المعرفة عند  الإمام الشيرازي

 

ذاكر آل حبيل

 

قراءة في دافعية الإنجاز :

بمثابة مقدمة

المعرفة في أولياتها الإنسانية فعل ضرورة لازمة لا يمكن تجاوزها، فهي صنو للإنوجاد الإنساني في هذا العالم، وهي ركيزة وعيه باتجاه الداخل الذاتي وما حولها من موضوعات، فعن طريق التدرج المعرفي الذي يألفه الإنسان في سني حياته، يقتحم أسوار المعارف ويكتشف أسراراً من حقائق لما تزال مجهولة لدى من سبقه، وبذلك يراكم فعله المعرفي حثيثاً نحو مزيد من التعلم بفعل ذلك الاشتراط الاستجابي لغريزة المعرفة.

إن فهم عملية التعلم واستدراك مبانيها المتغيرة في الذات الإنسانية، وما تحدثه من استحكامات موضوعية عند بعض الأفراد، الذي تجاوزوا المراحل المنخفضة للمستوى المعرفي، إلى مراحل طاقتهم القصوى بحسب نشاطهم واجتهادهم وخبرتهم المؤكدة في سبيل الوصول إلى مقاصدهم المعرفية، كل بحسب تخصصه وطبيعة اهتماماته؛ هو الذي يحدد لنا فهم طبيعة الإنجاز المعرفي والعلمي في نشاطه المبدع، عند كثير من ذوي الهمم العالية الذين سكبوا جل حياتهم في سبيل مزيد من الكشف المعرفي والعلمي؛ فلم يقفوا عندما وصل إليه الذين سبقوهم، فواصلوا البحث والتنقيب، وبالتالي التجاوز والإضافة، وتسجيل بصماتهم الخاصة والمتميزة في حضور معرفي لا يعرف الكلل ولا الملل، بل إن تحديهم المثالي في التدرج العلمي اللامحدود، وتخطيهم للعثرات والظروف المعكرة ذاتياً وموضوعياً، تجعلهم أكثر إصراراً في ديمومة الاستمرار على ولوج تجاربهم بكل استقلال، وتحرر، وتلقائية؛ فمهما مارس الأقربون والأبعدون من مظاهر الضغوط، بعدم التقدير الكافي، أو الإهمال المتعمد، والصد القاسي، والسخرية المقصودة، وغير ذلك، فما يزيدهم إلاّ مزيداً من الثقة في ضرورة المغايرة والتجديد وإعادة التوازن الوجودي الحي لكثير من نظم وقوانين الحياة، ليتسنى حراكها على نحو التقدم والتطور.

لكن ما هي تلك الدافعية التي يمتطيها أولئك المبدعون لكي يصلوا إلى ما ينجزونه من أعمال قيمة، بل ما هي آلية النظر الموضوعي التي يجب أن يتقصدها كل من يريد أن ينجز عدته بكل جدارة ونجاح مضمون..؟

هنا يقرر الباحثون نوعين أساسيين من الدافعية للإنجاز هما:

1ـ دافعية الإنجاز الذاتي: ويقصد بها تطبيق المعايير الداخلية أو الشخصية في مواقف الإنجاز.

2ـ دافعية الإنجاز الاجتماعية: وتتضمن تطبيق معايير التفوق التي تعتمد على المقارنة الاجتماعية، أي مقارنة أداء الفرد بالآخرين.[1]

كما وقف الباحثون على مفارقات خمس شبه نهائية، تعرف وتحقق مضمون المكونات الأساسية لحركة دافعية الإنجاز وهي:

1ـ الشعور بالمسؤولية.

2ـ السعي نحو التفوق لتحقيق مستوى طموح مرتفع.

3ـ المثابرة.

4ـ الشعور بأهمية الزمن.

