الدين والسياسة والعلمانية

 

 

اصدار جديد لمركز المستقبل للدراسات بقلم : الاستاذ حكمت البخاتي

تحمل العلمانية وبناءاً على نسبتها إلى (عالم- العالم) على غير قياس من تداعيات المعنى ما يجعلها بالنسبة للدين ضداً في رؤية تعتمد أيدلوجية التقاطع أو وداً في رؤية تختزن التواصل، ويبقى بين الرؤيتين هامش من الجدل لم تستوعبه مجالات الفكر في ثقافتنا المعرفية.

وأكثر ما ينخرط في هذا الهامش هو جدل السياسة ، وبالنتيجة فإن هناك علاقة ثلاثـية بين هذه الوحدات الكيانية المفاهيمية يتناولها بالدرس والتحليل ومن ثم الاستنتاج الأستاذ الدكتور متعب مناف في كتاب له صدر عن مركز المستقبل للدراسات والبحوث وبعنوان (الدين والسياسة والعلمانية) وهي مفاهيم أمست اشد تأثراً من غيرها بالاجتماع الإنساني حسب رأيه ويركز في هذا الكتاب على مديات الفصل ومقتربات الوصل بين إطراف هذه العلاقة الثلاثية والتي نُِظَر إليها دوماً على أنها علاقة ثنائية في قاموس الثقافة السياسية باختزال العلماني لحساب السياسي ويبدأ في تحديد مدى الفصل بين الدين والسياسة باعتبار إن الدين سعياً سماوياً/ إنسانياً متواصلاً في بناء مدنٍ خيرة (Virtous) بواسطة تكريس الإنسانية في الإنسان على حد قوله وهذا يقتضي التماهي بين الوسيلة والغاية شعار الأديان في طاعة الله من حيث لا يعصى بينما ابتكرت السياسة فصل الوسائل عن الغايات (وكان تبرير الغاية بالتواء الوسيلة أمراً مقبولاً سياسياً) ص22، بل مشروعاً وضرورياً ومن هنا كان تبرير العنف سياسياً واحتضان اللاعنف دينياً وإذا كان هذا أمر الدين وموقف السياسة فان مقتربات الوصل قد تبلورت في واحدة من أعظم وأكثر الحركات التنويرية أثراً في العالم الفكري/ الاحيائي) ص25. وقد انتعشت في مدينة النجف الأشرف وكان زمن الانبعاث المؤسس في مدينة كربلاء المقدسة ونشأ هذا الانتعاش عن سيادة الفكر الأصولي على المدرسة الفقهية العريقة في هذه المدينة وأزاحته للفكر الإخباري مع نهاية القرن الثامن عشر الميلادي وبدايات القرن التاسع عشر الميلادي وتواصل هذا المسار الأصولي الاحيائي حثيثاً في مدينة النجف الأشرف وقد نتج عنه تكوين مفهوم عن الدور السياسي للمجتهدين تبنته المدرسة الأصولية وكان لا يعدو كونه صياغة أكثر دقة لتصورات سابقة حسب وصف أ.د. متعب مناف وكان آلية تبني هذا الدور في محاولة هذه المدرسة الاحيائية هو الكشف عن الأصول في الشريعة وشدها للحاضر في السياسة ويؤشر محاولة ناجحة في تأسيس معالم فكر تجديدي عراقي/ نجفي تكمن أهميته في أنه (قدم للعالم العربي/ الإسلامي بأسره أفقاً أمسك بناصيته وتقدم بريادته) ص26.

وقد ساعد تَسيُد هذا المسار التنويري/ الاحيائي/ النجفي هو تحول الدرس الفقهي إلى أكاديميات إسلامية سميت بالحوزة العلمية ويعرفها د.

متعب بأنها مؤسسات معرفية/ عرفانية وقد مرت من خلالها سلطة المجتهدين على المؤمنين. وقد سارت هذه السلطة باتجاه (أحياء ارتباط الدين بالساسة هي والتي تعني في الإسلام الاهتمام بخير المسلمين وحفظ بيضة الإسلام) ص27.

