1967 البلاد بدلت وجهها الحلقة (1)

 

 

الدولة العبرية تحاول عبثاً الاستمرار بالوجود على أساس ديني .

كتاب صدر مؤخراً باللغة العبرية للمؤرخ الصحافي توم سيغف يبحث خلاله الحياة في إسرائيل قبيل حرب يونيو 1967 والتمييز الذي واجهه السفارديم «اليهود الشرقيون» لصالح الأشكيناز «اليهود الغربيون»، وكيف تسلل الخوف للأوساط الرسمية من إحتمال مغادرة السفارديم إسرائيل بحثاً عن مكان جديد يعيشون فيه بمساواة.

 يكشف الكتاب ولأول مرة عن تورط المخابرات الإسرائيلية في حادثة اختطاف واغتيال المعارض المغربي المهدي بن بركة، وتكتسب هذه المعلومة أهمية كبيرة إذا ما علمنا أن سيغف استغرق في إنجاز كتابه خمس سنوات قضاها باحثاً في أرشيف إسرائيل والولايات المتحدة وبريطانيا.

ويبحث كذلك في النقاش الذي دار بعد يونيو 67 حول مستقبل الأراضي المحتلة في كل من الضفة الغربية وغزة والجولان وسيناء، وطريقة التعامل مع الفلسطينيين. ويتعرض توم سيغف في كتابه لمخططات حكومية تقضي بتدمير البيوت العربية وترحيل السكان.

وفي هذا المجال يوضح الكتاب مخططات الترحيل لكل من العراق وليبيا، ودول أميركا اللاتينية، كما يتطرق سيغف لإقتراحات نقل سكان غزة إلى العريش وتوطينهم هناك.

قبل اندلاع حرب يونيو 1967، غادر عدد من الإسرائيليين إلى الخارج هرباً من الظروف الاقتصادية والأمنية السيئة، مما جعل القلق يتسرب إلى الأوساط الرسمية في إسرائيل وجعل الصحف تحشد كافة طاقاتها للتأكيد على سلبيات هذه الهجرة المعاكسة.

كما تعززت تلك المخاوف حينما تلقت وزارة الخارجية تقريراً من القنصل الإسرائيلي في نيويورك أعرب فيه عن القلق الذي يسود أوساط اليهود المقيمين في الولايات المتحدة، أولئك الذين بدأوا بالتساؤل عن دوافع هجرة الإسرائيليين بعيداً عن البلاد، مشيراً في تقريره إلى وجود شوارع كاملة في كوينز وبروكلين يتحدث فيها أشخاص باللغة العبرية.

هذه الأنباء تسربت إلى أوساط الجمهور الإسرائيلي الذي بات مؤمناً بأن الأمر يتعلق بظاهرة واسعة تثير الغضب والقلق في آن واحد، حيث يمكن القول بأنه لم يكن هناك ما يمكنه زعزعة الإيمان بمستقبل وجود إسرائيل كدولة أكثر من الهجرة العكسية، التي ترافقت أيضاً مع انخفاض كبير في أعداد المهاجرين إلى إسرائيل.

وليس ذلك فحسب، بل كان الانخفاض متراكماً على مدار أربع سنوات إلى أن وصل ذروته في عام 1967، إذ لم يصل إلى إسرائيل سوى ثمانية عشر ألف مهاجر وهو ما حدث للمرة الثانية فقط، وذلك بعد انخفاض عدد المهاجرين الجدد إلى إسرائيل بداية الخمسينيات.

وفي الحقيقة، لا يعلم أحد العدد الحقيقي للإسرائيليين الذين غادروا البلاد إلى الأبد خلال الثمانية عشر شهراً السابقة لحرب يونيو 1967، أي أن العدد قد يفوق عدد الذين قدموا إلى إسرائيل.

