هل تمثل الصين خطرا حقيقيا على الولايات المتحدة؟

 

 

 

إسم الكتاب:  ماذا يحتاج العالم ليعرف عن القوة العظمى المرتقبة

The Balance Sheet China: What the World needs to know about the Emerging Superpower

المؤلف: مجموعة من الخبراء والباحثين الأمريكيين في الشأن الصيني

الناشر:  PublicAffirs New York

تاريخ النشر : ‏2006‏‏

عدد الصفحات: 207

 

صدر منذ أسابع قليلة  عن دار Public Affairs في نيويورك كتاب China: The Balance Sheet ، الذي  شارك في إعداده باحثون وخبراء من معهد الاقتصاد الدولي IIE ومركز الدارسات الإستراتيجية والدولية   CSIS في واشنطن حول الصين والعلاقات الأمريكية الصينية. يهدف الكتاب إلى تقديم معلومات وافية ودقيقة عن الوضع الحالي للاقتصاد الصيني والدور المتنامي للصين وحجم  التنافس والتهديد الذين يمكن أن تواجه الولايات المتحدة في المستقبل. يتكون الكتاب من خمسة فصول وخاتمة تدور حول الاقتصاد الداخلي وطبيعة التحول الديمقراطي للصين  وحجمها  في الاقتصاد العالمي  ثم السياسة الخارجية وقضايا الأمن . أما الخاتمة فقد جاءت تحت عنوان " نحو علاقات صينية أمريكية جديدة.

فشل الماضي

يذكر مؤلفو الكتاب أن الصين كانت ولا تزال تستعصي على فهم الأمريكيين نظرا للغموض والتعقيد وعدم دقة المعلومات المتاحة حول هذه الدولة التي تشرف على أن تكون واحدة من أهم القوى في عالمنا المعاصر. فشلت الولايات المتحدة خلال القرن العشرين في ترويض الصين ولم تكن السياسة الأمريكية قادرة على فرض منطقها ومصالحها في التعامل معها، لكن هذه العلاقات أصبحت تعني الآن الكثير نظرا لحجم التحديات التي تواجه الطرفين بل العالم أجمع مثل التوازن بين القوى العظمى ودعم النمو الاقتصادي العالمي وزيادة انتشار الأسلحة النووية ومجابهة الإرهاب.

وبالنسبة للولايات المتحدة فإن القلق يتضاعف بسبب الأثر الذي يتركه تنامي قدرات ودور الصين في العالم على الأوضاع الاقتصادية والسياسية والأمنية في الولايات المتحدة ، ومع ذلك فإن العلاقات بين البلدين أعقد وأكبر من مجرد تنافس بين قوتين كما يقول مؤلفو الكتاب.

توجيه الأسئلة الصحيحة

يحاول الكتاب من خلال توجيه مجموعة من الأسئلة حول مستقبل الصين والعلاقات بين البلدين أن يرشد الإستراتيجية الأمريكية إلى كيفية التعامل السليم مع تنامي دور الصين في العالم.

ومن بين هذه الأسئلة :

هل يستمر نمو الاقتصاد الصيني أم  انه سينهار؟

وما هي المصادر الفعلية لهذا النمو المذهل؟ 

وهل سيستمر هذا النمو في الارتفاع بمعدلات سريعة أم سيتعثر وينهار من جراء سوء الإدارة المالية والتنموية؟

ومن الأسئلة الهامة الأخرى التي يحاول الباحثون الإجابة عليها في هذا الكتاب :

هل سيؤدي النمو الاقتصادي السريع الذي تشهده الصين إلى المزيد من الأشكال الديمقراطية والتعددية في الحكم؟ وهل سيؤدي التحول الاجتماعي السياسي  إلى المزيد الاضطرابات أم سينجح الحزب الحاكم في الصين إلى السيطرة على زمام الأمور والاكتفاء بالنجاح على المستوى الاقتصادي ، وكيف سيؤثر كل سيناريو على مصالح الولايات المتحدة؟

يتطرق الكتاب إلى الملف الأمني في العلاقات بين الصين والولايات المتحدة من خلال توجيه نمط أخر من الأسئلة حول نموذج العلاقة الأمنية بين البلدين وهل ستكون الصين شريكا كما حدث مع نموذجي ألمانيا واليابان بعد الحرب العالمية الثانية أم ستكون منافسا ومزاحما كما في حالة الاتحاد السوفيتي أبان الحرب الباردة.  وهل يمكن أن تصل العلاقات بينهما إلى حد العداء؟

