محاورات القرن الواحد والعشرين الصادرة عن اليونسكو: الى أين تذهب القيم؟

 

 

 

أشرف علي هذا الكتاب جيروم بندي نائب المدير العام لليونسكو لشؤون العلوم الاجتماعية والإنسانية وساهم في تأليفه عشرات الباحثين والفلاسفة الفرنسيين والعالميين من أمثال جاك دريدا وميشيل سير وبول ريكور وجان بودريار ومحمد أركون وجاك ديلور وجياني فاتيمو وبول كندي وجوليا كرستيفا وادغار موران وداريوش شايغان.

يقول المدير العام لليونسكو في مقدمتة للكتاب :

أن هناك فكرة شائعة تقول بأننا نعيش أزمة في القيم يلقي البعض بمسؤوليتها علي العولمة التي تهتم فقط بتحقيق التقدم التقني والعائد الاقتصادي ولا تهتم بمسألة القيم الأخلاقية.

يقول الباحث انه في عصر النهضة ثم التنوير ظهر نوعان من الفكر مهدا للعولمة أحدهما يؤكد علي كونية القيم والثاني علي تعددية الممارسات الأخلاقية حسب الشعوب والثقافات المختلفة لكنه يضيف أنه في عصر العولمة الشاملة لم يعد لدينا فكر أخلاقي واضح .

ثم تساءل:

هل يعني ذلك أننا مقبلون علي عالم بدون قيم أخلاقية؟ يجيب بالنفي ويقول هناك دائما قيم وقواعد أخلاقية وأن العالم لا يمكن أن يستمر بدون قيم. بل ولم يوجد في التاريخ عدد كبير من القيم كما هو حاصل الآن.

ويوضح المؤلف أن أحد آثار العولمة هو تعددية الثقافات والقيم التي يجب أن تتساوي من حيث المكانة والكرامة وبالتالي ينبغي احترامها جميعا، لكنه يشير في ذات الوقت إلي قيم مكروهة وخطرة تؤدي إلي صدام الحضارات والحروب الأهلية مثل العنصرية التي يؤمن بها اليمين المتطرف والطائفية التي تؤمن بها الحركات الأصولية المتزمتة.

أما المشرف العام على الكتاب فيقول الكثيرون يتحدثون في الغرب عن العدمية أو اختفاء القيم والتناقض بين قيم الثقافة الإسلامية والثقافة الغربية.

ويردف قائلا:

إن الغرب شهد مرحلتين أساسيتين من القيم: مرحلة القيم الدينية المسيحية ثم المرحلة العلمانية التي انتصرت بعد عصر التنوير والقرن السادس عشر وسادت كل مجتمعات أوروبا الغربية، وهي قيم فلسفية تؤمن بمقدرة العالم الحديث علي تحقيق التقدم المطرد للإنسان وحل كل المشاكل والقضايا ولكنها انتهت أخيرا الي توليد الحركات الفاشية والنازية والاستعمارية التي فقدت مصداقيتها كما فقدت القيم المسيحية مصداقيتها بسبب الأصولية ومحاكم التفتيش والتعصب، فيما فقدت القيم العلمانية بسبب انحراف مشروع التطوير عن مقاصده وانتهائه بحربين عالميتين ومجازر مرعبة في المستعمرات وسواها.

ويمضي الكاتب قائلا: إن هذا الوضع الذي وصل إليه الغرب دعا منظمة اليونسكو إلي التحرك من أجل بلورة قيم جديدة لأن البشرية لا يمكن أن تعيش بدون قيم ولأن الأوان قد آن للخروج من مرحلة العدمية.

يقول عالم الانثروبولوجيا أرجون أبادوري إن هذا اليقين تزعزع في القرن العشرين بعد المجازر التي ارتكبت في الحربين العالميتين وفي الحروب الاستعمارية، ومع أن الكثيرين بعد ضربة 11 سبتمبر اعتقدوا بأن النبوءات الخاصة بصدام الحضارات قد تحققت يعتقد جيروم أن هذا الرأي خطأ لأن العالم الإسلامي غير موحد كما أن القرآن الكريم لا يحتوي علي أي تبرير للعنف ضد المدنيين.

أما البروفيسور بول كندي أحد أكبر علماء الاستراتيجيات في الولايات المتحدة فيقول إن العلوم والتكنولوجيا والتقدم المادي غيرت أنماط انتاجنا وتبادلاتنا واستهلاكاتنا ثم جاءت الآن ثورة المعلوماتية لتغير حياتنا أكثر فأصبحنا نشتري ثيابنا وكتبنا عن طريق الحاسب الإلكتروني وهذا الشيء كان مستحيلا إلي ما قبل سنوات معدودات، كما أصبحت الرساميل الضخمة تنتقل بشكل الكتروني علي الأسواق المصرفية بسرعة هائلة كل يوم لكنه يقول: قادة العولمة من أرباب شركات ومستشارين مصرفيين وأغنياء كبار يقدمون لنا صورة زاهية ومتفائلة جدا عن مصير العالم في ظل هذه العولمة ولكنه يقول ان هذه العولمة لم تقدم شيئا لكوسوفو والشيشان ورواندا وكشمير وبلاد أخرى ثم يجيب علي تساؤل عن حقيقة أوضاع العالم حيث يقول: ان ثورة الاتصالات لا تصيب إلا جزءا صغيرا من البشرية: أقصد الجزء الغني صاحب الامتيازات والامكانيات، وهكذا تترك علي الهامش عدة مليارات من البشر ، كما أن ملايين الأفارقة والآسيويين والعرب والمسلمين وسكان أمريكا اللاتينية لم يروا في حياتهم الإنترنت الذي تعتبره منظمة اليونسكو أفضل وسيلة للتربية والتعليم والثقافة وتطويرها في شتى أنحاء العالم.

ويمضي البروفيسور بول كندي قائلا: نحن نتحدث عن التربية من أجل الجميع وحق كل الناس في المعرفة ولكن الكلام شيء والفعل شيء آخر وربما كانت ثورة المعلوماتية قد أدت إلي زيادة التفاوت بين الأغنياء والفقراء بدلا من تقليصه، مضيفا أنه في أمريكا نفسها زادت الشقة اتساعا بين البيض والآسيويين من جهة والسود من جهة وأن أمريكا ستكون مشكلة من طبقتين احداهما تمتلك الإنترنت وأخري لا تمتلكه ولا تعرف استخدامه.

ويخلص إلي القول بأن 10% فقط من سكان العالم يستفيدون منها ثم يتساءل.. ما معني عولمة لا يستفيد منها إلا 10% من سكان العالم؟! وهل يمكن لأحوال العالم أن تستقر إذا كان مختل التوازن إلي هذا الحد؟

أما الفيلسوف الفرنسي بول ريكور الذي كتب فصلا في الكتاب فيعتقد أنه يوجد مشروع كوني للقيم لكنه يمر من خلال تقاطع وتفاعل كل الثقافات مؤكدا أن الكونية لا ينبغي أن تفرض من خلال تراث واحد.

ومن ضمن فصول الكتاب فصل بعنوان أخلاقية العالم المعقد ومشكلة القيم في القرن الواحد والعشرين كتبه عالم الاجتماع الفرنسي ادغار موران يعتقد فيه أن مشكلة القيم ناتجة عن التعقيد الأخلاقي الذي طرأ عقب التحول العلماني الذي يتمتع فيه الفرد باستقلالية كاملة ولم تعد القيم تأتي من الدين بل من الفرد نفسه.

المصدر : الراية 18-6-2005