حيث أفادت السفارة الأميركية في تل أبيب أنها أصدرت 1500 تأشيرة هجرة كل عام وأن نصف أفراد الهجرة العكسية بقوا في الولايات المتحدة، لكن هذا الرقم بعيد عن الصواب.

إذ أن عدداً قليلاً من الذين هاجروا أعلنوا عن نيتهم مغادرة إسرائيل إلى الأبد، بعبارة أخرى، سافر الكثيرون من أجل الدراسة أو العمل ثم عادوا بعد سنوات إلى إسرائيل، كما غادر البعض لفترة مؤقتة لكن ظروف الحياة في المكان الجديد أغرتهم بالبقاء.

 لكن ذلك لا ينفي أن الأمر بات مقلقاً، فقد صدق حاييم غوري عندما قال: «إن عدد اليهود الإسرائيليين الذين تحولوا إلى أمريكيين يفوق بكثير عدد اليهود الأمريكيين الذين أصبحوا إسرائيليين، إلا أن هذا ليس مقلقاً بحد ذاته، وإنما ما يثير القلق، هو أن عدد الذين من الممكن أن يقتلوا خلال معارك ضد سوريا أقل من عدد الذين يغادرون البلاد».

وبهذا أصبحت الهجرة العكسية وباءاً رئيسياً يضاف إلى الركود الاقتصادي والبطالة، إلا أن الهجرة بقيت مشكلة قيمية ونفسية، الأمر الذي ألزم إسرائيل بالتفكير الجدي لمواجهة حقيقة وجود أشخاص قرروا بمحض إرادتهم الشخصية تفضيل الشتات على الوطن، وهو ما كان أكبر إهانة للصهيونية.

مما دفع العديد من الدبلوماسيين الإسرائيليين في الخارج للتحذير من فداحة الأمر، حيث بعث القنصل الإسرائيلي في سيدني تقريراً جاء فيه «يحصل المهاجرون اليهود من إسرائيل على كامل الدعم من المؤسسات الاجتماعية الكاثوليكية، ويوُصف هؤلاء باللاجئين وهو مصطلح سيئ جداً، لا ترغب أي أذن صهيونية بسماعه».  كما شكى من ظاهرة الهجرة العكسية دبلوماسيون إسرائيليون في كندا وجنوب أفريقيا والسويد ونيجيريا، حتى أن صحيفة «يديعوت أحرونوت» نشرت إبان تلك الفترة نبأ جاء فيه أن المؤسسات الاجتماعية الفرنسية تجد صعوبة في مواجهة الهجرة العكسية من إسرائيل.

وفي داخل إسرائيل، كانت النظرة سلبية جداً لأولئك الذين هاجروا من البلاد سواء على المستوى الرسمي أو الشعبي، حتى أن الصحف وجهت إليهم الكثير من كلمات الشجب والاستنكار.

وساوتهم بأوائل الصهاينة الذين تركوا الكيبوتسات بحثاً عن حياة مرفهة في المدن. أما الأوساط الحكومية فلقد حاولت جاهدة دراسة الأسباب التي تدفع الناس إلى الهجرة، والبحث عن الوسائل الكفيلة بوقف هذه الظاهرة.

وفي حديث مفصل لوزير الصحة يسرائيل بارزلاي أمام الكنيست ركز فيه على هجرة الأطباء الشباب إلى الولايات المتحدة،واعترف بصراحة أن عدد الأطباء خريجي الطب من هداسا المهاجرين نحو واشنطن ارتفع بشكل مذهل من 9% إلى 40%.

واقترح لوقف هذه النسبة، عدم قبول طلاب جدد في كليات الطب بإسرائيل إلا إذا تعهدوا بعدم مغادرة البلاد خلال الأعوام الأولى لإنهاء دراستهم. رقابة حكومية .

كما اتخذت الحكومة في فبراير1967 قراراً يقضي بفرض رقابة على الأنباء الصحافية التي تتحدث عن الهجرة العكسية وبخاصة تلك المتعلقة بمهاجرين جدد قدموا من الإتحاد السوفيتي إلى إسرائيل ويطالبون الآن بالعودة إلى بلادهم.

ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل بدأت الحكومة بمناقشة سلسلة من الإجراءات والقرارات من قبيل، هل يمكن السماح لأولئك المهاجرين إلى الخارج بالتخلي عن جنسيتهم الإسرائيلية؟

وهل بالإمكان تمديد جوازات سفرهم رغم حقيقة وجودهم خارج البلاد؟ وما هي إمكانية تقديم مساعدات وتسهيلات لحثهم على العودة إلى البلاد ومعاملتهم كقادمين جدد مرة أخرى؟.

هذه الإجراءات المقترحة، أثارت جدلاً داخلياً صاخباً في أروقة الحكومة، فعلى سبيل المثال، وبخت وزارة الداخلية سفير إسرائيل في السويد لأنه أعرب عن اعتقاده بوجوب السماح للمهاجرين اليهود في الخارج بتمديد جوازات سفرهم الإسرائيلية إذا رغبوا بذلك، مما عرّضه لسخط الوزارة التي استغربت من دفاعه عن أشخاص تخلوا عن بلادهم، إلا أن السفير لم يقف مكتوف الأيدي ورد قائلاً:

«أنا أدافع عن دولتي، وباقتراحي هذا أحاول منع ظاهرة الدولة الاعتباطية التي تضع قوانين مجحفة ووحشية وغير معقولة، فالمهاجر من البلاد يبقى إنساناً يحتاج أن نوجد له قوانين منطقية تساعده على ترتيب أوضاعه».

واكتسبت مسألة تمديد جوازات سفر المهاجرين اليهود الذين تركوا إسرائيل، مزيداً من الصخب حينما اشتدت حدة الحرب في فيتنام، وذكرت الأنباء الواردة من أماكن مختلفة في الولايات المتحدة بأن الكثير من الإسرائيليين المهاجرين إلى واشنطن يطالبون بتمديد جوازات سفرهم الإسرائيلية خشية تجنيدهم في الجيش الأمريكي ونقلهم إلى ساحة المعارك في فيتنام.

واستجابة لموجة الغضب من الهجرة العكسية، جندت الصحف العديد من كتابها للتعليق على هذه الظاهرة، حيث كتب شموئيل شنيتسر «المهاجر العكسي هو ذاك الشخص الذي تعد الدولة في نظره فندقاً وليس بيتاً، الشتات في قلبه.

ومن هنا يكون الانتقال إلى بلد آخر بمثابة عارض لهذا المرض»، أما أليعازر ليفني فلقد كتب قائلاً: «الهجرة العكسية هي بمثابة تعبير عن طبيعة كثير من اليهود الذين يشعرون بأنهم يفتقدون الجذور.

وإن دافعهم الأساسي، بل والوحيد، هو إضافة ربح مالي أكثر، إن وطنهم هو المكان الذي يدر عليهم ربحاً أكثر». في حين نددت صحيفة يديعوت أحرونوت بأولئك المهاجرين الذين فضلوا البقاء في ألمانيا وفي الأحياء التي سكنها أدولف هتلر، واصفةً هذا العمل بالقول:

«إن هذا يشكل عاراً وإهانة للدولة، كيف يرضى أولئك بالعودة للأحياء التي قطنها من أرسلوا اليهود قبل عشرين عاماً إلى المحارق». وعلى الرغم من الأوضاع الاقتصادية السيئة، إلا أن الصحف الإسرائيلية كانت حذرة جداً من تبرير الهجرة العكسية، ولكنها أيضاً لم تتقاعس عن واجبها بتوجيه بعض الانتقادات بين الحين والآخر.

