النشاط الاتصالي الإنساني والعلاقات الاجتماعية

 

د. محمد ناصر الخوالده

 

ترتبط سائر العمليات الاجتماعية بنشاط الناس المتحدين في مجموعة مشتركة ذات طراز ونوع مختلفين وهذا ليس من سمات كل تشكيلة اجتماعية – اقتصادية فسحب، بل تتسم به أيضا مراحل معينة من تطورها. وتشكل هذه الجماعات البشرية، الكبيرة منها مثل الطبقات والأمم والمجموعات القومية والاجتماعية – الديمغرافية، الصغيرة، مثل المجموعات التربوية والعائلية وغيرها، ومختلف المنظمات الاجتماعية والاتحادات، الهيكل الاجتماعي للمجتمع، بالمعنى الواسع لهذه الكلمة. فهي تظهر على أساس مختلف، ولها شروط مختلفة للوجود والتطور ومتطلبات واحتياجات وأهداف مختلفة، وتحتل موضعاً غير متكافئ في النظام الاجتماعي وتتحدد بنموذج مختلف من الصلات والعلاقات بين الأفراد الداخلية فيها، وتتميز عن بعضها، من حيث: مستوى التنظيم، وطبيعته ونمط الحياة وأساليب النشاط الاتصالي الإنساني، وأشكاله، ونظام القيم، وقواعد المثل، والنظرات والأجزاء الأخرى في السيكولوجيا الاجتماعية، تدرج ضمن نظام الظروف المحددة للنشاط الاتصالي الأجزاء الذاتية أيضا كالوعي الاجتماعي ومجموعة العوامل السيكولوجية التي تحدد المجموعات الاجتماعية والمتعلقة بمكان الفرد من نظام العلاقات الاجتماعية وتوجهاته التقييمية والمتشكلة على أساس الفئات المقررة.

تلعب العوامل السيكولوجية دوراً مختلفاً في شرح السلوك الاجتماعي للذات ونشاطها الاتصالي، فالعلاقات بين الأفراد في المجموعات الصغيرة تتحدد بالقوانين السوسيولوجية، ويفسر سلوك بعض الأفراد ويوصف على الأغلب طبقاً لنظام القوانين الاجتماعية – السيكولوجية.

تؤدي وسائل الإعلام الجماهيري وظيفة مهمة في إفهام أفراد المجتمع لمهامهم واحتياجاتهم، وفي التربية على الإعداد النفسي للعمل والحركة، كما تقوم بدور خاص في العمليات الاجتماعية – السيكولوجية لتراص ووحدة الذات الاجتماعية للنشاط الاتصالي. إن الآلية الاجتماعية – السيكولوجية لتشكيل وتكوين الذات وفاعليتها الاجتماعية لا يمكن حصرها في الآلية السيكولوجية التي تجري على أساس عمليات التفاعل، وفي هذا الحال تكمن الوسيلة الاتصالية الهامة لتحقيق الاتفاق في التواصل المباشر بين الأفراد والذي يحدث في أثناء تبادل النشاط الاتصالي والمعلومات وتحقق المستوى الضروري من التفاهم المتبادل والاتفاق بين الأفراد الذين ينجزون عملية الاتصال.

توضع الوحدة الشعورية والعقلانية والإرادية على مستوى الأفراد وقبل كل شيء نتيجة لتماثل ظروف الحياة والتواصل الحيوي المنعكس بفضل وعي الأفراد، فالوحدة المشتركة في صورة الحياة تولد وحدة مشتركة في صورة الأفكار أيضا، وان الاتفاق في الرأي لا يظهر عفوياً بل ينظم في كل نموذج للوحدة المشتركة بواسطة مستويات الاتصال وعبر وسائله الخاصة التي تدخل الوعي عند الجمهور وتكون الداعية والمنظم الجماعي.

