التعددية الثقافية جوهر الديموقراطية

 

شالوم لابين

 

 

تحتدم، اليوم، بأوروبا مناقشات تتناول دور سياسات التعددية الثقافية، وهي سياسات حكومية تدعم مؤسسات الأقليات الدينية والثقافية، في بعث التطرف الديني، وخصوصاً التطرف الديني الاسلامي، وتأجيجه.

وتتوجه هذه السياسات الى المهاجرين وأبنائهم، وتستثني الاقليات الاثنية الاوروبية، مثل الولش ببريطانيا والباسك بإسبانيا، من مساعداتها، على رغم ان التوتر بين هذه الاقليات الاوروبية المحلية وبين الشعوب الاوروبية، يهدد اللحمة الوطنية.

ويدور الكلام في هذه المناقشات على الاختلاف الديني، والهجرة، وسبل رد الديموقراطيات على تهديدات التطرف السياسي. وهذه المسائل الثلاث تستقطب الناخبين بأوروبا الغربية، وهي محور البرامج السياسية.

ويرى مناهضو سياسات التعدد الثقافي ان فشل المهاجرين المسلمين في الاندماج في المجتمعات المضيفة هو وراء نشوء الحركات الاسلامية المتطرفة ويزعم هؤلاء ان ارق الجيل الشاب من المسلمين، والتحاقهم بمجموعات الجهاد المحلية والخارجية، مرده الى تعزيز الاختلافات الثقافية بين ابناء المجتمع الواحد وانتهاج الحكومة سياسات متسامحة.

وعلى خلاف مناهضي سياسة التعددية الثقافية، يرى مناصرو هذه السياسة ان الاختلافات الثقافية تغني البلد المضيف، وأن التضييق على الجماعات الدينية ومنعها من ممارسة شعائرها هو انتهاك لحقوق مواطني البلدان الديموقراطية والدليل على صواب رأيهم هو ازدهار مجتمعات المهاجرين في كندا وولايات المتحدة.

والحق ان الاحزاب المحافظة الاوروبية هي اشرس مناهضين التعددية الثقافية. فالمحافظون المتشددون يعزون انهيار مجتمعهم الى موجات المهاجرين، ويدعون الى توقف بلادهم عن استقبال الوافدين. وتروج الاحزاب اليمينية المتطرفة، على غرار حزب «الجبهة الوطنية» بفرنسا و «الحزب البريطاني الوطني» الفاشي الجديد، سياسات معاداة الاجانب وتنتشر معاداة الاجانب في بلدان اوروبية كانت، الى وقت قريب، متسامحة مع المهاجرين مثل الدنمارك وهولندا.

ولكن الطعن في التعددية الثقافية لا يقتصر على الأحزاب اليمينية, فاليساريون ينتقدون المدارس الدينية، وسياسة دعم الجماعات الاثنية. ويزعمون ان هذه السياسة تؤجج الانقسامات الاثنية. وعلى خلاف اليسار التقليدي، يحتفي يسار ما بعد الحداثة بالتعددية الثقافية. ويحسب ناشطوه ان التعدد الثقافي هو ضرب من ضروب مقاومة الامبريالية، ورمز عدم الانصياع للقيم الليبرالية الجامعة.

ولا شك في ان أعداء التعدد الثقافي ومناصريه يخلطون بين الاختلافات الثقافية والقيم السياسية. والتمييز بين مسألة الاختلاف الثقافي والهجرة والتشدد السياسي واجب. فحماية التعدد الثقافي ليس أمراً ثانوياً يغني المجتمع او يفكك أواصره، بل هو جوهر الديموقراطية الليبرالية.

فعلى سبيل المثال، تعيش جماعات الـ أميش بالولايات المتحدة في جماعات زراعية، وترفض استعمال الادوات الكهربائية ووسائل التكنولوجيا الحديثة. ولا يخالط الـ أميش غيرهم من الجماعات. فهم يسعون الى الحفاظ على طريقة عيشهم الموروثة من الاجداد وفي 1972، أقرت المحكمة العليا الاميركية حق جماعات الاميش في منع اولادها من الالتحاق بالتعليم المتوسط والثانوي، وفي حق ابناء هذه الجماعات بالعمل بعد تخرجهم من الصف الثامن.

ورأى قاضي المحكمة العليا ان حق الدولة في فرض الزامية التعليم يقيده التعديل الدستوري الاول، وهذا يصون حرية الاعتقاد. فمصلحة الدولة في عموم التعليم لا تعلو على الحقوق الدستورية الاساسية وجليّ ان الاميش هي انموذج انفصال جماعة دينية عن غيرها من الجماعات بأميركا. وعليه، لا يهدد ميلُ جماعة ما، سواء كانت اسلامية او مسيحية، الى العزلة الثقافية تماسك بنى النظام المجتمعي. فالخطر الفعلي هو سعي الجماعات الاسلامية المتطرفة الى فرض عقيدتها السياسية على غير المسلمين والمسلمين، على حد سواء فهذه الجماعات ترمي الى اطاحة المؤسسات الليبرالية الديموقراطية والحلول محلها، عوض التعايش معها.

ولا شك في ان معادي التعددية الثقافية بأوروبا يتجاهلون لب المشكلة، ويخلطون بين المسائل الثقافية والدينية والمسائل السياسية، ويستغلون مخاوف الاوروبيين من الحركات السياسية المتطرفة، وهي مخاوف سائغة، لترويج ثقافة معاداة الآخر والديموقراطية ملزمة احترام رغبة المهاجرين المسلمين، في حال فضلوا العزلة الثقافية الجماعية، في انشاء جماعات مستقلة عن غيرها من الجماعات، وفي الحذو حذو الاميش. ويخلط اليساريون بين برنامج الاسلام السياسي المتطرف وبين المسلمين، ويتهمون منتقدي الحركات السياسية الاسلامية المتطرفة بالعنصرية. وهذا شأن محافظ لندن، كن ليفينغستون. فهو وصف المنددين باستقباله الشيخ يوسف القرضاوي، وهو مقرب من «الاخوان المسلمين»، بمعاداة الاسلام ومناوأته. وجليّ أن قبول الحكومة التعدد الثقافي ينم باحترام مبادئ الديموقراطية الليبرالية.

*أستاذ ألسنية رياضية في جامعة «كينغز» البريطانية

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر:الحياة اللندنية-عن «ديسنت» الاميركية