وعلى سبيل المثال، حينما وصف وزير المالية آنذاك هؤلاء المهاجرين من البلاد «بالفارين»، كتبت هآرتس رداً جاء فيه «في ظل وجود أبطال من أمثاله، فإنه ليس أمام هؤلاء أي خيار سوى الفرار من الحرب، هناك أماكن أفضل للعيش فيها، فإسرائيل تدفع بالأشخاص نحو الهجرة، والولايات المتحدة تشكل عنصر الجذب الأول لهؤلاء».

وتصاعد حديث الصحافة العبرية حول ظاهرة الهجرة العكسية في أعقاب الأنباء التي تحدثت عن اثنين من المهاجرين اليهود قادمين من الأرجنتين وكيف هربا من إسرائيل مختبئين على ظهر سفينة ألمانية.

حيث فتحت هذه الحادثة موجة غضب عبرت خلالها الصحف عن الصعوبات التي تواجه القادمين الجدد على صعيد استيعابهم في إسرائيل، وبالتحديد أولئك القادمين من أمريكا الجنوبية، وجاء في إحدى المقالات في هآرتس.

«أحد الأسباب المهمة التي تجعل المهاجرين إلى إسرائيل يصلون إلى درجة اليأس هو الإهانة اليومية للشعور بالكرامة الذي كانوا يتمتعون به في بلدانهم الأصلية»، ونجد نفس النبرة في صحيفة معاريف التي قالت :

«نحن لا نعمل على احتواء القادم الجديد داخلنا»، في حين كتبت «يديعوت أحرونوت»..«تعود عملية الهجرة العكسية إلى التناقضات الحاصلة بين الآمال التي يحلم المهاجر بوجودها في إسرائيل وبين الواقع الذي يشاهده».

وخلافاً للانتقادات الموجهة للمهاجرين اليهود من إسرائيل، ظهرت بعض الأصوات التي قامت بتحليل الظاهرة بصورة أكثر عمقاً، ومن هؤلاء «شموئيل» الذي كتب في معاريف مقالة اعتبر فيها أن الهجرة العكسية ظاهرة ناجمة عن التسوية الحاصلة بين دولة إسرائيل ويهود العالم.

والتي تعتمد في أساسها على تبريرات الحركة الصهيونية غير المستنكرة لفكرة التيه الإيجابي، فطالما استطاع اليهودي في الشتات تعلم اللغة العبرية والحافظ على النقاء العرقي بعدم الزواج المختلط، فلماذا لا يحق لليهودي الإسرائيلي المشاركة في هذا التيه الإيجابي؟

أي أنه مادام البقاء في أرض إسرائيل والبقاء في الشتات سيان، فلماذا لا يسكن جميع اليهود في المكان الذي يجدونه أكثر راحة؟

ومن الأمور التي تم استخدامها في تفسير هذه الظاهرة، غياب الشعور القومي عند اليهود، والذي كان عاملاً في إلقاء اللوم على الدولة التي لا تربي أطفالها على إدراك حقيقة الوطن، وحول هذا الموضوع كتبت صحيفة يديعوت أحرونوت منتقدة غياب القيم في إسرائيل .

ومعتبرةً أن الخدمة العسكرية هي القيمة الوحيدة لدى الدولة. أما صحيفة هآرتس فقد وجهت انتقاداً لإخفاق التربية والتعليم القومي واصفةً ظاهرة الهجرة العكسية «بأزمة الجيل الشاب».

منذ تأسيس إسرائيل في أيار 1948، شكل الاشكيناز غالبية السكان، حيث كان ثمانية من أصل عشرة مواطنين من الاشكيناز وثمانية أطفال من عشرة ولدوا لأمهات أشكيناز.

ولكن خلال الأعوام اللاحقة استوطن في إسرائيل عدد من الشرقيين يزيد عن عدد الاشكيناز، وخلال النصف الثاني من الستينات حدثت الثورة الأكبر إثارة في إسرائيل حيث ارتفع عدد اليهود الشرقيين وأصبحت نسبة الأطفال المولودين لأبوين شرقيين ضعفي عدد المواليد الاشكناز.