تلعب العوامل الاجتماعية والسيكولوجية في تنظيم المجتمع دوراً أكبر في بلوغ التضافر والتضامن من التواصل المباشر بين الأفراد، ويكتسب التواصل في هذه الأبعاد طابعاً أكثر وسطية. غير انه تشتد أهمية النشاط الاتصالي من خلال ما يقدمه هذا الاتصال من وظائف تحقق الصلات بين الفرد والمجتمع والوسائل الإعلامية وقنواتها الموجهة على أساس أهداف الرسالة وما يحمله مضمونها والتي تعبر في الأغلب بشكل مكثف عن متطلبات الفرد ومصالحه في المجتمع وفي علم الاجتماع وعلم النفس الاجتماعي معطيات غير كافية تبرهن على أن عمليات الهدف المنشود وتحفيز النشاط الفردي وتركيب المتطلبات وتسلسلها وكذلك المصالح والتوجهات التقييمية وبواعث الفرد تمتلك فوارق جوهرية تبعاً لنموذج الجماعة التي ينتمي إليها الفرد وأنظمة العلاقات الاجتماعية.

لا يمكن اعتبار مشكلة الصلة المتبادلة بين نشاط الفرد، والممارسة الاجتماعية والسيكولوجية غير مكتشفة من سائر الجوانب، ولا تحديد الاجتماعي لوعي الفرد وسلوكيته غير ظاهر، وفي هذا الصدد، من الهام إبراز أسلوب مظهر واستيعاب المتطلبات الاجتماعية الفئوية.

وتشكل المصالح والأهداف والدوافع وما إلى ذلك في الوعي الفردي والأهداف والمصالح الفردية في نشاط الذات الاجتماعية – الفئة المجموعة وطرق تحقيق الاتفاق الضروري حول عمل الذات الفردية والذات الاجتماعية والفرد والجماعة وتكوين الكلية السيكولوجية للمجموعة – الفئة على المستويات التأثيرية الحسية والعقلانية والإرادة والمناخ السيكولوجي الملائم، الذي يحفز على النشاط الاتصالي الإنساني للأفراد.

 

تطرح وتدرس، في الوقت الحاضر، سائر هذه المسائل بهذا القدر أو ذاك من جانب علم النفس الاجتماعي، وان كان على الأغلب على مستوى المجموعات الصغيرة، وفي حالات غير قليلة أيضا في ظل عدم التقويم الكامل المحدد لمحتوى النشاط الاتصالي الاجتماعي لهذه المجموعات وأهدافها، ومن المفهوم انه من الضروري قبل كل شيء، الأخذ بالحسبان أن الفرد يتمثل في مختلف المجموعات، ويشارك في مختلف أشكال نشاط الاتصال الإنساني، وبما يحمل منة تنوع في مستويات هذا النشاط وتبعاته الاجتماعية.

إن المفتاح المنهجي لحل المسائل المطروحة هنا، هو مبدأ وحدة النشاط الاتصالي، والعلاقات الاجتماعية والوعي، وان هذا المبدأ ضروري للكشف ليس فقط عن جوهر العملية الاتصالية وآلية عمل القوانين الاجتماعية بل وعن القوانين الاجتماعية- السيكولوجية- وتكوين أشخاص النشاط الاتصالي.

هذا وتظهر مجموعة الصلات الفعلية بين الإنسان والمجتمع وتبرز وتتطور في عملية النشاط الاتصالي الاجتماعي تاريخياً.

ماذا يعني النشاط الاتصالي؟ انه يعني بالمعنى الضيق للكلمة: ذلك الجانب الخاص من النشاط الذي يدرسه علم الاجتماع وعلم النفس الاجتماعي، ويحدد هذا المفهوم، قبل كل شيء، وظائف الذات الاجتماعية المحددة تاريخياً، لذا من الضروري دراسة مفهوم النشاط الاتصالي من الناحية المنهجية بالارتباط بالهيكل الاجتماعي للمجتمع بحيث يقصد بذلك مجموعة كاملة من الأعمال التي ينجزها الأفراد بصفتهم أعضاء في جماعات اجتماعية محددة، مجموعات من أنواع مختلفة واتحادات أسرية وما إلى ذلك. وفي النشاط الاتصالي للأفراد المرتبطين ببعضهم تتحقق وبصورة مماثلة إلى حد ما، الاحتياجات والمصالح والأهداف، ويدركها الأفراد ويستوعبونها في أشكال المتطلبات والمصالح والأهداف الشخصية، ويبدو هذا المستوى المتنوع للقبول في المقياس الفردي لاستيعابها في مستويات مختلفة من النشاط الاتصالي للأفراد.

