لمنْ القـرن الحادي والعشرين ؟

أوروبا أم أميركا؟

 

 

اسم الكتاب :  الحلم الأوروبي  - The European Dream

اسم الكاتب : جيرمي ريفكن -  Jeremy Rifkin

الناشر : Tarcher

عدد الصفحات :  288

 

مؤلف هذا الكتاب هو من أدرى العارفين بالشئون الأوروبية، ألف من قبل 15 كتابا ترجمت إلى أكثر من 20 لغة، وتدرس معظم كتبه في العديد من جامعات العالم. نال جيرمي ريفكن شهادة الاقتصاد من كلية وارتون بجامعة بنسلفانيا وهي احد أرقي معاهد دراسات إدارة الأعمال والاقتصاد في العالم, أيضا حصل على شهادة عليا في العلاقات الدولية من كلية فليتشر للقانون والدبلوماسية بجامعة تافت بولاية ماساسوشتس. والكاتب يعد مستشارا للعديد من رؤساء الحكومات في العديد من دول العالم. 

وإذا كنا نسمع كثيرا عن الحلم الأمريكي، إلا أن الكاتب هنا يتحدى هذه المقولات ويقول أن العصر القادم هو عصرالحلم الأوروبي. والكتاب مباركة لمشروع الاتحاد الأوروبي، إلا أن صدور الكتاب قبل تصويت الشعبان الفرنسي والهولندي ضد مشروع الدستور الأوروبي الذي اعتبر هزيمة كبيرة للفكرة الاتحادية الأوروبية يمثل نكسة لأفكارالكاتب، وان لم يناقض أطروحاته السياسية.

الموت البطيء للحلم الأمريكي

يرى الكاتب أن العالم فقد الإيمان بالحلم والنموذج الأمريكي، لأن أمريكا لم تراع عيوب نموذجها خصوصا تأثير المال في الديمقراطية الأمريكية. وهذا بدوره يؤدي إلى فساد سياسي بسبب الدور المتزايد لمنظمات اللوبي. ويتمثل الفسادالسياسي أيضا في اندفاع الولايات المتحدة عند أقل نزاع خارجي إلى حمل السلاح والذهاب للحرب.

ويري الكاتب أن الحلم الأمريكي قد بدأ مرحلة الانحسار والتقلص، فالأمريكيون يعملون ساعات أطول مقارنة بنظرائهم الأوربيون، وذلك بدون فارق كبير في الأجور. وبعد العمل غالبا ما يقضي الأمريكيون ساعات مملة في انتظار بدء يوم عمل جديد. ويعرض الكتاب للبديل الأوربي علي انه الأفضل لمن كان يحلم مسبقا بالحلم الأمريكي الذي لم تستطع الولايات المتحدة ولا نظامها الاجتماعي ولا الاقتصادي الحفاظ عليه أكثر من تلك الفترة التاريخية الماضية.

يعرض الكتاب للحلم الأوربي الذي يراه قد بدأ فعلا يسيطر علي قلوب الملايين الذين كانوا دائما أسري للحلم الأمريكي.

"الحلم الأوربي أكثر راحة وأكثر أمانا، ورخاء، ويؤدي إلي إطالة أمد الحياة البشرية"، وهكذا فأسلوب الحياة الأوربية ليس فقط مطلوب بشدة الآن، بل هو صحي ووسيلة جيدة للحفاظ علي نمط حياة متطور لفترة طويلة في هذاالعالم المليء بالصعاب كما يدعي الكاتب.

ولا ينكر الكاتب التفوق العلمي والتكنولوجي الأمريكي على نظيره الأوروبي، وانما يرى فقط صعوبة الاستمتاع به بالنسبة للمواطن الأمريكي العادي، ويأخذ الكاتب نموذج الرعاية الصحية حيث يراها الأكثر تطورا في العالم، لكنها مقتصرة فقط على فئة الأغنياء، ويستشهد على ذلك بوجود ما يقرب من 45 مليون أمريكي بدون أي برامج للتأمين الصحي.

كما أن نسبة وفاة الأطفال في الولايات المتحدة هي الأعلى من بين الدول المتقدمة. ومع استمرار صعود فجر الاتحاد الأوربي، أصبحت أوروبا حقيقة لا يمكن إنكارها اقتصادية وسياسيا، وتقترب من كونها قوة عسكرية كبري أيضا.

وبتعدي إجمالي الدخل القومي الأوربي نظيره الأمريكي، وتنفرد أوروبا بمزايا عديدة، وهي ليست مزايا أمريكية علي نمط زيادة أسعار أسهم البورصات وزيادة ساعات العمل، أو جعل الأسرة الأمريكية أسيرة دخل الأب والأم معا لكي تضمن حياة كريمة، بل علي العكس من ذلك، أوروبا الجديدة تعتمد علي شبكة أسواق تعدت معها عقلية تنافس الشركات والمؤسسات الكبرى، ويدعم هذا المفهوم الجديد للمواطنة الأوربية، وتعدي الهدف من مجرد أن نكون أقوياء، ليصبح "لنكن كلنا أقوياء"، وبدلا من أقلية قوية مسيطرة، يدرك الأوربيون جدوى وقيمة الوعي المتكامل لضرورة خلق بيئة صحية أفضل، والحصول علي معدلات إنتاجية أعلى.