وفي عام 1967 أيضاً تم تسجيل تعادل عددي بين الاشكيناز والسفارديم، وفي وقت لاحق تحول الاشكيناز إلى أقلية، أما في عام 1968 فإن ثلاثة فقط من كل عشرة أطفال ولدوا لأمهات اشكينازيات.

وعلى الرغم من ذلك، استمر التمييز ضد اليهود الشرقيين «السفارديم»، إذ تلقى المهاجرون الجدد القادمون من أوروبا أجوراً أعلى من المهاجرين القادمين من الدول العربية، بل إن القادمين الجدد من الاشكيناز تلقوا أجوراً أعلى من قدامى المهاجرين الشرقيين.

وعلى سبيل المثال، وصل متوسط دخل العائلة الاشكينازية إلى 825 ليرة شهرياً في حين بلغ متوسط دخل العائلة الشرقية 531 ليرة شهرياً.

إن الفوارق بين اليهود الشرقيين والغربيين يعود معظمها إلى حقيقة أن معظم السكان القدامى في إسرائيل كانوا من العنصر الاشكينازي أي أن أغلب الشرقيين جاءوا إلى البلاد بعد إقامة دولة إسرائيل، عدا عن أن معظمهم كان يفتقر إلى الكفاءة والمهارة التي يتمتع بها الفرد في المجتمع الغربي.

أما المستوى المعيشي المتفاوت بين الطرفين، فيمكن رده إلى تلقي 250 ألف اشكينازي تعويضات مالية من ألمانيا باعتبارهم ناجين من الإبادة النازية، الأمر الذي مكّن هؤلاء من استثمار أموال التعويضات في تحسين مستوى معيشتهم .

والانتقال للسكن في شقق مريحة، ويمكن القول إن التعويضات الألمانية ساهمت بزيادة دخل الذين تلقوها بحوالي 30% بالمقارنة مع ما حصل عليه المواطن الإسرائيلي، الأمر الذي شكل عاملاً جديداً في تعميق الفجوة الطائفية بين الاشكيناز والسفارديم.

ونتيجة للظروف الاقتصادية السيئة التي عاشها اليهود الشرقيون، انخفض المستوى التعليمي لأبنائهم إذ لم يشكل هؤلاء سوى 15% في صفوف الثانوية العامة، في حين تصل نسبتهم إلى 63% في الصفوف الأولى من المدرسة، أما على الصعيد الجامعي، فقد شكل الطلبة الشرقيون 13% فقط، وفق الإحصاءات القطرية لعام 1966 والتي جاء فيها أيضاً أن نسبة المرشحين من الطلبة الشرقيين لنيل شهادة الدكتوراة لا تتجاوز 8%.

هذا الواقع الصعب، دفع رئيس الوزراء ليفي اشكول لتوجيه سؤال لوزير التعليم حول كيفية تقليص الفجوة التعليمية بين السفارديم والاشكيناز، فكان الجواب الوحيد «ضرورة القضاء على رواسب الماضي والعمل على رفع مستوى دخل اليهود الشرقيين».

لكن الواقع الاقتصادي للشرقيين لم ينعكس على الحياة التعليمية لأولادهم فقط، بل انعكس على تواجدهم السكاني، إذ نشأت العديد من الأحياء الفقيرة المقتصرة على الشرقيين.

والتي سادتها عصابات شوارع من الشباب الذي لا يتعلم ولا يعمل والذين تسيطر عليهم ممشاعر الغضب بسبب أوضاعهم الإقتصادية، وقد وصل اليأس بهؤلاء، إلى حد إطلاق اسم (ميدان اليائسين) على أحد ميادين ضاحية المهاجرين في تل أبيب.

وفي مدينة تل أبيب ذاتها، سكن حوالي 20 ألف شخص شرقي في مساكن فقيرة، مما دفع نائب رئيس البلدية للحديث عن أن حل هذه المشكلة يستغرق 10-12 عاما، لكنه ما لبث أن تراجع عن وعوده حينما استفحلت الأوضاع سوءاً .

