عزيزي المشاهد انتبه: "كل هذه السهام موجهة الى رأسك انت"

 

محمود الورواري

 

التجربة الفضائية العربية منذ نشأتها عام 1990 مرت بجملة من المراحل يمكن ان نختزلها كالتالي :

مرحاة النشاة : وهي تبدأ بتاريخ خروج اول قناة فضائية عربية حين خرجت الفضائية المصري، وبعدها بقليل خرجت mbc.

ومن هذه البداية يتضح ان التجربة قامت على مرتكزين احدهما حكومي الذي تمثل في الفضائية المصرية والاخر خاص المتمثل في ال mbc هذا ما جعل البعض يتفاءل خيرا من هذه التجربة انها بدأت متوازنة بمعنى انه لم يكن للاعلام الحكومى سلطة اللعب على الساحة طبعا في خدمة النظم على حساب ما يجب ان يقوم به الاعلام تجاه الفرد والمجتمع ولم يكن للاعلام الخاص التفرد على حساب ما يسعى اليه من ربحية ايضا تكون على حساب المتلقي.

هذه المرحلة لم تستمر كثيرا ثنائيةً هكذا فقد تبعتها قنوات حكومية اخرى وخاصة ايضا ونشير الى art حينما بدأت قناة واحدة هي القناة العامة وتفرعت الى عدة قنوات بعد ذلك وهكذا اوربت ، طبعا كان ذلك مقابل رواج القنوات الحكومية اذ اصبح لكل عاصمة عربية قناة فضائية تحمل اسمها، و الخطاب الاعلامي وقتها حمل سمات كثيرة فظلت التجربة غير قادرة على خلق خصوصية عربية حتى البرامج التي نجحت وقتها كانت برامج مقلدة مثل برنامج " صباح الخير يا مصر " الذي ظل لاكثر من اربعة اعوام افضل برنامج عربي حسب تصنيفات مجموعة من الدارسين المتخصصين والنشرة التي كانت تقدمها ال mbc تميزت وقتها لانها كسرت روتين نشرة الاخبار الحكومية التي فشلت في القنوات الفضائية الحكومية حتى الان لانها مازالت تُقدم بنفس الطريقة الثلث الاول للرئيس والثاني للحكومة والاخير لاقاربهم والفيض القليل القليل للاحداث الدولية والعربية .

المرحلة الثانية التي يمكن ان نؤسس لها هي التي بدأت بعد قناة الجزيرة كقناة اخبار بين عامي 96 و97 وبداية برامجها خصوصا الاتجاه المعاكس وحوارات احمد منصور وبرنامج سري للغاية ليسري فوده" لماذا هذه البرامج لانها كسرت السائد في التعامل مع الضيف بطرحها الاسئلة التي لم يكن مسموحا بها سابقا وهكذا بدأت تضرب في النظم العربية والزعماء وهذا ما جعل الكتاب يحملون الجزيرة مسئولية توسيع الفجوة والهوة بين النظم العربية وبين الشعوب العربية تحضيرا وتجهيزا لنفسية الانسان العربي لان يتقبل ما حدث في العراق دون الخوض في تفاصيل اكثر !!!

المرحلة الثالثة والتي اريد ان اركز عليها في حديثي هذا بشكل كبير هي تلك المرحلة التي بدأت ما قبل او مع احتلال العراق وهي مرحلة تكريس الخبر العربي او ايجاد وجه اخرى للخبر العربي يمكن ان يوازن الخبر الذي ظلت الجزيرة تقدمه طوال الفترة التي سبقت احتلال العراق وهذا تمثل في خروج قناة العربية "التي انطلقت كبيرة وساعدها على ذلك ظرفية الانطلاق وهي احتلال العراق وان كنا لانستطيع ان نتجاهل قناة حكومية فرضت تواجدها في هذه المرحلة وهي قناة ابوظبي التي كسرت ايضا روتينية تناول الخبر الحكومي ولو بشكل نسبي وهو الخبر الذي يركز على النظام والرئيس والوزير وغيرهم .

هذه المرحلة شهدت ايضا انطلاق قناة الحرة " المدعومة مباشرة من امريكا كحكومة وثار حولها فور انطلاقتهاا لغط كبير لدرجة صدور فتاوى ضد من يعمل بها وهذا ليس موضوعنا.