الولايات المتحدة الأوروبية

رغم نكسة التصويت ضد الدستور الأوربي يرى الكاتب أن المستقبل هو لأوروبا. وهناك دروس من الممكن تعلمها من هذه النكسة، أهمها أن فكرة تحقيق اندماج سياسي عميق يجب أن يتم التخلي عنها، ويجب استبدال فكرة الاتحاد بمفهوم النادي المرن الذي يمنح دوله سلطات اكبر. ومن أهم صفات هذا النادي أن يكون غير مركزي وأقل إتحادا.

عرض الكاتب لتاريخ أوروبا منذ العصور الوسطي وكيف أن نشوء وارتقاء الولايات المتحدة قد حدث بأيد الأوربيـين ، ولكنه يؤكد أن أوروبا قد نجحت بهدوء في إعادة خلق وتبني أسلوب حياة أفضل خاصة بعد أن مرت بتجربتين مريرتين تمثلتا في حربين عالميتين خلال القرن الماضي.

ولا يتناسى الكاتب أن القارة الأوربية قارة مرنة توفر أمثلة عديدة للحياة الأفضل في القرن الواحد العشرين، وعلي خلاف القرن العشرين الذي كان وبلا جدال قرنا أمريكيا، "إلا أن القرن الحادي والعشرين، فبلا جدال قرن أوربي".

ويذكر الكاتب أن قلة من الأمريكيين فقط تعي بما يحدث علي الجانب الأخر من شواطئ المحيط الأطلنطي فيما يتعلق بالاتحاد الأوربي، فالأمريكيون "يعيشون ليعملوا، في حين أن الأوربيين يعملون ليعيشوا". والفارق كبير جدا، ففي حين العمل هو الأهم عند الأمريكيين، تصبح الحياة هي الأهم عند نظرائهم الأوربيين". ويري الكاتب أن الأسلوب الأوربي الإنساني في التعامل مع تفاصيل النظام الرأسمالي، يجعل منه أكثر موائمة لحياة أفضل لا تهتم فقط بتحقيق الربح.

ويدعم الكاتب فكرة التعاون الاقـتصادي الأوروبي التي أدت إلى أن العديد من الشركات الأوروبية العابرة للقارات أصبحت تهيمن على مجال التجارة والعمال وينطبق ذلك على مجالات المصارف التجارية والصناعات الكيماوية والصناعات الغذائية وغيرها. 

وهناك جذور ثقافية لهذا التفوق الأوربي، فأمريكا ينقصها رؤية تركز علي استقلال الفرد وخصوصيته وزيادة ثروته، والحلم الأوروبي أكثر عمقا عند التعامل مع ما يحتاجه الإنسان ونوعية الحياة التي يحياها. الأمريكي قد يكون أكثر حبا للمخاطر بطبيعة نشأته وتأسيس الدولة الأمريكية، علي العكس من الأوربي الحساس للمخاطر خاصة بعد خبرة الحروب العالمية في القرن العشرين، وهذا يعكس نظرة واقعية أوربية. ويحذر الكاتب من أن الاقتصاد الأوروبي مازال عاجزا عن المنافسة القوية أمام الاقتصاد الأمريكي القوي والديناميكي. ألا أنه يعود ويقول إن الولايات المتحدة ستكون مفتقدة للحكمة إذا ما تجاهلت إمكانيات القارة الأوروبية وطموحاتها على المدى الطويل.

يري الكاتب أن تبني أوروبا لعلمانية حقيقية - ليست كالعلمانية الناقصة في أمريكا- يدعم مفاهيم الديمقراطية الاشتراكية المفيدة لغالبية مواطني القارة. ويشكك الكاتب في مقولة – أكذوبة- أن "أمريكا أرض الفرص والأحلام"، من خلال عرض مقارن للسياسة الولايات المتحدة سياسات أوروبا الخارجية، حفظ السلام، وبرامج المساعدات الخارجية.

ويؤخذ علي الكاتب انه لا يري أي شيء سلبي فيما يتعلق بالتجربة الأوروبية، وهذا ربما مبرر إذ انه يري أن الهدف الاسمي للحياة هو الاستمتاع بها. وهو يري الأمريكيين لا يدركون سوء حياتهم كقوي عظمي، لأن الثمن كبير جدا.

ويدعوا الأمريكيين لفتح عيونهم وعقولهم لما يحدث خارج حدود دولتهم الكبيرة، لأن هناك عالما آخرا وهذا الكتاب يستعرض هذا العالم.

المصدر :تقرير واشنطن - العدد (16)