5ـ التخطيط للمستقبل.[2]

التطبيق المتلازم لدافعية الإنجاز عند السيد الشيرازي

أولاً: الشعور بالمسؤولية

تتلازم مكونات شخصية الإمام الشيرازي في سببية فاعليتها الأولية ضمن لحاظ مكونها الديني الشامل الذي نهلت منه كل معارفها الأولى، فهو ابن النجف الأشرف ولادة، حاضرة العلوم الإسلامية الأولى بالنسبة للشيعة في العالم آنذاك، بالإضافة إلى مكانتها المقدسة لوجود قبر الإمام علي (عليه السلام) فيها، ولكونها حاضنة أساطين المرجعية الفقهية بكل توجهاتها، وهو ابن مدينة كربلاء المدينة المقدسة الثانية، مدينة الشهادة الحسينية المعروفة، التي ترعرع في فيافي ظلالها المبجلة روحياً، هذه البيئة التي تأسست ضمن مضامينها شخصية الإمام الشيرازي منذ نعومة أظفارها، كل ذلك بالإضافة إلى كونه من أسرة دينية عريقة في المجال الديني الفقهي والاجتماعي والسياسي، فهو ابن المرجعية الدينية ضمناً، من أبيه السيد مهدي الشيرازي، إلى كل أسرة الشيرازي المعروفة في الحواضر الإسلامية بحضورها على مستوى القيادة في المجالات التي ذكرنا، هذه التربة الخصبة دينياً التي تفيأ ظلالها الإمام الشيرازي بأخلاقيات الوسط الديني في شتى شؤون الحياة، رسمت معالم شخصيته فيما بعد على نحو تلازمي مع تدرج معرفي بين، وسعي حثيث على تخطي المراحل العلمية في زمن وجيز، مما أسس لشخصية غنية بمعززات سببية فاعلة حددت لديه المشاعر والتوجه والسلوك نحو الذات والآخر، وحيث تقوم المعارف والمعلومات في تعزيز سعي الشخصية لتفسير فهم الواقع وما وراءه، تفسيراً يستمرأ النظر المجرد والعملي وكذلك فاعلية السلوك العام.

ومما تقدم يمكننا القول بأن شخصية الإمام الشيرازي تضمنتها رؤية دينية مشبعة بقيم ذات طبيعة معنوية عالية، كان هاجسها الأول الدخول في كيفيات الوصول التراتبي لاستيعاب مهمات عالم الدين الذي كان خياراً وجودياً له، ومكفولاً برعاية الوسط الأسري البيئة الاجتماعية المحيطة، وكذلك تاريخية المجال العائلي المعزز لخصائص الاكتساب المعنوي الديني والعلمي ولربما الكارزمي (القيادي) فيما بعد، والذي يتكون بفاعلية الدور وركائز القدرة على تحمل المسؤولية، فمنذ سنينه الأولى راح يغذي الوعي الديني في محيطه الاجتماعي بحفز رؤيوي يستوعب كل فئات المجتمع، جاعلاً من خميرة الثقافة الإسلامية نهج حياة تستوعب كل شؤونها، نازلاً بتلك الثقافة في ساحة صراع الأفكار وتدافعها، خصوصاً الصراع مع الأفكار المنحرفة من وجهة النظر الدينية، التي بدأت آنذاك تفد إلى العالم الإسلامي، فراح يؤكد على أن دور عالم الدين والمثقف الديني ليس حصراً في أماكن الدرس الديني، وداخل دور العبادة، بل هو حضور في صميم الواقع وعوالجه، فقام بإنشاء المؤسسات والجمعيات والمجلات المتعددة، وباشر بنفسه ببث خطاب موجه، وطبع نشرات وكتب كتباً بالمئات ابتداءً، لكي يتسرب الوعي الديني وثقافته لكل تفاصيل الحياة اليومية، خصوصاً حينما تحمل شأن المرجعية بعد رحيل والده، الذي كان حينذاك المرجع الأول في كربلاء المقدسة، فما أن صار أمر المرجعية إليه حتى راح في فاعلية قصوى نحو مزيد من القيادة الشاملة لكل شأن، لا يرضى لنفسه مجالاً محدداً وحصراً لاهتمام، شاملاً برعايته كل شأن من شؤون الناس، وكل غاية تصل بالمجتمع إلى غاياته المنشودة.

ثانياً: السعي نحو التفوق

من المهام الأولية التي تسعى إليها الذات الإنسانية توكيداً لحضورها، خصوصاً بعد وصولها سن البلوغ، التأكيد على الاستقلالية، وبروز الذات باتجاه مواهبها الخاصة، وتميزها المتفرد بتوجه ما، يكاد لا يخلو إنسان من هذا التدرج الطبيعي في مركب شخصيته الإنسانية، لكن ذلك الاستقلال والبروز والتميز، لا يمكن له الاستمرارية والتمدد إلى حيز الفعل والإنجاز دون رعاية أولية من الذات تعزيزاً للإرادة والقدرة، ودون رعاية من المحيط تشجيعاً وتقديراً، فإذا كان لأي منا تلك الرعاية من داخل الذات بإصرارها، وبتقدير من حولها ـ وإن كان هذا قليلاً، بحكم وضع التنافس والتحاسد البشري، وما إلى ذلك ـ فسيؤدي ذلك إلى مطلوب الذات في دافعيتها وسعيها نحو مزيد من النجاح والتفوق، وسيكون ذلك السعي نهج حياة يؤكده لنا مزيد من إنتاجية المتوفقين إنسانياً.

