الشراكة الأمريكية السعودية المعقدة : كتاب أمريكي جديد يضع نقاطا على بعض الحروف

 

 

 

اسم الكتاب: Thicker Than Oil

America’s Uneasy Partnership With Saudi Arabia

الكاتب: Rachel Bronson

الناشر: Oxford University Press 

تاريخ النشر: April  2006

عدد الصفحات: 353

 

من هي الكاتبة راتشل برنسون Rachel Bronson ؟

تعمل الباحثة راتشل برنسون Rachel Bronson في مجلس العلاقات الخارجية بمدينة نيويورك، وهي من أهم الخبراء الأمريكيين في الشئون السعودية. عملت برونسون من قبل في مركز السياسات الدولية والإستراتيجية بواشنطن. درست برونسون اللغة العربية لعدة سنوات، وحصلت برونسون على شهادة الدكتوراه في العلوم السياسية من جامعة كولومبيا المرموقة بمدينة نيويورك عام 1997.

لم تختر الكاتبة كلمة "علاقات" لتصف ما يجمع الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية، لكنها اختارت كلمة "شراكة" حيث يجمع الدولتين علاقات شديدة الخصوصية وشخصية جدا في الوقت نفسه. وتقول الكاتبة "نحن لا نحب السعوديين، وهم لا يحبوننا"، لذا فالرابطة بين الدوليين تمثل شيئا نادرا في العلاقات التي تجمع ما بين القوة الأكبر في العالم وقوة إقليمية لها وزن جيو-إستراتيجي  كبير.

وتمثل العلاقات بين الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية أحد أكثر القضايا إثارة في العاصمة الأمريكية واشنطن، ورغم اختصار الكثيرين وصف العلاقة بين الدولتين في عبارة "نفط مقابل الأمن"، إلا أن هذه العلاقات تشتمل على موضوعات عديدة يمثل كلا منها قضية هامة في حد ذاتها.

أهم قضايا العلاقات الأمريكية السعودية:

- البترول والطاقة

- الإرهاب ومكافحته

- التجارة والصين

- شركات السلاح

- سلام الشرق الأوسط

- الإصلاح السياسي والديمقراطية

- حقوق الإنسان وحقوق المرأة

- العداء لأمريكا وما يوصف بالوهابية الراديكالية

- برامج التعليم وتأشيرات السفر

وخلال خطابه في نهاية شهر يناير الماضي عن حالة الإتحاد الأمريكي، تحدث الرئيس الأمريكي جورج بوش عن هدف تخفيض استيراد النفط من الشرق الأوسط بنسبة 75 بالمائة بحلول عام 2025، وتمنى بوش أن توفر الولايات المتحدة بدائل لطاقة الشرق الأوسط.

وجاءت هذه الكلمات لتبرز حجم وعمق وتعقيد العلاقات الإستراتيجية بين الدولتين. فبرغم التصريحات الرسمية عن إستراتيجية وتاريخية تلك العلاقات، إلا أن ما لا نعرفه عن تفاصيلها يزيد كثيرا عما هو معلن منها.

أمريكا والسعودية.. البترول .. الله .. والموقع الإستراتيجي

يتناول الكتاب من خلال فصوله الثلاثة عشر تاريخ العلاقات بين البلدين منذ أوائل القرن العشرين وحتى أوائل القرن الحادي والعشرين. ويسرد فصل الكتاب الأول لخلفية هذه العلاقات التي رأت الكاتبة أنه يمكن اختزالها في ثلاث كلمات إنجليزية فقط Oil, God, Real Estate.

وتقصد الكاتبة بذلك موضوع النفط ومحوريته للعلاقات بين الدولتين، فالمملكة العربية السعودية هي أكبر مصدر للنفط في العالم، ولنفوذها الكبير داخل منظمة الدول المصدرة للنفط "أوبك" الدور الكبير في تحديد حجم إنتاج المنظمة وما يترتب عليه من تسعير النفط في السوق العالمي. ويمثل الدخل الناتج عن صناعة النفط ما بين 90 -95 بالمائة من إجمالي الناتج القومي السعودي.

