الإعلام العربي في قفص الاتهام؟

 

عرفان نظام الدين

 

 

عاد الإعلام العربي إلى الصدارة ليصبح هو الحدث بعد أن كان هو المعني بتغطية الحدث ومتابعته وتقديمه للمتلقي. فقد اثيرت خلال الأسابيع الماضية بشكل مكثف اشكالية دور الإعلام في كل المصائب والبلايا التي اصيبت بها الأمة ليحمل أكثر مما يحمل في ظل الظروف الصعبة التي يعمل بها ونعرف جميعاً تفاصيلها جيداً.

فكلما تأزمت الأمور وجهت السهام إلى الإعلام، وكلما اشتدت الخلافات داخل الأوطان وخارجها وبين الدول، جر الإعلام إلى فخ الانحياز والتحول إلى بوق لهذا الفريق أو ذاك وأدوات إلى هذه الدولة أو تلك، لتدافع عن وجهة نظرها والمشاركة في الحملة ضد «الطرف المعادي». وكلما نشبت فتنة حمل الإعلام مسؤولية وقوعها وألقيت على عاتقه أوزارها.

وبعد الحالة المزرية المؤسفة التي يعيشها العرب هذه الأيام في كل تفاصيل حياتهم، من فلسطين إلى العراق ولبنان، مروراً بخريطة الأمة من محيطها إلى خليجها، نسي جميع الأفرقاء والأطراف أدوارهم ومسؤولياتهم وخطاياهم ووجهوا الاتهام المباشر إلى الإعلام العربي وكأنه «العاشق» الوحيد لتلقي تبعات الأوضاع على كتفيه!

وهناك الآن اتجاه تبريري يضع كل اللوم على الإعلام من دون منافس واتجاه انتقادي يحمل المسؤولية للأنظمة والجهات والأحزاب التي تقف وراء الإعلام وتستغله وتجره جراً إلى الدرك الأسفل كي يعاني مما يعاني الآن من فقدان للموضوعية ونقص في المناعة وتقليص للصدقية وملامسة فعلية لفقدان الثقة بكل ما يصدر عنه.

ولا أريد أن أشارك في جلد الذات، فأنا ابن المهنة منذ أكثر من أربعين عاماً، ولكنني أحاول البحث عن العلة وأسبابها وعن الحقيقة المرة في منع الإعلام من تأدية رسالته وتشويه صورته وكبح جماح انطلاقته من أجل مواكبة روح العصر والدفاع عن الحريات وحقوق الإنسان والرد على الحملات المعادية التي تستهدف تشويه صورة العرب والمسلمين في العالم.

فبعد ثورة الاتصالات وفورة البث عبر الأقمار الاصطناعية وتزايد موجات التلفزيونات الفضائية العربية كان من المنتظر أن يشهد الإعلام العربي ثورة مقابلة في الدور والمسؤولية والخدمات والمستوى والانتاج الراقي ولكن النجاح اقتصر على مجالات التكنولوجيا والاسلوب والابهار والتقديم والبث المباشر وتغطية الأحداث لحظة وقوعها، ولم يرق إلى مستوى المتغيرات والتطورات ومضاهاة الإعلام الأجنبي، بل حصلت انتكاسات في مجالات عدة وتراجع في مجالات أخرى، وشوه بعض الممارسات الوجه الجديد للإعلام والإعلاميين.

وهنا برز خلاف حول دور الإعلام ومسؤولياته وطرحت تساؤلات، ودار جدل بين اتجاهين: الأول يطالب الإعلام العربي بلعب دور ايجابي في مجالات الحياة كافة والمشاركة في التوجيه والتربية وبناء ركائز المجتمع والدفاع عن قضاياه، والثاني يرفض دور الواعظ والموجه والمنحاز ويطالب بحصره في تقديم الخدمة الإعلامية الجيدة والراقية ونقل الحدث كما هو بلا زيادة ولا نقصان وترك الحرية للمتلقي ليعلم ويفهم ويقرر باعتبار أنه قد بلغ سن الرشد.