وقد امتدت هذه السلـطة إلى أوسع الحدود الجغرافية الشيعية أو جغرافية التشيع بعد أن نتج عن تسيد هذا المسار الأصولي حراك شيعي تجلى في استقطاب النجف عقول التنويريين من جهة وتمدد هذا الحرك الديني/ الفكري خارج المدن إلى الريف العراقي بل شمل هذا الاستقطاب جماعات بشرية تمتد على طول هذه الجغرافية الاسوية في كل متماسك في رأي أ.د متعب مناف وإذا كان هذا هو مقترب الوصل أو التواصل أو الصلة بين الدين والسياسة فإن الخوض في تفاصيل انعكاساته وتأثيراته على الفكر العقيدي والإيديولوجي والموقف تبعاً في ذلك من العلمانية يستغرق بحثاً جديراً بالقراءة قام به أ.د متعب مناف والتزاماً منه بهيكلية البحث الذي توزع بين الدين والسياسة والعلمانية التي رأى البدء بها والانتهاء منها يستعرض الكاتب فصول العلاقة بين هذه الوحدات الكيانية/ المفاهيمية حسب تسميته والتي يرى أنها تمر أو قد مرت من خلال منطلقات ثلاث هي التقاطع في المرحلة التكوينية الأولى وتليها مجابهة المرحلة الثانية واحتواء في المرحلة الثالثة ويعلل التقاطع في المرحلة الأولى باختزال الدولة للأمة في بيئة العلمانية الأولى واختزال الأمة للدولة بطوبائية تضعها ضمن حدود فعل الأمة وفاعليتها بالنسبة للدين وهنا تبرز ثلاثية الدولة والدين والأمة في مصفوفة فكرية تشكل ابرز سمات التقاطع بين الدين عندنا والعلمانية وفي مرحلة ثانية كانت المجابهة نتيجة أفراغ الدين من محتواه السياسي بفعل ممارسات سياسية خاطئة اجتزأت الإسلام وأوقعته في خارطة النظر إلية (من خلال مركب علمانية/ ديمقراطية وصادرت الحقوق السياسية للعديد من المكونات السياسية للوسط الإسلامي) ص62. وقد نتج عن ذلك تقارب بين الفاعلية السياسية والفاعلية الدينية وقد بدت هذه الفاعلية واضحة في مرحلة ثالثة من هذه العلاقة وبسبب تبني الطروحات الأوربية الغربية ومنها العلمانية) تم الدفع باتجاه ضرورة احتواء هذا الموقف من قبل مدن الحوزات وفي العراق بالذات بإضفاء الشرعية على فواصل الحسم في العمل السياسي) ص78.

بعد تراكم الضغط في أوضاع العالمين العربي/ الإسلامي. وأخيراً يخلص أ.د متعب مناف بعد مناقشة محاولات استنبات العلمانية في بيئة لا زال الدين فاعلاً مؤثراً فيها إلى اغتراب العلمانية عن واقع الأمة وأن استنباتها جاء قسراً في ثلاثية العلمانية- التحديث- الديمقراطية. ثم يطرح تصوراً فكرياً بديلاً وبه يتم التعامل مع الآخر (العلماني المعولم) وفق ثلاثية تجمع بين إسلام- تحديث- ديمقراطية. مؤكداً على مكانة وفاعلية الديمقراطية في هذا المثلث الذي يرسمه بإضلاعه الثلاث المتساوية طولاً والحاد زاوية بحدة أهمية هذه الكيانات/ المفاهيمية ومشدداً أيضاً على دور الديمقراطية في قبول التحدي كسبيل للتعامل مع الضغط الخارجي الذي يستهدفنا. وبعد ذلك فهو كتاباً يأخذ القارئ معه في رحلة من رحلات الفكر العراقي ينشد الكشف عن عراقة الأصول ويسعى إلى الشد مع الحاضر وما أحوجنا إلى أشد حاضرنا باتجاه بناء مستقبلنا في العراق. 

للمزيد من المعلومات مراجعة موقع مركز المستقبل للدراسات والبحوث على الانترنت:

 

www.mcsr.net