وايضا انطلاق قناة العالم الاخبارية " التي تدعمها الحكومة الايرانية وهما قناتان ناطقتان باللغة العربية والحقيقة هناك كتابات كثيرة راحت تفسر لماذا تطلق ايران قناة اخبارية باللغة العربية وهكذا امريكا ولماذا في هذا التوقيت ؟

هذه المرحلة استمرت حتى 2007 لنجد انفسنا امام مرحلة جديدة او تكريس للمرحلة السابقة وهي المرحلة التي تتكالب على المشاهد العربي قناوات وتتحدث بلغته فوجدنا فناة تخرج من موسكو اخبارية ناطقة باللغة العربية بدعم حكومي معلن من الحكومة الروسية ، وبعدها قناة اخبارية ناطقة بالعربية تخرج من مدينة طنجة المغربية باموال ودعم فرنسي وقناة 24ساعة من باريس ايضا تخصص فترات كاملة باللغة العربية وقبلهم خرجت قناة الدويتش فيلي" الالمانية وهي اخبارية ايضا ونحن في انتظار قناة ال bbcالعربي التي اعلنوا انها ستخرج اخر هذا العام وقد تم اختيار فريق عملها وهي طبعا من الحكومة البريطانية وهناك حديث كبير يتردد الان ان cnn تحضر لان تطلق نسختها العربية.

والسؤال الكبير الذي يُطرح باستمرار لماذا ؟ ولماذا الان ؟ ولماذ لم يكن قبل ذلك ؟

وهل هذا حبا في عيون المشاهد العربي ؟ وهل هذه الدول والحكومات وما خفي كان افظع تنفق هذه الاموال التي لا تقل عن ثلاثين مليون دولار كاقل تكلفة لكل قناة من اجلك انت ايها المشاهد العربي الغارق في همومك وفي دمك ؟

الاجابات كثيرة كل يتسطيع ان يقرأها من زاويته ولكن لعبة السياسة او قهر ما بعد 90 مرورا 2003 جعلتنا نتأكد ان لعبة المصالح الغارقة في انانية الموت هي التي تحكم عقلية الذين يفكرون فينا مع اننا لسنا ضد ان يفكر شخص في مصالحة فهذا شيئ طبيعي لكننا نتوسل اليهم الا تكون مصالحهم مرهونة بموتنا كما علمتنا تجربة احتلال العراق .

اذا كل هذه القنوات او كل هذه السهام موجه اليك عزيزي المشاهد وانت مطالب بفرز وفلترت الرسائل التي توجه اليك وهكذا القنوات العربية الاخبارية وغير الاخبارية مطالبة بان تساعدك في خلق معادل موضوعي وبديل نزيه يجعلك على تماس مع الحقيقة دون مبالغة في الرفض ولا مبالغة في القبول، خصوصا ان الذي يخيف اكبر هو التقصد والاستهداف في التسخيف والتهييف الذي تمارسه قنوات الفديو كليب وتفريخ المطربين والشعوذة والدجل والتنجيم وسينما الفارص وضياع المسرح والاغنية العربية الاصيلة.

واذا دققت ستجد المحرك لكل هذه راسمال مجهول المصدر والله اعلم وكأن هذا الاعلام التسخيفي يؤدي بقصد او دون قصد وظيفة الخلخلة ليتركك آيل للسقوط في مواجهة القنوات التي ستلط عليك سهامها من الخارج.

ما الذي يجعل فرنسا تطلق قناتها من طنجة المغربية من مستعمارتها السابقة وتطلق برامج اخرى من قناة" 24 ساعة" من باريس هل هي محاولة للمحافظةعلى ما بقي من سيادتها على فرانكوفيتها او احياء ما قد يموت من ثقافة المستعمر الفرنسي القديم او تريد استكمال خوض صراع مع سادة العالم اليوم امريكا وغيرها على ملعب محايد لهم يكون مكانه في تجاويف عقلك ايها المشاهد العربي .

وما الذي يجعل روسيا التي تعاني من ازمة اقتصادية طاحنة تنفق ما يقارب الثلاثين مليون دولار من اجل قناتها الاخبارية الناطقة بالعربية هل تريد تغير ما ترسخ في الذهن العربي تجاه قضية الشيشان وما يتعرضون له من ابادة وهكذا موقف روسيا من رفض استقلال كوسوفو ومحاولة الابقاء على حلفائها في الشرق الاوسط خصوصا سوريا وايران وايجاد موطء قدم لهم مع امريكا التي تسيدت الساحة كاملا في العراق .

