دكتاتورية الانفعال

 

 

إسم الكتاب: دكتاتورية الإنفعال 

تأليف : كزافييه كوتور 

 الناشر: لويس أوديبير ـ باريس 2005

 الصفحات: 149 صفحة من القطع المتوسط

 

مؤلف هذا الكتاب هو «كزافييه كوتور» الذي يعمل في حقل الإعلام منذ فترة طويلة والذي كان مديرا عاما للقناة الأولى الفرنسية، ثم رئيسا لإدارة قنال «كانال بلوس» قبل أن يلتحق بشركة إنتاج «أندمول فرنسا» حيث يدير عدة فروع فيها.

لقد تمت تحولات كبيرة في التلفزيون، التحولات التي قادت إلى البحث عن العدد الأوسع للمشاهدين والتأثير على عواطفهم واسترضائهم وصولا إلى ما يسمى بـ «تلفزيون ـ الواقع» وبرامجه التي تتعرض لنقد النخبة الثقافية.والسؤال هل هناك من دكتاتورية دونما دكتاتوريين وراءها؟ ربما أن أشكال العنف قد انتقلت من أنماطها التقليدية إلى نماذج جديدة من السيطرة اللامرئية التي تتحرك بآليات مختلفة عما عهدناه. لكن هذه الحقيقة نفسها لا يمكن استجلاؤها إلا من خلال واقع المتطلبات الاقتصادية التي تفرض نفسها على التلفزيون، وإلا من المتطلبات الاقتصادية التي تفرض نفسها على التلفزيون، وإلا من خلال التطورات التي طرأت على ما يريده الجمهور نفسه، والتأثيرات التي مارسها التلفزيون الأميركي على التلفزة الغربية.

وإلا من خلال المستجدات التي عرفتها الحياة الإعلامية الغربية بوجه عام.في هذا كله فإن الكاتب يرى أن مصير التلفزيون يتوقف على جملة من المتناقضات التي تقود إلى مفارقة أساسية يتم السكوت عنها باستمرار:

بقدر ما يكون التلفزيون فعّالا ومؤثرا بقدر ما لا يمكن السيطرة عليه والتحكم به. كيف وصلنا إلى هذه الوضعية؟ في البداية كان التلفزيون يعمل كمؤسسة وحيدة بيد الدولة التي تقوم بتمويله عبر الضريبة، ولم يكن يحظى بكثير من المشاهدين، وكان للنخب الثقافية والسياسية دور كبير فيه.

إلا أنه مع اكتشاف هذه الأداة الإعلامية الجديدة، كان لا بد من إيجاد لغة ملائمة لها واستخدام ما أمكن من القدرات الثقافية التي تتحيها لإقامة علاقة حية مع الجمهور المشاهد. لقد كان التلفزيون «حرفيا» يستدعي استجماع قوائم الصحافيين ورجال الثقافة والمبدعين الفنيين الأمر الذي ترك بصماته عليه.

فأعوام الخمسينات كانت أعوام الاكتشاف والحرية والإبداع التلفزي لماذا؟ لأن التلفزيون كان في علاقة مباشرة مع جمهوره ولا يوجد من ينافسه ويعمل على تحقيق المهمة التي أخذها على عاتقه ألا وهي «الإعلام والتثقيف والترفيه». لقد لمعت عدة مواهب تلفزية في هذه المرحلة، المواهب التي جمعت بين المتطلب الإعلامي والثقافي والترفيهي.

إلا أنه مع ولادة القناة الثانية الفرنسية إلى جانب القناة الأولى داخل المؤسسة العامة للتلفزيون، تم اكتشاف إمكانية قياس عدد المشاهدين لبرامج كل من القناتين في حين أن الانتخابات الرئاسية الأولى في الستينات عززت المنافسة فيما بينهما. والنتيجة حدوث تغير جذري في الحياة الإعلامية التلفزية.والواقع أن هذا الزمن البطولي عاش حقائقه كما عاش أوهامه.

فلقد كان يحمل المشاهد على الاعتقاد بما تعرضه النشرة الإخبارية، الأمر الذي كان يشكل قوة التلفزيون. وفي حين أن قراءة الصحيفة المطبوعة كانت تستدعي التعقل لما يُقرأ، وأن سماع أخبار الراديو يفرض نوعا من الحيطة إزاءها، فإن الصورة التلفزية كانت تبرز كحقيقة لا نقاش حولها.

كذلك فإن الصحافي (مقدم النشرة الإخبارية) كان أشبه بصديق مألوف، اعتادت عليه الأسرة المشاهدة، ويظل يعطي بظهوره الدائم في أوقات النشرة طمأنينة لها بالرغم من الأحداث الجارية التي تشكل نافذتها على العالم وكأنها تشارك اهتمامات التلفزيون نفسه.

هذا الزمن انقضى لأن الصورة لم تعد تعني الحقيقة منذ أحداث «تيميوسوارا» الرومانية ومنذ الأحداث التي عصفت بمنطقة الشرق الأوسط. ولم يعد مقدم النشرة هذا الحيادي الموضوعي التي لا يمكن الشك بما يقوله.

