كتاب "بول بريمر" الجديد: لا مفاجئات ولا خروج عن خط إدارة بوش  

 

 

 

اسم الكتاب:My Year in Iraq – The Struggle to Build a Future of Hope

عامي في العراق - تحدي بناء مستقبل مليء بالأمل.

الكاتب: Paul Bremer

الناشر: Simon & Schuster 

تاريخ النشر: January 2006

عدد الصفحات: 417

 

لم يهد السفير بول بريمر الكتاب لزوجته وشريكته في الحياة فرانسيس ولا لأولاده أو أحفاده، ولم يهده لأجداده كما جرت العادة مع الكتاب الأمريكيين، ولم يهده كذلك للرئيس جورج بوش، بل قام بريمر بإهداء الكتاب إلى فئتين رأى فيهما شجاعة وأمل لما حلم به ومازال يحلم  بعراق مستقر ديمقراطي يعيش في رخاء يستحقه. من هنا أهدى بريمر الكتاب للشعب العراقي والجنود الأمريكيين في ذات الوقت.

كدبلوماسي لأكثر من 30 عاما بقى السفير بريمر دائما على خط الموافقة مع الرئيس بوش ومؤيدا دائما للسياسات الحكومية ومدافعا عن الإدارة. ولم يخرج الكتاب كثيرا عن هذا الإطار، حيث لم يقدم الكتاب نقدا لاذعا لفشل إدارة الرئيس جورج بوش في الإعداد بشكل دقيق لعراق ما بعد الاحتلال، ولا يقدم نقدا لخطواتها وحساباتها الخاطئة عقب الإطاحة بنظام صدام حسين.

يعرض الكتاب تفاصيل ما يجري خلف الأبواب المغلقة فيما يتعلق بإدارة الاحتلال، ويعكس الكتاب صورة جيدة عن نمط الحياة في العراق خلف الحواجز الأمنية الأمريكية داخل المنطقة الخضراء ببغداد ولا يخبرنا بالكثير عما يدور في دهاليز الحوزة الشيعية أو مقار الأحزاب الكردية وقطعا لا يعرض ما يدور في الأروقة السنية. ويرى السفير بريمر أن مهمته في العراق كانت أكثر صعوبة مما أعتقد، ويشرح بريمر تفاصيل عملية انتقاء العاملين مع الإدارة الأمريكية في العراق والفوضى التي تخللتها، ويتحدث عن كبار معاونيه الذين تم اختيارهم بناء على معرفة مسبقة أو بناء على تدخل من المقربين من أهل الثقة.

ويتذكر بريمر أول يوم وصل فيه لبغداد وكيف كان الحر شديدا لدرجة جعلته يقول "إذا كان الحر شديدا الآن في مايو، فماذا عن أغسطس".

وتم في الكتاب التحدث عن خبرة بناء ألمانيا الديمقراطية بعد الحرب العالمية الثانية 10 مرات ومقارنتها بالعراق 5 مرات، كذلك تم المقارنة مع التجربة اليابانية 8 مرات. ومن الغريب أن الكتاب لا يذكر كلمة إسرائيل ولو لمرة واحدة!!

أخطاء أمريكية لا تغتفر

يعترف السفير بريمر بأن إدارة الولايات المتحدة للشأن العراقي كانت في حالة فوضي منذ بدء الاحتلال في مايو 2003. ولم يكن بريمر يعرف العراق قبل السفر إليه ولا يدعي ذلك. ويري بريمر أن مجمل الأخطاء الأمريكية تتمثل في:

. ترك عملية اجتثاث البعث التي يرى أنها كانت ضرورية لفئات عراقية مما جعلها وسيلة لتصفية حسابات عراقية سياسية ضيقة. وكان يجب أن تناط هذه العملية إلى جهة قضائية محايدة.

. كان يجب التخلص من بطء الإجراءات البيروقراطية الحكومية الأمريكية من أجل الإسراع في عمليات إعادة الاعمار، مما كان يضمن معه رضاء العديد من العراقيين عن أداء الإدارة الأمريكية في إدارتها للعراق.

. السماح بحالة الفوضى التي وجد العراق نفسها غارقا فيها بعد انتهاء العمليات العسكرية الرئيسية. ويرى بريمر أن التغطية الإعلامية الدولية الواسعة وبخاصة الإعلام العربي لعمليات السرقة والنهب جعلت الولايات المتحدة تبدوا بلا قوة في العراق في نظر الكثير من العراقيين.

. يقر الكاتب بأن أهم  الأخطاء فيما يتعلق بإدارة المشروع العراقي وما تزال أثارها ظاهرة حتى الآن، هو عدم إرسال الولايات المتحدة لأعداد كافية من الجنود لتوفير الأمن بعد نجاح الجزء الأول المتعلق بهزيمة القوات النظامية العراقية واحتلال العراق.