ومن أهم الأسئلة التي يوجهها الكتاب هي، هل تمثل الصين للولايات المتحدة تهديدا اقتصاديا يؤثر سلبا على سوق العمل ومستوى المعيشة والتنافس على مصادر الطاقة  أم أن هذا النمو الصيني سيعتبر فرصة  ويصب في النهاية في صالح اقتصاد الولايات المتحدة ، خاصة وأن عدد الشركات والمصانع الأمريكية في الصين في ازدياد مطرد.

الاقتصاد الصيني الداخلي

يعالج الفصل الثاني من الكتاب واقع الاقتصاد الصيني الداخلي وآفاق مستقبله، فكثير من جوانب صورة الاقتصاد الصيني في السنوات الأخيرة  تبدو مذهلة، حيث أصبحت الصين ذات رابع أقوى اقتصاد في العالم وثالث أقوى دولة تجارية. وبلغ معدل نمو الاقتصاد 10 بالمائة خلال العقود الثلاثة الماضية. وارتفع حجم إسهامه في التجارة الدولية بنسبة 12 بالمائة، كما بلغ احتياطي النقد الأجنبي في الصين عام 2006 تريليون دولار. وتأتي الصين في المرتبة الثانية عالميا بعد الولايات المتحدة في جذب الاستثمارات ورؤؤس الأموال. والمنتجات الصينية تعرف طريقها إلى كل ركن من أركان العالم.

ولكن من المهم كما يقول المؤلفون أيضا أن نتعرف على جوانب الضعف في الاقتصاد الصيني الداخلي، خاصة إذا ما قارنا هذا  بالاقتصاد الداخلي للولايات المتحدة. فعلى سبيل المثال لا تزال الصين رغم الطفرات في النمو الاقتصادي في العديد الدول الفقيرة، حيث لا يزيد متوسط الدخل عن ربع متوسط الدخل في الولايات المتحدة. ولا يتعدى الحد الأدنى للأجور ثلث نظيره في الولايات المتحدة. رغم حرص الصين على الحصول على تكنولوجية حديثة لدعم وتطوير قطاع الصناعة، فإنها لا تنفق إلا 10 بالمائة من إنفاق الولايات المتحدة على البحوث والتنمية ، ذلك في الوقت الذي لا تتعدى نسبة الباحثين والعلماء  الصينيين الذي لديهم القدرة على التنافس عالميا عشر نسبتهم في الولايات المتحدة.  

يضاف إلى هذه الجوانب العامل الإداري، حيث إن الصين في حاجة ماسة إلى إعادة هيكلة النظام المصرفي وتحسين أوجه الإنفاق وردم الهوة في مستويات الدخل بين المناطق الريفية والمدن.

التحولات الاجتماعية والسياسية في الصين

يركز الفصل الثالث من الكتاب على الأوضاع الاجتماعية والسياسية في الصين وتأثيرها على مستقبل هذا البلد كقوة عظمى. يرى مؤلف هذا الفصل أن الأولوية الأولى لدى القيادة السياسية الصينية هو الإبقاء على التحديات السياسية والاقتصادية والاجتماعية على ما هو عليه من أجل البقاء في السلطة لأطول وقت ممكن. وفي ذات الوقت تدرك القيادة تأثير العولمة والدعوة إلى الانفتاح  والإصلاح وما يمكن أن تمثله من تأثير على الشارع.

ويضرب المؤلف العديد من الأمثلة للأوضاع الاجتماعية والسياسية السيئة التي يعيشها المواطن الصيني والتي تدل على صعوبة تحديات الأجندة الداخلية للحزب الحاكم. ومن بين هذه الأمثلة يقول المؤلف إن حوالي 140 مليون صيني، وهو ما يعادل 15% من الأيدي العاملة هم عمال تراحيل ليس لهم مقر إقامة ثابت. ويضيف أنه يمكن للصين أن تتباهى بوجود استثمارات ورؤوس أموال ضخمة في البلاد ولكن في ذات الوقت لا يمكن أن تخفي حقيقة أن ما يزيد على 400 مليون شخص يعشون على أقل من دولارين في اليوم.