ما الذي يجعل الcnn الامريكية المال الهوى والولاء برغم انها ليست حكومية تفكر في خوض معركة التنشين على راس المشاهد العربي وان كان ذلك بوازع التحريض الامريكي اليس لديهم قناتهم المعلنة قناة الحرة وغيرها الكثير الذي يعمل من تحت الطاولة ، ام أن فشل الحرة في تأدية مهامها جعلها تفكر في الاستفادة من شهرة الcnn؟

وماذا تريد امريكا من عقلية المشاهد العربي في هذه المرحلة تحديدا وكل الرياح تسير كما تشتهي سفنها ، فالقدم الامريكية في المنطقة قهرا في العراق وعبر الدبلوماسية في الدول المعتدلة وفي يدها العصى لمن يعصي اوامرها في ايران والسودان ولها تواجدها في افريقيا من الصومال الى اثيوبيا ! ماذا تريد امريكا ؟

الذي يخيف هو ما يجعلنا نتوقع اننا قد نكون امام مرحلة جديدة تعرفها كل هذه الدول التي راحت تتنافس وتتصارع في اطلاق قنوات باللغة العربية موجهة الى عقل المشاهد العربي ونحن كعادتنا اخر من يعلم تماما كالزوج المخدوع وهذا ليس غريبا علينا فالمشاهد العربي دائما غارق بين تعتيمات تمارسها السلطات وتوجهيات يمارسها الذين يبحثون عن مصالحهم كهذه الدول.

اذا كنا امام مرحلة جديدة ما هي ملامحها ؟

اول ملمح هو مرحلة ما بعد العراق مرحلة قبول الامر الواقع مرحلة تغير المفاهيم والثوابت والبحث عن افاق جديدة لحل المشاكل العالقة بدءا من فلسطين واسرائيل مرورا بالعراق والسودان والصومال والشيشان وكشمير بين باكستان والهند وان تكون هناك لغة اخرى غير لغة الاعتماد على مبدأ الدين في حسم أي مشكلة خصوصا المشاكل العالقة كالاسلام السياسي بعد ان فشلت الاحزاب السياسية ذات التوجه الديني في تقديم نفسها كبديل للشعوب العربية من الانقاذ في الجزاير وحزب الدعوة ومنظمة الثورة الاسلامية في العراق وحماس في فلسطين والاخوان في مصر والاتهامات الموجهة الى الجمهورية الاسلامية من الداخل والخارج.

وينضاف الى ذلك الحديث عن الارهاب والمقاومة وغيرها من خطط تؤدي في جميع الاحوال الى قبول المرفوض سابقا وهو العدو الاسرائيلي . والاهم ايضا ان تسعى امريكا الى تغير الصورة التي رسخها بوش في ذهن المشاهد العربي وهي صورة دراكولا مصاص الدماء خصوصا بعد ان ياتي الديمقراطيون الى السلطة.

اذا في الختام لسنا ضد احد ولا نحجر على احد ولا نستطيع اصلا ممارسة ذلك فالسماء ملك للجميع ليس لها ابواب ولا نوافذ ولكن من حقنا ان نتجرأ ونحاول قراءة بعض سلوكيات الاخر .

اما انت ايها المشاهد العربي لا تنسى ان لك نوافذ ولك ابواب تستطيع ان تغلقها في وجه من تراه يريد محوك او خلخلتك عن ثوابتك او تحيدك عن الطريق او خلط الاوراق عليك فقدرك وضعك في منطقة منذ اجدادك الاوائل وهي محط انظار المستعمرين والاستعمار الذي منذ بدايته يتحور وياخذ اشكالا يراد لك ان تقبلها فعليك ان تكون يقظا ، عليك ان تعيد صيانة فلاترك لفرز سموم الرسائل التي ستصلك بعدما تبدأ تلك المرحلة الجديدة لاعادة ترتيب شرق اوسطك الكبير والوسيع عليهم والضيق جدا جدا عليك.

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر:الشرق الأوسط اللندنية-10-9-2007