واتخذت الأمور منحيً خطيراً في صيف عام 1959 مع اندلاع اضطرابات قادها اليهود الشرقيون في شارع وادي الصليب في مدينة حيفا وامتدت في وقت لاحق لتشمل أماكن أخرى في إسرائيل.

وتفاقمت الأوضاع أكثر مع فترة الركود الاقتصادي العام التي عاشتها إسرائيل منتصف الستينات، حيث وصلت البطالة إلى 4,12% أي ما يوازي 100 ألف شخص، كان معظمهم من اليهود القادمين من المغرب والعراق، ووفق إحصائيات مكتب العمل آنذاك، كان ثمانية من كل عشرة ممن يتقدمون بطلبات تشغيل هم من اليهود الشرقيين.

وسعياً منها لمواجهة هذا الواقع، اتخذت الحكومة الإسرائيلية قراراً في يناير 1966 يقضي بتمديد الخدمة العسكرية للرجال وجعلها عامين ونصف مما ساهم في حصر جزئي للمشكلة، وفي فبراير 1966.

وعدت الحكومة بتوفير أماكن عمل لكل من يسعى لذلك، ولأن هذا الوعد كان غير منطقي في ظل غياب وسيلة التنفيذ، اندلعت أعمال شغب عنيفة انطلقت من تل أبيب، وأخذت الصحف تكتب حول الضائقة والمعاناة التي أصابت سكان اللد والرملة.

أور عكيفا، كرمئيل، يوكنعام، الناصرة العليا، معلوت، كريات شمونا وهي مناطق يشكل الشرقيون «السفارديم» حوالي 70% من سكانها، واصفةً إياها بالمناطق التي تحتضر، حيث كان يقطنها حوالي 80 ألف شخص عام 1949.

ولكن لأنها أصبحت مناطق فقر مدقع طاردة للسكان، لم يتبقَ فيها مطلع عام 1967 إلا 15 ألفا، وكذلك الحال في بيسان، التي انتقل إليها منذ عام 1948 حوالي 50 ألف شخص ومع بداية عام 1967، لم يكن فيها سوى 12 ألف شخص.

لقد أثارت هذه الأوضاع قلق سفير الولايات المتحدة في إسرائيل والذي بعث إلى وزارة خارجيته برسالة عبر فيها عن مقدار الفجوة العميقة بين الاشكيناز والسفارديم في مجال التعليم والإسكان والعمل.

 قائلاً إنها فجوة وتفرقة مقصودة ضد الشرقيين الذين يعيشون في غيتوات معزولة عن الاشكيناز، مضيفاً «يمكن القول ان أصل الشخص يحدد إلى درجة كبيرة مستقبله، وهذا هو الخطر الأكبر الذي يتهدد إسرائيل الآن».

وبالفعل ظهرت مشاعر مشابهة لما قاله السفير الأميركي، بمعنى تعزز الشعور القائل بأن التفرقة مقصودة، وأصبح هناك تيار يقول بأن سبب التمييز يعود لنشأة الحركة الصهيونية في أوروبا واستيعابها جميع الأفكار الوطنية والقومية والليبرالية والإشتراكية والشيوعية، بمعنى أنها استطاعت التفكير من خلال النمط الأوروبي.

وبهذا قررت أن حل مشكلة اليهود يستلزم نقلهم إلى دولة خاصة بهم، دولة يجب أن تكون جزءاً من الثقافة الأوروبية، وهذا ما كان، حيث بدأت الحركة الصهيونية وبرعاية الإمبراطورية البريطانية بإيجاد هذه الدولة معتمدة على اليهود الغربيين، لكن وبسبب الحرب العالمية الثانية التي تعرض فيها آلاف اليهود للقتل، اضطرت الحركة الصهيونية لإيجاد بديل لليهود الغربيين الذين قُتل الكثير منهم.

