حـرية الصحـافة

 

عدنان شيرخان

 

 

لا يمكن لاي نظام يدعي تبني الديمقراطية كآلية ومنهج للحكم ان يستقيم، دون صحافة حرة شجاعة ومستقلة، يدعمها المجتمع بقطاعاته الواسعة، ويمكن بسهولة تصور دور الصحافة الحقيقي (اذا سارت الامور على مايرام) بالرقابة والمساءلة والمحاسبة، وتسليط الاضواء على القضايا التي تحتاج الى الاهتمام وصولا الى المساعدة في خلق رأي عام، والعمل على تثقيف المواطنين لتمكينهم من التوصل الى خيارات سياسية صحيحة. حرية الصحافة ليست منحة او هبة من الدولة والحكومة، وهي ايضا ليست جزءاً من مزاج وثقافة المسؤولين يريدونها تارة وينكرونها تارة اخرى، بل هو حق مثبت في جميع الدساتير وبدون استثناء، حتى في دساتير الطغاة تقرأ: "حرية الرأي والتعبير مكفولة لجميع المواطنين، ولهم ان يعبروا عن ارائهم بجميع الطرق كالقول والكتابة والتصوير والرسم وغيرها من وسائل التعبير". وعلى الورق نادرا ما توجد اية مشاكل، المشكلة تكمن في التطبيق، في بث الروح للنصوص الدستورية، ففي انحاء عديدة من دول العالم الثالث - والتي تتميز بسجل حافل زاخر بانتهاكات جميع حقوق الانسان ـ يرفض المسؤولون الحكوميون ان تمس الصحافة لهم طرفاً، يحاججون ان (الوطن) بخطر، وأن الالتزام بالدستور سيضيع البلد، يجمدون النصوص الدستورية بقوانين الطوارئ والاحكام العرفية.

وحتى في ايام السلام والوئام، فان السطة غالبا ما تفرض رقابة مسبقة ولاحقة على ما تكتب الصحف، فيصبح امام الصحفيين ما يشبه الردع المسبق من تناول قضايا الفساد وسوء ادارة الدولة واستخدام السلطة والرشوة والمحسوبية والمنسوبية وغيرها، وبسرعة تتكون نظرة شاملة بشأن ما يجب ان يقال او لا يقال، وفي حالات عديدة ومعروفة وممكنة الحدوث يتمادى مسؤولون حكوميون بالتلويح بالجزرة والعصى للصحفيين، فتتراءى الخطوط الحكومية بالوانها الثلاثة الحمراء والخضراء والصفراء، وكلما ازداد النظام السياسي فسادا وتعفنا كلما اصبح اكثر شراسة ووحشية تجاه الصحافة الحرة، ورقة ودعة لمن يتطوع للدفاع عنه، فيزيد المسؤولون الهدايا والعطايا والمكافآت والامتيازات للصحفيين الذين يقفون الى صف الحكومة، الذين يستخدمون شتى فنون الصحافة لتحسين صورتها، ويبالغون في الكتابة عن اتفه منجزاتها، غاضين النظر عن قضايا الفساد وسوء الادارة وبقية امراض الحكم المزمنة التي تشترك فيها جميع دول العالم الثالث، على الجانب الآخر تزداد معاناة الصحفيين الذين ألتزموا بما يمليه عليهم شرف اخطر مهنة. ولن نجد صعوبة تذكر في ضرب امثلة على التحديات والصعوبات التي تقف حرية الصحافة، ففي مصر مثلا اصدر القضاء احكاما بالسجن على سبعة صحفيين بينهم خمسة رؤوساء تحرير بناء على دعاوى من اشخاص عاديين (ينتمون على الاغلب لحزب السلطة) اتهموا الصحف بالاساءة الى رموز (الحزب الوطني) ورئيسه الرئيس مبارك، وسيق رئيس تحرير صحيفة ( الدستور) ابراهيم عيسى مؤخرا الى المحكمة لانه تطرق الى صحة الرئيس المصري حسني مبارك ( 79 عاما) في افتتاحيته، وعد القضاء مقالته تهديدا للامن القومي، ومعولا يهدم الاقتصاد المصري، وقالت مصادر موالية حتى نخاع العظم للحكومة: ان المقالة تسببت في خسائر اقتصادية فورية تمثلت في سحب المودعين المصريين والاجانب نحو 350 مليون دولار من المصارف بعد لحظات من بث الصحفي اشاعات كاذبة عن صحة الرئيس المصري مبارك، وفي جانب متصل طالب شيخ الازهر (سيد طنطاوي) في احتفال بمناسبة ليلة القدر وبحضور وامام الرئيس المصري مبارك بجلد مروجي الاشاعات ومثيري الفتن (الصحفيين ومن غيرهم) 80 جلدة فقط، مجتهدا بربط هذا الامر بالاية 40 من سورة النور والمتعلقة برمي المحصنات دون شهود، الامر الذي انكره العديد من زملاء شيخ الازهر واتهموه بأنه (يحرف الكلم عن مواضعه).

ومن الامور المعروفة والسائدة والشائعة في العديد من الدول العربية ان حماسة الشعراء والكتاب والصحفيين ورجال الدين تبلغ ذروتها في حضرة الرئيس، فتتفتق عبقرياتهم عن قصائد ومقالات ومديح غير مسبوق تزلفا وقربا ونفاقا، وفتاوى ما انزل اللـه بها من سلطان.

وكل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا ودون تعليق.

المصدر:alsabah-27-11-2007