ويستطرد الباحث في وصف الفقر والأوضاع الاجتماعية السيئة في مجالات الخدمات الصحية وانتشار مرض الايدز والسارس وعدم توفر الخدمات الأساسية والتعليم للمواطن خاصة في المناطق الريفية ، ويضاف إلى كل ذلك مناخ القهر السياسي وانتفاء حرية التعبير.

هل تمثل الصين خطرا أمنيا على مصالح الولايات المتحدة؟

يناقش الفصل الخامس من الكتاب السياسة الخارجية للصين  وتحالفاتها الإقليمية  وقدراتها العسكرية وتأثير كل ذلك على مصالح الولايات المتحدة. يقول مؤلف هذا الفصل إن هناك دلائل على أن الصين كانت حريصة منذ فترة على تنمية علاقتها الإقليمية والدولية وأن لديها خطة إستراتيجية طويلة الأمد لتلعب دورا مركزيا في عالم العولمة. كان الدافع وراء تلك الخطة سعي بكين إلى خلق بيئة إقليمية ودولية تسهل لها تفعيل ونمو قدراتها الاقتصادية من جهة والحفاظ عل سيادة واستقلال وضعها السياسي من جهة أخرى.

كما كان حرص الصين على البحث عن الموارد الطبيعة خاصة مصادر الطاقة لتلبية احتياجات القطاع الصناعي دافعا مهما أيضا في تشكيل تحالفات الصين ورسم سياستها الخارجية  في السنوات الأخيرة وهذا ما يفسر من وجهة نظر الكاتب مواقف الصين من دول مثل السودان وإيران وبورما ودول أخرى لا ترضى قبولا في العالم الغربي.

يفرد الكاتب جزءا كبيرا من هذا الفصل للحديث عن العلاقة بين الصين تايوان وسيناريوهات وقوع أي أزمة في المستقبل على العلاقات بين الصين والولايات المتحدة. ويقول إنه على الرغم من أن الصين كانت المستفيد الأول من الاستقرار الذي وفرته القوة العسكرية الأمريكية في شرق ووسط أسيا في أعقاب الحرب العالمية الثانية حتى الآن، إلا أن توازن القوة في الإقليم سيظل قائما. وأن الصين لن تسعى إلى عداء الولايات المتحدة وتهديد مصالحها الإستراتيجية هناك.

مستقبل العلاقات الأمريكية الصينية

تركز خاتمة الكتاب على مستقبل العلاقات الأمريكية الصينية والبحث عن إطار جديد لهذه العلاقات، فالصين كما يرد في خاتمة الكتاب تزداد يوم بعد يوم تعقيدا وتناقضا، فالصورة التاريخية النمطية عن الأمة الصينية ذات الثقافة والتكوين السياسي الواحد باتت من الماضي.

فاليوم هناك أكثر من صين : الريف والحضر ، الثروة والفقر،  التعليم  والأمية ، الدولية والانعزالية، وكل ذلك في سياق  التنوع  والتفاوت . وبناء على ذلك، فإن المواطنين والقيادة السياسية في الصين يواجهون الآن حراكا داخليا لم يسبق له مثيل.

أما العلاقات بين الولايات المتحدة والصين فهي أيضا معقد ومليئة بالتناقضات ، فعلى الرغم من التنافس بين القوتين، فإنهما في حاجة إلى بعضهما البعض كما أن علاقات التبادل التجاري هامة جدا للطرفين، تعتبر الصين أكبر ثالث شريك تجاري  وثاني أهم مصدر للواردات الأمريكية . كما أن السلطات الصينية تعتبر ثاني أكبر دائن رسمي للولايات المتحدة ، حيث  يوجد على الأراضي الصينية مئات المليارات من الأصول المالية الأمريكية. وفي المقابل تعتبر الولايات المتحدة أهم شريك تجاري ثنائي للصين ومصدرا مهما للاستثمار وتصدير التكنولوجيا.

وفيما يتعلق بالسياسة الخارجية والعلاقات الدولية فإن مصالح الولايات المتحدة والصين متشابكة بدرجة تجعل من العداء بينهما أمرا مستبعدا، وإن كان ذلك لا يعني وجود اختلافات حول عدد من القضايا الإقليمية والدولية.

وكل ذلك بحسب المصدر المذكور.

المصدر: تقرير واشنطن-7-5-2006