أما موضوع الله فتقصد به الكاتبة الدين الإسلامي (المذهب الوهابي تحديدا) وكونه عماد الدولة السعودية منذ نشأتها. ويجيء وجود أهم المقدسات الإسلامية داخل حدود المملكة السعودية ليضيف لها أهمية نادرة في العلاقات الدولية وليس العلاقات الإقليمية فقط. ولمكانة الدولة السعودية الخاصة عند المسلمين وما تمثله من ميزة كبرى، فإن ذلك لا يعفى السعودية من ضرورة لعب دور عالمي كبير كراعية للدين الإسلامي خاصة إبان حقبة الحرب الباردة.

وثالث أركان العلاقات الخاصة بين الدولتين في نظر الكاتبة يتعلق بالموقع الإستراتيجي للمملكة السعودية. فوجود المملكة على مساحة كبيرة في قلب الشرق الأوسط وقربها تاريخيا من الإتحاد السوفيتي، جعلها حجر أساس في نظر الكثير من مخططي السياسة الخارجية الأمريكية منذ نهايات الحرب العالمية الثانية.

أمريكا والسعودية .. مكافحة الشيوعية وعبد الناصر!

منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وجنوح العالم لحقبة الحرب الباردة التي استمرت حتى نهايات عقد الثمانينات من القرن الماضي، صممت الإدارات الأمريكية المتعاقبة (الجمهورية والديمقراطية) على الحفاظ على علاقات جيدة مع السعودية. وكانت السعودية حسبما تذكر الكاتبة تشاطر الولايات المتحدة العداء للإتحاد السوفيتي، فالإتحاد السوفيتي دولة ملحدة لا تعترف بالأديان السماوية، والنظام السعودي كان ولا يزال نظاما دينيا في الأساس. (!!) لذا تمكنت الدولتان من وقف الزحف الشيوعي في العالم الإسلامي، وتصدتا كذلك أيضا لموجة القومية العربية التي تزايدت في أعقاب أزمة السويس 1956 وكان على رأسها الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر.

تاريخيا كانت علاقات الولايات المتحدة مع كبار منتجي النفط الأخريين علاقات ملتهبة سواء مع فنزويلا أو ليبيا أو إيران والعراق أو روسيا، على عكس العلاقة مع السعودية. وتري الكاتبة أن الولايات المتحدة استفادت لدرجة كبيرة خلال الحرب الباردة بصورة غير مباشرة من أنشطة السعودية في محيطها العربي، حيث كان للأموال السعودية التي تذهب للدول العربية في صورة استثمارات أو دعم مباشر للأنظمة الحاكمة دور كبير في وقف النفوذ السوفيتي. وحدث أن ساهمت السعودية بما يقرب من مليارين ونصف المليار من الدولارات سنويا لمصر مما أدي لتخلص مصر من النفوذ السوفيتي، كذلك كان  للأموال السعودية للمغرب دور كبير  في القضاء على الحركات الشيوعية المغربية، وتحولت مصر والمغرب إلى دول حليفة للولايات المتحدة. 

أمريكا والسعودية .. تعبئة الإسلام وتحالف مع المجاهدين

وجدت الدولتان نفسيهما في تحالف طبيعي وإستراتيجي غداة غزو الإتحاد السوفيتي لأفغانستان، ومولت السعودية عمليات تجنيد من أطلق عليهم لقب "مجاهدين" للقتال ضد القوات السوفيتية الغازية، ونشطت الاستخبارات السعودية والمصرية في تشجيع شباب العرب في السفر لأفغانستان، وساعدت الاستخبارات الباكستانية والأمريكية في الشئون اللوجيستية حتى دخول  المجاهدين العرب أفغانستان والانضمام لقوافل المجاهدين.

وترى الكاتبة أن السعودية قامت بتعبئة إسلامية كبيرة ضد الغزو السوفيتي لأفغانستان، كذلك قامت بجهود كبيرة لاحتواء تداعيات الثورة الإيرانية.

