهم سلبيين أو متشائمين.

السبب الرابع هو صعود نفوذ الجماعات المسيحية المتدينة وتحالفها مع الجيش، حيث رأت هذه الجماعات أن الجيش بما يتميز به من قيم انضباط واحترام للقيم التقليدية هو المنقذ للمجتمع الأمريكي من القيم الثقافية التي انتشرت فيه منذ الستينات، لذا أيدته بقوة وانتشرت بداخله وبررت حروبه، وهنا يعبر باسفيتش عن اعتقاده بأنه لولا تأييد عشرات الملايين من المسيحيين المتدينين للنزعة العسكرية الأمريكية لما وجدت تلك النزعة، كما يعبر عن خشيته من أن تعطي الجماعات المسيحية المتدينة – مدفوعة بمعتقداتها الدينية - لحروب أمريكا الضوء الأخضر الذي أعطته لحروب إسرائيل منذ عقود.

أما السبب الخامس فهو دور خبراء الحرب والاستراتيجية الأمريكيين حيث يرى باسفيتش أن سلسلة من الأخطاء الفكرية والأحداث الدراماتيكية والحروب والتي وقع فيها الخبراء الاستراتيجيون الأمريكيون دفعتهم لتطوير أفكار عن الحرب مثل فكرة الحرب المحدودة وضرورة الاعتماد على الأسلحة الذكية ساعدت على تشجيع الأمريكيين على استخدام القوة العسكرية.

أما السبب السادس فهو ربط المصلحة الوطنية الأمريكية بالحفاظ على تدفق صادرات النفط من الخليج منذ الثمانينات وتوزيع القوات العسكرية الأمريكية بالعالم بشكل يجعل من الشرق الأوسط مسرحا رئيسيا لعمليات الجيش الأمريكي.

سبل العلاج

في خاتمة الكتاب يرى باسفيتش أنه من الصعب العثور على حل واحد وسريع للحد من تصاعد النزعة العسكرية الأمريكية، في المقابل يقدم باسفيتش عدد من النصائح الهامة مثل تقوية سلطات الكونجرس الأمريكي مقارنة بالبيت الأبيض فيما يتعلق بسلطة إعلان الحرب بعد أن تراجعت سلطة الكونجرس بشكل ملحوظ في هذا المجال وأصبح قرار الحرب يقع في الواقع بيد الرئيس ومجموعة صغيرة من مساعديه.

كما دعا باسفيتش الأمريكيين لرفض مبدأ الحرب الوقائية والنظر للحرب على أنها ملاذ أخير، وتقليل الاعتماد الأمريكي على نفط الخليج، وإعادة نشر القوات الأمريكية في العالم للتعبير عن مواقف دفاعية بدلا من استعراض القوة، وحث حلفاء أمريكا الرئيسيين على تحمل مسئوليتهم في حماية الأمن الدولي، والحد من الإنفاق العسكري الأمريكي وتدعيم مؤسسات الدبلوماسية الأمريكية بمزيد من الموارد والنفوذ.

كما دعا باسفيتش إلى وضع حوافز لتشجيع أبناء النخب الأمريكية على التجنيد، حيث يرى باسفيتش أنه ينبغي على الجمهورية الأمريكية لكي تحمي نفسها من أن تتحول إلى ديكتاتورية أن تتأكد من أن جيشها يمثلها.

وكل ذلك بحسب المصدر المذكور نصاً و دون تعليق.

المصدر: http://al-shaab.org/2005/08-07-2005/alaa.htm