وهذا ما تؤكد عليه شخصية الإمام الشيرازي، في سعيها الحثيث المتواصل طيلة سني حياته نحو حفز الذات على الإنتاجية القصوى، في جميع اهتماماته العلمية والعملية، بدءاً من أيام دراسته الأولى في الحوزة التي حفظ فيه القرآن باكراً، وتعلم فيها العلوم التأسيسية، وصولاً إلى اجتهاده المبكر في القدرة على الاستنباط الشرعي، بالإضافة إلى جعل درايته بشأن الحياة، وتفصيل مقامات رؤيته الدينية، والشرعية، في مدار حركة الواقع الإنساني، كل ذلك حدد استقلاله برأي مغاير بين أترابه من علماء الدين ومراجعه، ووفر له الفرصة للبروز كتيار ربما بدا وكأنه مختلف وجديد، مشفوعاً بطاقة ذاتية لا تهدأ، وبمريدين كثر آمنوا بالنهج، وتحملوا مع إمامهم ما تحملوا من عثرات ومشاكل في سبيل هدف كانوا يرونه الأنجع في نهضة المجتمع والأمة.

ثالثاً: المثابرة

إن المتتبع لحياة الإمام الشيرازي ليعجب من طبيعة هذا الرجل المدهشة، كيف تسنى له التدرج في تلك القدرة الفعلية العجيبة لمثابرته في شؤونه العلمية والعملية، ولا عجب إذا ما عرفنا كيف أنه استل تجربة العظماء من مذكراتهم الشخصية بفحص دقيق قل نظيره، فهو من أكثر القراء للسير الشخصية، علماء، مفكرين، سياسيين، وغيرهم، يكاد لا يستثنى أحداً، وكثيراً ما سمعنا له محاضرات يذكر فيها أنه قرأ لمذكرات أولئك، وفي كتاباته الكثير من الإشارات الضمنية إلى تجاربهم.

إن تلك الدربة على المطالعة، والكتابة التي لا تكاد تخلو منهما ساعة من ساعات يومه، بنهاره وليله، حتى سمعنا من بعض أفراد أسرته بأنه كان لا ينام في بعض أيامه إلاّ ساعتين، كل ذلك ليجعل منه كائناً معرفياً لا يهدأ إلاّ بهما، قراءة وكتابة، ديمومة جعلت من نهمه ذاك، مهارة لا تضاهي، وذاكرة تدربت على القراءة والحفظ، ويداً مارست الكتابة حتى أعياها ذلك في آخر سنينه، ـ ولقد سمعت له محاضرة منذ سنين بواكيري الثقافية يحث فيها مستمعيه على تعلم الكتابة باليدين بدلاً من يد واحدة كما قام بذلك «المهاتما غاندي» الذي كان معجباً به، وأظنه حاول وفعل ذلك ـ وإلاّ كيف يكتب لثمان ساعات متواصلة، ويعمل أحياناً في مكتبة لعشر ساعات دون كلل أو ملل، إن هذا لفضل يعرف من خلال جهده الذي بذله دون منازع، 1065 كتاباً، عشرات الألوف من الصفحات المسودة، الموسوعة الفقهية مائة وخمسين مجلداً، أكثر من ثلاثة آلاف محاضرة، رعاية لمؤسسات وجمعيات ضخمة، إدارة لحوزات دينية عديدة، ومرجعية شملت الرجوع إليه في الفتوى كل الحواضر الشيعية في العالم، أليس هذا دليلاً على جهد ومثابرة قل نظيرهما؟!