وبهذا توجهت الحركة نحو اليهود في الدول العربية وكأنها اكتشفت وجودهم فجأة، وبهذا أصبح اليهود العرب نوع من الاحتياط ولم يكونوا شركاء في الحلم الصهيوني.

وجود مثل هذه الأفكار، استوجب خلق مجتمع جديد تذوب فيه الفوارق بين الأطراف المختلفة، ولتحقيق ذلك استوجب العمل من خلال أبرز مؤسستين في المجتمع اليهودي، المدارس والجيش.

لكن المشكلة بقيت قائمة والتمييز بقي مستمراً لأن الهدف الحقيقي من صهر المجتمع وإعادة خلقه من جديد لم يكن المزج العادل بين الاشكيناز والسفارديم، بل إذابة اليهود الشرقيين «السفارديم» في المجتمع الاشكينازي الأوروبي وهذا بالفعل ما قصده الأديب حاييم هزان بقوله «ينبغي علينا محاولة جلب الثقافة والحضارة الأوروبية لأبناء الطوائف الشرقية».

لكن يمكن القول إن محاولات الإذابة والصهر لم تجدِ نفعاً، فالقضية أصبحت قضية غربة أعاقت الحياة المشتركة بين الطرفين، والدليل على ذلك أن نسبة الزواج المختلط بين الاشكيناز والسفارديم لم تتجاوز 15% عام 1967.

كما أن الأمور اتخذت منحى سلبيا في المدارس التي شهدت فصلاً بين التلاميذ الاشكيناز والشرقيين في صفوف الخامس والسادس الإبتدائي بناءً على مستوياتهم التعليمية، وهو القرار الذي كان يعني بصورة أو بأخرى الفصل بين الطرفين، لأن المستوى التعليمي للطلبة الاشكيناز أكثر تطوراً.

ونتيجة لذلك، قام مواطنون يهود قادمون من الدول العربية بإرسال خطابات غاضبة لرئيس الوزراء ليفي اشكول احتجوا فيها على النقاء العرقي الذي تقوم على أساسه الحكومة.

وبالفعل لم يكن في إسرائيل حتى تلك الفترة رئيس دولة من أصل شرقي، أو رئيس محكمة العدل العليا، أو رئيس للكنيست، أو رئيس حكومة أو رئيس أركان الجيش، فجميع هذه المناصب اقتصرت على الاشكيناز.

لقد كان هناك قاض واحد في المحكمة العليا من أصل شرقي، أما في الكنيست فلم يكن فيها سوى 25 عضوا شرقيا من أصل 120 عضو، ووزيرين اثنين في الحكومة، ولم يكن هناك ضابط واحد شرقي برتبة لواء في الجيش الإسرائيلي.

أما في مراكز القوى السياسية الأخرى، مثل نقابة العمال وفئة كبار الموظفين، فلم يعكس وجود اليهود الشرقيين حقيقة تعدادهم السكاني، وحول ذلك قال وزير البريد آنذاك «الياهو ساسون» :

« لقد توجه لي الكثير ممن أبدوا احتجاجهم على التمثيل البائس والتعيس للشرقيين في المجال السياسي، إني أحذركم من تراجع التأثير السياسي لحزب الماباي في أوساط اليهود الشرقيين».

ومن الجدير بالذكر هنا أن ساسون كان احد الوزيرين السفارديم في حكومة اشكول، لكنه كان مثل زميله وزير الشرطة الشرقي «بخور شلوم شيطريت» من قدامى المهاجرين الشرقيين، ووجودهما في الوزارة لم يمثل الهجرة اليهودية الشرقية الجديدة.

و كل ذلك حسب المصدر المذكور .

المصدر :  البيان الإماراتية نقلاً عن مركز جنين للدراسات الاستراتيجية – 19-4-2006