وبغض النظر عن صوابية رأي أي من هذين الاتجاهين، فإن الواقع يدلنا على معالم أخرى بسبب تناقضات المنطقة وتشابك القضايا وتداخل المعايير الدينية والقومية والوطنية، تضاف إليها الأزمات الجديدة التي طرأت خلال فترة انطلاق الفضائيات مثل الإرهاب والتطرف والتدخلات الأجنبية ومخاوف التقسيم والتفتيت والفتن الطائفية والدينية والمذهبية.

ومن هنا نطرح السؤال الكبير وهو: هل الإعلام مجرد وسيلة للترفيه أم وسيلة لنقل الخبر والمعلومة والرأي فقط، أم أن دوره يتعدى ذلك إلى القيام بعملية التوجيه والمشاركة في التنمية والبناء والقيام بمبادرات في سبيل قضايا المجتمع والأوطان والقضايا العربية؟ خصوصاً أن الإعلام العربي الدولي انتشر في أواخر السبعينات وأوائل الثمانينات، ونجح في الربط بين الجاليات العربية في ديار الاغتراب وأوطانها.

هذا السؤال الكبير كان مدار بحث لسنوات طويلة، فمنهم من يريد أن يحصر الإعلام فقط في الدور الإعلامي المهني الصرف، فيما يرى بعض المتنورين أن مسؤولية الإعلام تتعدى هذا النطاق لتشمل كل ما يفيد المجتمع والأوطان والقضايا العربية.

وللإجابة على السؤال لا بد من الاعتراف بوجود قصور وتقصير في الأداء الإعلامي بشكله القديم وبحلته الجديدة. فعلى الصيعد الخارجي كان التقصير فادحاً وليس في الأفق بادرة أمل صغيرة إلا في الانترنت أما على الصعيد الداخلي فقد وصل القصور إلى حد المشاركة في ألاعيب السياسة والتحول إلى فصيل في ميليشيا السياسيين وأمراء الحروب.

ومن يتابع الإعلام المحلي في العراق ولبنان وفلسطين يجد العجب العجاب ويشعر بالقرف والاشمئزاز من هذا الدرك الذي وصل إليه بعض هذا الإعلام في الانحياز واللاموضوعية وتغييب الحقائق وتشويهها وقلبها رأساً على عقب وصب الزيت على النار في إثارة الغرائز والفتن الطائفية والمذهبية والاجتماعية واستضافة مجموعات طفيلية موتورة ومريضة بشبق الظهور والمزايدات والشتم والردح، ودس السم في عسل نشرات الأخبار عن طريق مقدمات استفزازية تعمل على تهييج الجماهير وبناء أجيال حاقدة تتحول إلى صواعق تفجير جاهزة للانتقال من مرحلة الكلام والتلقي إلى مرحلة التحرك والفعل.

وبكل أسف فإن الإعلام الفضائي العربي أسهم بدوره في لعب هذا الدور عندما فتح الهواء لكل من هب ودب ليشارك في تأجيج نار الخلافات وتسفيه الآخر تحت ستار الحرية الإعلامية التي يرتكب باسمها اليوم أبشع الجرائم.

فدور الإعلام في هذه المرحلة الخطيرة ومسؤوليته لا حدود لهما في العمل على بناء الجسور وسد الثغرات وفتح باب الحوار البناء بين أبناء الأمة حتى تتمكن من تجاوز محنتها وتتصدى للأعداء الطامعين بها. والكلمة هي سلاح خطير قد يهدم كل ما يتم بناؤه، وأكبر دليل على ذلك ما حدث في مناسبات عدة بين الدول العربية، ما تسبب في وقوع أزمات سياسية وترك آثاراً سلبية على العلاقات الثنائية والأجواء العامة، إضافة إلى تشويه صورة العرب والإسلام والإساءة الى شخصيات ورموز شريفة.