ويعيد بريمر تذكير القراء أنه لم يكن هناك أي توقعات من الخبراء الأمريكيين بإمكانية حدوث عمليات مقاومة عنيفة. ولم يتوقع الأمريكيين والعراقيين من حلفائهم اتساع عمليات المقاومة والتمرد لتستمر حتى هذا اليوم.

ويستدعى بريمر أحاديثه مع أركان الإدارة الأمريكية عن مطلب زيادة أعداد الجنود... ويرى السفير بريمر أن أحد أصدقائه القدامى، السفير جيم دوبينس  Jim Dobbins والمحلل بمؤسسة راند Rand Corporation قد قدم له دراسة من راند بخصوص عدد القوات الأمريكية المطلوبة لتثبيت الأمن والاستقرار في العراق، وكانت دراسة مؤسسة راند  تطالب بضرورة وجود 500 ألف جندي، وليس 170 ألف جندي فقط.

وعليه أرسل السفير بريمر رسالة عاجلة بعد عدة أشهر في العراق، وتأكد بريمر من استلام وزير الدفاع الأمريكي لرسالته، إلا أنه لم يتلق أي رد. هذا في الوقت الذي خصصت الإدارة الأمريكية فريقا كبيرا مكونا من 1400 شخص برئاسة ديفيد كي للبحث عن أسلحة الدمار الشامل العراقية التي كان يقال إنها موجودة لدي النظام العراقي، ولم يهتم المخططون الأمريكيون كثير باحتمالات حدوث عمليات تمرد أو مقاومة عسكرية بعد سقوط نظام صدام حسين.

. غياب إستراتيجية واضحة لإدارة ما بعد انتهاء المعارك العسكرية، وعبر بريمر لنائب الرئيس ديك تشيني في نهاية شهر نوفمبر 2003 عن غياب إستراتيجية عسكرية واضحة للنصر في العراق، ورد نائب الرئيس أنه يوافق رأي بريمر. وهذه مفاجئة حيث أن الخطاب السياسي الأمريكي الرسمي على لسان نائب الرئيس كان يعبر علنا عن عكس ذلك.

مجلس الحكم العراقي ... بدون حكماء

يتحدث بريمر بتفاصيل كثيرة عن مجلس الحكم العراقي وكيف تكون وعن الشد والجذب في عملية تشكيله بين القوى السياسية العراقية المختلفة.

ويسخر بريمر كون أعضاء المجلس ال25 كانوا دائما ما يختلفون حول كل القضايا صغيرها وكبيرها، إلا أن الاستثناء ظهر حينما حدث توافق بين الأعضاء عندما تعلق الأمر بموضوع المخصصات المالية للأعضاء وتم إنجاز هذا الموضوع بتوافق غريب بين الأعضاء الذين لا يجمع بين أغلبيتهم أي توافق أيديولوجي أو عرقي.

وخصص المجلس لأعضائه مبلغ 50 ألف دولارا سنويا بالإضافة إلى مخصصات لبنزين السيارات الخاصة بهم بلغت 5 ألاف دولار شهريا، هذا في حين كان يتقاضي الوزير في الحكومة العراقية المؤقتة مبلغ 4000$ شهريا. وهذا أستدعى معه تدخل بريمر ليوضح للأعضاء أن مخصصات المجلس تفوق مخصصات وزارة التعليم التي يعمل لديها أكثر من 35 ألف عراقي، كذلك تدخل أحد مساعديه ليوضح للأعضاء أن مخصصات البنزين تسمح لسياراتهم بالسير لمسافة 50 ألف ميل شهريا!!!

وكثيرا ما تم وصف بريمر من قبل أعضاء مجلس الحكم بكونه ديكتاتورا، وشخص لا يأخذ في الحسبان أي أراء مخالفه لما يعتقد.

أفضل أيام بريمر ... وهل كان ديكتاتورا؟

رغم تعامل بريمر يوميا مع مشكلات حقيقية أمنية واقتصادية وسياسية غالبا ما تأتي بأخبار سيئة أو شديدة السوء. إلا أن يوم القبض على الرئيس العراقي السابق صدام حسين في 14 ديسمبر 2003 كان أسعد أيامه في العراق على الإطلاق.  ويسرد الكاتب تفاصيل تلك الليلة وكيف تم إيقاظه في الساعة الواحدة والنصف صباحا وطلب من أن يذهب إلى حيث يمكنه ان يتمكن من التحدث من تليفون آمن لأن الموضوع على قدر كبير جدا من الأهمية. ويقول بريمر في هذا الشأن "كان الاستيقاظ بعد منتصف الليل معناه إما أخبار شديدة السوء أو أخبار ممتازة" ، وبعدما تم تأمين خط تليفوني نم إخبار بريمر عما يعتقد من أن القوات الأمريكية قد ألقت القبض على صدام حسين. ويسرد بريمر صفحات عديدة لتفاصيل النقاش حول كيفية إخبار العالم بالخبر وكيف تم الاتفاق على جملة "قبضنا عليه"  We got him.