أمريكا والسعودية.. وما بعد 11 سبتمبر

ترى الكاتبة أن الولايات المتحدة دفعت في الـ 11 من سبتمبر أيلول ثمن سياساتها التي أتبعتها لما يقرب من نصف قرن تجاه السعودية، وتقول الكاتبة "لسنوات طويلة استغلت الأسرة المالكة في السعودية القضايا الداخلية لتقابل تهديدات خارجية تمثلت في المد الشيوعي في الشرق الأوسط، وأوجدت الأسرة الحاكمة شرعية داخلية تستطيع بها مواجهة تلك التهديدات، وتحالفت الأسرة الحاكمة مع أكثر مدارس المؤسسة الدينية السعودية تطرفا "الوهابية". من ناحيتها لم تتجاهل واشنطن ما تقوم به السعودية، بل على العكس وافقت عليه وشجعته من أجل الحفاظ على المصالح الجيو –إستراتيجية، وكان هناك ثمن طويل المدى لهذه السياسية، وقد دفعت الولايات المتحدة هذا الثمن في 11 سبتمبر."

وتذكر الكاتبة أن العلاقات بين الدولتين توترت لفترة قاربت على الـ 20 شهرا بعد أحداث 11 سبتمبر، وكان لامتناع السعودية عن الاعتراف الصريح بمسئولية 15 من مواطنيها عن هذه الأحداث الدور الأكبر في هذا التوتر، وجاء هذا الاعتراف السعودي متاخرا بعد سلسلة من الهجمات الإرهابية داخل المملكة والتي كانت قد بدأت في شهر مايو 2003.

وتشير الكاتبة إلى أن السعوديين رحبوا وما زالوا يرحبون بزيارات مسئولين من مكتب التحقيقات الفيدرالية  FBI للإطلاع على الجهود السعودية في مكافحة الإرهاب وتدعم أوجه التعاون المشترك في هذا المجال.

وساءت صورة المملكة العربية السعودية بصورة كبيرة وغير مسبوقة عند الرأي العام الأمريكي، والإعلام بصورة خاصة، إلى إزدياد العداء من جانب الكونغرس منذ أحداث الـ11 سبتمبر. ولا يفوت الكونغرس فرصة، إلا ويوجه الاتهامات الواقعي منها وغير الواقعي للسعودية. ورغم استعانة الحكومة السعودية بالعديد من شركات اللوبي وخبراء العلاقات العامة، إلا أن هذه الصورة ما زالت سيئة للغاية عند غالبية الشعب الأمريكي.

المستقبل .. والشراكة الباقية

رغم أن النفط كان وما يزال أحد أهم أعمدة العلاقة الخاصة التي تجمع الولايات المتحدة مع المملكة العربية السعودية في عالم اليوم. ومع ازدياد الطلب الصيني على مصادر الطاقة وخصوصا البترول تتضاعف أهمية السعودية الإستراتيجية على المستوى الدولي مرة أخرى.

وتذكر الكاتبة أنه وبالرغم من أهمية العلاقات بين أمريكا والسعودية، فأن هناك الكثير من الضغوط والعوامل المسببة للتوتر بين الدولتين، و تشير إلى وجود سوء فهم كبير لأبعاد هذه العلاقة المعقدة. وينتهي الكتاب بعرض بدائل للإدارة الأمريكية فيما يتعلق بكيفية التعامل مع المملكة العربية السعودية، وتطرح الكاتبة بديلين:

الأول: الابتعاد عن التحالف مع النظام السعودي وعدم اعتباره صديقا في العلن بدعوى فساده وعدم شرعيته وعدم أخلاقيته، وهذا البديل سيمنح الولايات المتحدة احتراما كبيرا في الشرق الأوسط.

الثاني: التواصل مع السعودية على أسس جديدة تسمح ببقاء التحالف الحالي مع ترك مساحات للاختلاف وللضغط من اجل تبني سياسيات إصلاحية حقيقية في داخل المملكة.

وكل ذلك بحسب المصدر المذكور.

المصدر:تقرير واشنطن-26-4-2006