كما أن الأخبار أصبحت مقتضبة ومغرضة بالنسبة للمشاهدين الذين لم يعودوا متلقين سلبيين بقدر ما أنهم أصبحوا راشدين ويطالبون بأن يصبح التلفزيون انعكاسا لاهتماماتهم وما يعيشونه من حياة يومية. باختصار أدت التطورات الجديدة إلى إبراز مفعولين أساسيين:

- مفعول «العدسة المكبرة» حسب تعبير الكاتب.

ذلك أن نسبة المشاهدين ارتفاعا وانخفاضا للبرامج التلفزية قد بينت أن الجمهور العادي لا يحب النظريات المجرد، ويكره الخطابات الاختصاصية، ولا يطيق المناقشات العويصة. إنه يحب أن يفهم الواقع كما يتراءى له وليس كما يريده القائمون على التلفزيون.

إذن لا بد من التبسيط الذي تحول إلى «قانون» تلفزي لكسب الجمهور. كيف؟

إن ذلك يتم بإبصار الجزئيات في الحياة اليومية وإعطاء انطباع عن الأحداث الجارية، «فانطلاقا من الجزئيات يمكن فهم الكليات» وعلى قاعدة معطى الانطباع يمكن للمشاهد أن يدرك نتائج القرارات والإجراءات والأحداث حول حياته اليومية.

 - مفعول «المرآة» الذي يعكس حاجة الجمهور لأن يجد نفسه في البرامج التلفزية عبر ظهور أناس «مثلي ومثلك» على الشاشة الصغيرة. بتعبير آخر أصبحت الحاجة ماسة إلى إبصار وجوه «ترمز» للمشاهدين بحيث إن التلفزيون لم يعد أكثر من مرآة لهم.

 لقد بدأت هذه الحركة مع لجوء بعض الصحافيين إلى إعطاء «الميكروفون» لبعض النظارة وذلك كشاهد على حدث ويريد طرح آرائه وانطباعاته. لكن هذه الحركة سرعان ما اتسعت وتوطدت لتفرض نفسها اليوم. فالشاهد سواء أكان دافع ضرائب أم مستخدما أم ضحية أم ربة بيت. أصبح نوعا من من «الناطق باسمنا» في التلفزيون.

 إنه الـ «نحن» الصريحة والواضحة التي ترد على الأسئلة وتطرح الأسئلة وتبين نقدها أو غضبها بحيث يمكن لكل منا أن يتماهى بها.وسواء في مفعول العدسة المكبرة أم في مفعول المرآة اللذين أنتجهما البحث عن أوسع الجمهور وإرضائه بكافة السبل، فنحن أمام نظام جديد يولد نفسه بنفسه ويضع في قلب آلية عمله المشاعر الفردية والبحث عن الانفعال العاطفي لدى المشاهدين وإطراء النزوعات «النرجسية» لديهم بحيث لا يبقى للصحافي سوى «الاعتقاد باستقلالية» عمله المهني.

والمشكلة في ذلك أن معظم وسائل الإعلام تتنافس فيما بينها لكي تحصل على «القيادة الإعلامية» سواء في بلدانها أو على المستوى الدولي وذلك طبقا لهذا النظام الإعلامي الجديد. فسواء كان الفرد غنيا أم فقيرا، عالما أم جاهلا، فتيّا أم مسنّا، رجلا أم امرأة، فإن الانفعال تحسسا وتأثرا هو ما تبحث عنه كبريات هذه الوسائل.

هذا ما يفتح الباب أمام إلغاء الحس النقدي لدى المشاهد وتحويله إلى مستهلك إعلامي «مرتكس»، الأمر الذي لا يمكن أن يحمل سوى نتائج سلبية على الحياة الديمقراطية ورؤية المشاكل الحقيقية للعالم.

بعبارة أخرى فإن التطورات الإعلامية تفتح المجال للشعور لا للتحليل، للاستهلاك لا للنقد بحيث أن المشاهد يسجل في ذهنه ما يُطرح له دون مصفاة أو مراجعة، وإذا ما تم له ذلك في البداية فإنه سيعتاد شيئا فشيئا هذه التطورات تبسيطا للأحداث وانجرافا مع المحركات العاطفية وابتعادا عن القضايا الأساسية والكبرى.

والأخبار ليست وحدها المعنية بتطورات النظام الإعلامي. فخلال خمسين عاما تغيرت جميع أنواع البرامج التلفزية. فإذا كان الزمن البطولي التلفزي قد تميّز بأعمال سينمائية تلفزية مأخوذة عن التراث الثقافي الكلاسيكي، فإن «القصة الخيالية» الجديدة قد انزلقت نحو شخصيات عادية يومية.

وهنا أيضا فالأبطال العاديون «قريبون جدا منا» و«يحركون مشاعرنا اليومية» في الوقت الذي يجعلوننا نتماثل بهم الأمر الذي يفسر إقبال الجمهور عليها، فهذا الأخير يريد أفلام «حركة» و«حكايات بسيطة» و«لذة مباشرة» ومن هنا تأثير المسلسلات التلفزية الأميركية التي قامت بذلك والتي انتقلت إلى تلفزة «العالم الحر» بحيث أن أعوام السبعينات كانت فرصة «لإنزال ثقافي أميركي» في أوروبة.

وكل ذلك بحسب المصدر المذكور نصاً و دون تعليق.

المصدر: البيان الإماراتية-20-10-2006