فكم من كلمة أشعلت حرباً، وكم من مقال أثار فتنة. فهل نتعظ من التجارب، ونحاسب أنفسنا على كل كلمة نكتبها ونحرص على أن نحافظ على شرف مهنتنا... ونتحمل مسروليتنا كاملة؟

ولست هنا للوعظ أو الدعوة للتزمت والانغلاق، بل على العكس، فإن الانفتاح محبب ومنطقي شرط أن لا يتجاوز الخطوط الحمر وحدود الدين والأخلاق والذوق العام. فقد كانت بدايات العرب في المجال الفضائي سليمة وصحية، وكان التوجه العام يقوم على تقديم المفيد والشيق بشكل عصري وحضاري وفتح نوافذ الحرية بحكمة وتعقل وبلا تجاوز للمسلمات والثوابت، كما شمل هذا التوجه العمل على تقديم انتاج راقٍ على مستوى عالمي من الابهار والموضوعية والتركيز على الشباب والأطفال باعتبارهم عماد المستقبل وأمل مجتمعاتهم وأمتهم.

ودارت الأيام فإذا بنا نقف وجهاً لوجه أمام ألف «حصان طروادة» من الاسفاف والخفة والرخص والبعد عن العادات والتقاليد واستخدام أساليب الإثارة في جذب المشاهدين وحشر الجنس في كل شاردة وواردة حتى في البرامج الجادة والاعتماد على «التنانير» القصيرة والصدور الرحبة!

ولم يقتصر الأمر على هبوط المستوى الفني ورداءة صوت المغنين فيما يطلق عليه اسم «الأغنيات الشبابية» أو «الهبابية»، بل إن الوقاحة في استخدام الكلمات تجاوزت حدود الأدب وتطاولت حتى على الدين. ولهذا وجب علينا التحذير من مثل هذا الاستهتار ووضع حد لهذه المهازل التي لا تقتصر على الأغاني فحسب، بل في معظم ما يقدم من بعض الفضائحيات التي تعتمد على الاثارة والجنس.

فالبرامج الحوارية تحولت إلى زعيق وصراخ ووأد للحريات وتسفيه للرأي الآخر ومنبر لإثارة الفتن وتأجيج نار الخلافات والترويج للتطبيع مع إسرائيل واطلاق شعارات تحرك الغوغاء. واللغة العامية اصبحت سائدة في معظم المحطات في محاولة لنسف اللغة العربية بعد فشل محاولات عدة جرت في السابق، وهذا موضوع سأعود إليه قريباً، وحلّت «باي، وهاي، وتشاو» محل السلام عليكم وصباح الخير.

والتفاهة وصلت إلى المسابقات التي تحولت إلى أوراق يانصيب وأسئلة تافهة وخيارات أتفه مثل: «من غنى «السح اندح انبو»، هل هو: بيل كلينتون أم روكفلر أم أحمد عدوية؟ وأين يقيم مطرب البوب الأميركي الشهير، في كاليفورنيا أم كراتشي أم في التيبيت؟». ومن لا يصدق ليتابع، ومن يعش يرَ؟! ومن يعش رجباً يرَ عجباً!!

من أجل مجابهة هذا الانحراف لا بد من وقفة يشارك فيها الجميع لتصويب المسار ورسم خريطة طريق جديدة تدافع عن الحق والحريات ودور الإعلام المقدس وإعادة الهيبة لما كان يسمى بـ «السلطة الرابعة» وتنقية العمل الإعلامي من الشوائب التي لحقت به.

فقد تغيرت أمور كثيرة من الناحية التقنية والتكنولوجية في الانترنت وغيرها ثم سرعة نقل الأخبار، وكل شيء أصبح متاحاً من الناحية التقنية وظهور الفضائيات وتكاثرها وأصبحت المعلومة متاحة، فتعدد الآراء له فوائد كثيرة اذا لم تشبها شائبة اثارة الفتن التي تفسد للود قضية بل كل قضايانا.

وكنت طوال هذه الفترة أطرح على نفسي سؤالاً: «حصل تقدم تكنولوجي وحصلت ثورة في الإعلام العربي، ولكن هل تحققت الثورة نفسها أو الطفرة أو حتى التقدم في مجال العمل المهني البحت والموضوعية وأين يكمن التقصير؟».

السؤال الأهم الذي يؤرقني: «هل دور الإعلام هو الترفيه الأجوف والخلاعة وما نشهده حالياً حيث الراقصة أو عارضة الأزياء أصبحت مذيعة والمذيعة أصبحت راقصة، وهل يجوز أن نمارس الدور الذي يسهم في اثارة الفتن؟».