رابعاً: الشعور بأهمية الزمن

إن الشعور بأهمية الزمن في الحياة الإنسانية، لهو الحافظ البكر في سعي الإنسان نحو مزيد من الفعل المتحقق، وهو الشعور الداعم لحركة الامتلاء الوجودي الذي لابد وأن يحدث لكي يشعر الإنسان بالسعادة لما يحققه، وكلما زاد إحساس الإنسان بضرورة استغلال الزمن، كلما كان سعيه ناهضاً بمهمات وجوده على نحو أفضل وأكثر وأسرع، وهو ما يمكن قراءته في سيرة الراحل الإمام الشيرازي، وما يمكن الركون عليه بموضوعية وإعجاب لفاعلية الاهتمام بعنصر الزمن في مهمات الإنجاز عنده، إذ لا وقت لاستفراغ الجهد في غير معنى، إذ الهدفية مسوغ الوجود الأسمى في الحياة الإنسانية، وتنظيم الحياة الإنسانية في مدرج الزمن غاية للذات الفاعلة، لذلك نراه في حالة عمل دؤوب ومقسم بحسب الدور والاهتمام، كل في وقته المقدر، قراءة، كتابة، إدارة، عبادة، أسرة، كل بحسب الوقت الذي يحتاجه، فليس من شيء على حساب شيء آخر.

خامساً: التخطيط للمستقبل

الأفق المعرفي الذي تستهدفه الذات العارفة، هو الذي يحدد مسار توافقها التخطيطي باتجاه المستقبل، ويغربل أهدافها بالمزيد من قصدية الفعل، ومنهجة السلوك التصاعدي لكي يتأتى للمقترح المعرفي أن يهبط إلى الواقع الموضوعي لغربلته وتطبيقه في المستقبل، والتخطيط للمستقبل ترتسم معالمه في القفز على مفارقة الواقع الأقل جودة، بل والسيئ منه، إلى معالم الإضافة التي تملأ فراغات ذلك الواقع، أو تقترح تغييره إلى واقع أفضل؛ وهذا ما أكد عليه الإمام الشيرازي، في كثير من مؤلفاته التي كان تتغيأ تقديم مقترحات ومشاريع نظرية، استهدفت مغايرة ما هو سائد من تخلف على صعيد ما، أو إضافة تراكم معرفي في علم ما، أو التقديم لتأسيس مشروع ثقافي: (ثلاثة مليارات من الكتب، الكتاب من لوازم الحياة) أو فقهي شرعي (الموسوعة الفقهية 150 مجلداً) أو اجتماعي (الفقه: الاجتماع) أو سياسي (الفقه السياسي، الفقه: الحريات، إلى حكومة ألف مليون مسلم، الوصول إلى حكومة إسلامية واحدة، الفقه: الحكومة العالمية الواحدة)، أو اقتصادي (الفقه: الاقتصاد) أو قانوني (الفقه: القانون) أو إعلامي (الفقه: الإعلام) أو غير ذلك، من استهدافات تخطط لواقع إسلامي أفضل من المستقبل.

نتيجة استحقاق دافعية الإنجاز عند الإمام الشيرازي

بعد أن مررنا على الشعب الخمس التي زاولنا فيها النظر بموضوعية، لحركة دافعية الإنجاز عند الإمام السيد محمد الشيرازي، يمكننا القول باستحقاق معرفي متفرد، وخاص جداً، في التعاطي مع مشروعه النافذ من وجهة نظره المستقلة في سياق الطرح الإسلامي، بشفافية المرسم الحي لسماحته التي تجلت في أخاديده المعرفية والعملية، في شتى استهدافاته التي كان يؤطرها بمنهج اللاعنف والسلم في كل شؤون الحياة، وهذا ما يؤكد أطروحاته كمقترح يفي بغرض الواجب لاشرعي لديه، ومن واجب المسلمين فيما بعد ممارسة الغربة والنقد والتمحيص بفاعلية تجاه ما يطرح، ويطرح غيره، لا كما يقدمه لنا أصحاب القسر الفكري، والذين يصولون ويجولون بتشدد، في فرض نظرياتهم ومعارفهم على الآخرين، وكأنها كتاب منزل، ومن هنا تأتي مشروعية قراءة فكر الإمام الشيرازي وأطروحاته، على ضوء المنهج العلمي والنقدي المعاصر، وبالشكل الذي يستهدف توسيع دائرة الضوء والاستهداف الموضوعي لمشروع، ولكي يتمكن الباحثون من المساجلة ومداورة الرأي الذي يحقق الإثبات والتوحيد على استمراريته ونمائه.

المراجع:

[1] ـ د. عبد اللطيف محمد خليفة، الدافعية للإنجاز، ص95، دار غريب، القاهرة، مصر، ط1، عام 2000م.

[2] ـ المصدر نفسه، ص97.

المصدر:alshirazi.com