ويتحدث بريمر ويتذكر لقاءات متعددة مع حكام عرب. ويذكر في لقاء جمعه مع وزير الخارجية السابق كولين باول بالملك الأردني عبد الله الثاني في 21 يونيه 2003 (ص 76)على هامش منتدى اقتصادي عالمي بعمان أن الملك الذي وفر كل الدعم  وسمح لقوات الغزو الأمريكية أن تستخدم أراضي وسماء الأردن، عاد وطلب من رئيس جهاز المخابرات الأردني الذي حضر المقابلة أن يوفر كل المساندة والتدريب اللازم للعراقيين والتنسيق مع الأمريكيين من أجل المساهمة بما يحقق الاستقرار الأمني في العراق.

تفاؤل ودعوة للبقاء

يختتم بريمر كتابه ويذكر أن الانتخابات العراقية التي أجريت في يناير 2005 لدليل على قبول المواطنين العراقيين لتحدي بناء دولة عصرية ديمقراطية حديثة.

ويرى بريمر أن نتائج الانتخابات جاءت بنسبة من النساء تبلغ 31% من إجمالي نواب المجلس التشريعي، وهو ما يمثل شهادة على أهمية هذه الانتخابات. ويؤمن بريمر أن الإرهابيين وأعداء الديمقراطية والحرية أدركوا أن وجود عراق حر وديمقراطي يمثل تهديدا كبيرا لهم، مما وحد العديد من الصفوف من أجل إعاقة النجاح في العراق. ويتوقع بريمر هزيمة الإرهاب ونجاح الشعب العراقي وحلفائه في منع الإرهابيين من تحقيق مآربهم.

وردا على ارتفاع العديد من الأصوات داخل الولايات المتحدة للمطالبة بانسحاب فوري أو بتقديم جدول لانسحاب من العراق خاصة مع استمرار مسلسل العنف وفقدان العديد من الجنود الأمريكيين إضافة للأعداد الكبيرة من الضحايا العراقيين، يرد بريمر على هذه الأصوات بالقول "مثل هذه الدعوة للانسحاب من العراق الآن أو تقديم جدول للانسحاب سيمثل خطأ تاريخيا، حيث سيسمح ذلك وسيشجع الإرهابيين على الانتظار حتى نرحل، وهذا سيكون بمثابة إعلان هزيمة للولايات المتحدة".

ويرى بريمر أن هزيمة الولايات المتحدة في العراق ستكون لها آثار وخيمة على مصالح الولايات المتحدة ليس فقط في العراق، بل في كل منطقة الشرق الأوسط.

من هو بول بريمر؟

هو دبلوماسي مخضرم ومسئول سابق في وزارة الخارجية، ورأس بريمر فريق الإشراف على التحول إلى الديمقراطية في العراق، وكذلك جهود إعادة الإعمار في العراق.

سابقا تولى بريمر عددا من المناصب الهامة في وزارة الخارجية من بينها عمله كمساعد لستة من وزراء الخارجية قبل تقاعده عام 1989.

وشغل بريمر مناصب دبلوماسية في مالاوي والنرويج وهولندا وأفغانستان، إلا أنه لم يشغل أي منصب في منطقة الشرق الأوسط. ويشتهر بريمر بالصرامة والحدة واستعداده الدائم لاتخاذ موقف حاسم.

وكان بريمر يشغل منصب مدير إدارة مكافحة الإرهاب في وزارة الخارجية. وعينه الرئيس الأسبق رونالد ريغان سفيرا متجولا لمكافحة الإرهاب عام 1986.

وتقاعد بريمر بعد ذلك بثلاث سنوات إلا أنه عاد إلى الظهور مرة أخرى عام 1999 عندما تم تعيينه كرئيس مشارك للجنة الوطنية للإرهاب، وهي اللجنة التي أصدرت تقريرا في صيف عام 2000 لمراجعة سياسة الولايات المتحدة في مكافحة الإرهاب.

وبعد التقاعد من عمله في وزارة الخارجية دخل عالم رجال الأعمال وعمل في إدارة مؤسسة وزير الخارجية السابق هنري كيسنجر والتي تحمل اسمه للاستشارات.

عائليا، بريمر متزوج من السيدة فرانسيس بريمر ولديهما اثنان من الأبناء واثنان من الأحفاد.

حصل بريمر على شهادة البكالوريوس من جامعة ييل العريقة، ثم درس العلوم السياسية بجامعة باريس قبل أن يحصل على شهادة الماجستير في إدارة العمال من جامعة هارفارد. يتحدث السفير بريمر اللغات الفرنسية والهولندية والنرويجية.

و كل ذلك بحسب المصدر المذكور.

المصدر: تقرير واشنطن- العدد41