من واجبنا أن نطرح سؤالاً أساسياً حول أشرف المهن وأكثرها جهداً وتعباً وخطراً هو: من هو الصحافي، وكيف نحمي المهنة من منتحلي الصفة، بعد أن أصبح كل من «هب ودب» ينتمي اليها ويدعي أنه صحافي أو كاتب ليسيء الى شرف المهنة، ويشوه صورتها المثالية ويحرف رسالتها، وبالتالي يسيء الى الصحافيين الأصليين؟

وضعت كل المهن الأخرى شروطاً للانتساب اليها وفرضت قيوداً لا يمكن تجاوزها بحكم القانون، بينما بقيت مهنة الصحافة بلا ضوابط، يدخلها كل من فشل في مهنته أو رسب في امتحان أو لم يتمكن من تحصيل شهادة أو العثور على وظيفة أخرى، وكأن الصحافة العربية أصبحت «وكالة بلا بواب.

هذه القضية يجب أن يُنظر اليها جدياً ويشارك جميع الصحافيين الشرفاء والنقابات في ايجاد العلاج ووقف هذا الانهيار وحماية المهنة من الدخلاء ومنتحلي الصفة حتى تصبح عن حق سلطة رابعة تحظى باحترام القارئ والمسؤول وأدى هذا الوضع المرير الى تخريب الواقع والمساهمة في اشاعة الفتن والاساءة للعلاقات العربية فيما ظهرت طفيليات تمارس الابتزاز وتلجأ الى القدح والذم والتعدي على الحريات وإثارة النعرات بين أبناء الشعب الواحد والأمة بأسرها.

ورأينا كيف أسهم بعض الأقلام والصحف في إحداث الشرخ في جسد الأمة العربية وتسبب في القطيعة بين بعض الدول العربية. وما زال هذا البعض يواصل القيام بالدور التخريبي بدلاً من أن توجه الأقلام العربية كلها الى خدمة قضايا الأمة والدعوة الى التسامح والتصالح والمحبة وإزالة الخلافات ورأب الصدع.

وأدرك جيداً أن هذا الطرح مثالي وعصي على التطبيق بسبب ظروف السياسة وظروف الإعلام وأوضاع الإعلاميين ومعاناتهم اليومية مادياً ومعنوياً وجسدياً عندما تعرض العشرات منهم للاغتيال والخطف والغدر.

ولكن طريق الألف ميل يبدأ بخطوة على الجميع أن ينطلق منها وهي الإصرار على الموضوعية والممانعة في صد الاغراءات وعمليات الترهيب والترغيب ورفض المشاركة في تحويل الإعلام الى أداة لتنفيث الأحقاد أو تحقيق غايات في نفوس «يعاقيب» السياسة.

ولا بد أولاً من وضع ميثاق شرف يعيد الاحترام للمهنة وممارسيها ويضع مقاييس ومعايير للعمل الإعلامي مثل الامتناع عن إثارة الفتن والتأكد من المصادر وعدم بث الشائعات ورفض التسريبات المغرضة وفرض رقابة ذاتية نحن بحاجة اليها هذه الأيام بسبب المخاطر المتعددة الجوانب والجنسيات والاتجاهات بعد أن فشلت الرقابات الرسمية نتيجة ممارساتها الشاذة أولاً ثم بعد ثورة التكنولوجيا التي حطمت السدود والحدود وأتاحت المحرمات والمحظورات.

وهذا أقل ما يمكن من واجبنا كإعلاميين في مواجهة الأخطار من أجل الخروج من قفص الاتهام والانتقال من مرحلة الدفاع عن النفس الى مرحلة توجيه أصابع الاتهام الى كل من أسهم في ايجاد هذه المآزق التي تمر بها الأمة بكل موضوعية وشفافية وصراحة وصدق من دون أن تكون طرفاً أو أداة نسهم في التخريب بل يجب أن نكون رسلاً لردم الهوة وسد الثغرات وحل الخلافات وتأدية رسالة مهنتنا الغالية.

إنها أشرف مهنة في التاريخ... وواجبنا أن نثأر لشرفها ونعيدها نقية طاهرة عفيفة اللسان داعية خير ومحبة وسلام وراعية وحدة وتضامن ووئام.

وكل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر:الحياة اللندنية-1-10-2007