يدرس علم النفس وعلم الاجتماع على حد سواء النشاط الاتصالي ومستوياته وأشكاله المختلفة بالعلاقة بين الفرد والمجتمع، فيم تكمن إذن خاصية المنطلق الاجتماعي-السيكولوجي- في تحليل النشاط الاتصالي؟ يعتبر تحليل مختلف جوانب النشاط الاتصالي ضرورياً كلياً من وجهة نظر علم النفس العام لأن الوعي الفردي والاجتماعي يقوم بوظيفته ويتشكل ويتغير في عملية النشاط الاتصالي بالذات بصفته شرطاً ضرورياً ونتيجة. وفي هذا الصدد، يؤدي الوعي وظائف متعددة، إعلامية وتوجيهية وتنظيمية وإدارية وترفيهية وتعليمية.

يبحث علم النفس في الجانب الذاتي من النشاط الاتصالي، بيد أن ما هو سيكولوجي ليس شيئا داخلياً بحتا بل هو "يخرج عن حدود العالم الداخلي للوعي متضمناً الصلات والعلاقات القائمة خارج هذا العالم الداخلي".

تعتبر الصورة والأفكار مادة النشاط الاتصالي ونتيجته، ولهذا النشاط عدد من الوظائف التي تدرسها مجالات مختلفة من العلوم، هدفه الحصول على المعلومات حول الموضوع والحصول على المعرفة. تدرس نظرية المعرفة عملية إدراك الإنسان للعالم المحيط، وان هذا الإدراك – المعرفة متشابك من ناحية بصورة مباشرة مع عملية النشاط الاتصالي الحيوي الفعلي للبشر، ويمثل نوعاً مستقلاً نسبياً للانعكاس العلمي النظري – والجمالي للعالم من ناحية أخرى، ولعملية المعرفة والاحتكاك الاجتماعي جانب آخر مرتبط ارتباطاً وثيقاً بالأول: استيعاب المعارف ونقل التراث والتجربة الاجتماعية من جيل إلى آخر والتعليم كنوع خاص من النشاط الاتصالي الإنساني.

يولد النشاط الاتصالي الإنساني مواقعاً جديداً، وفي كل ظرف اتصالي تنفتح أمام الذات الفاعلة الإمكانيات، ويلعب التخيل ومقارنة الواقع مع المثل الأعلى (التصور) يخلق ظرفاً كاملاً ويحقق عملية الخروج خارج حدود "جزئية" الوجود الفردي.

وهو يتضمن الإمكانية للتنبؤ بالمستقبل الذي يعتبر نتيجة لنشاط الإنسان الاتصالي ويشكل هذا التصور قوة الوعي الإبداعي مكوناً في أثناء ذلك أشكالاً مثالية.

تفترض عملية النشاط الاتصالي الإنساني كذلك صياغة واستيعاب القواعد والمعايير اللازمة والتي يتحقق واسطتها الإشراف عليه. وان آلية الصلة العكسية (الرجع) يضمن نجاحه. وأخيراً يفترض الاستعداد السيكولوجي للذات للقيام بنشاط اتصالي مادي خارجي وجود عملية حثيثة دافعة متميزة يدرك الإنسان من خلالها متطلباته واحتياجاته وميوله التي تملأ نشاطه الاتصالي بالدلالة الشخصية، ففي الإنسان يتكون بصورة مراعية إلى حد ما، تسلسل محدد من البواعث وفقاً للتوجهات التقييمية كما يصاغ نظام لمبادئ الاتصال.

 

يشكل النشاط الاتصالي في هذا المجال تطبيقاً للعلاقات الذاتية في تحويل المواد الخارجية لا تقوم به مواد الثقافة المادية والحياة اليومية فحسب بل ومجالات العلاقات الاجتماعية والمؤسسات ونماذج الصلات الاجتماعية بين البشر والمجتمع وحتى الإنسان نفسه بمجموع صفاته وسماته. ويشكل الوعي النفسي جزءاً مكوناً ضرورياً من النشاط الاتصالي في سائر مستوياته وأشكاله.

وفي التحليل الاجتماعي – السيكولوجي – لم تعد ذات النشاط الاتصالي هي فقط الفرد بل والجماعة أيضا والمجتمع ككل.

فالذات الاجتماعية للنشاط الاتصالي الإنساني تمتلك عدداً كاملاً من الخصائص مما يؤثر في تعقيد هيكلها وتركيبها.

تفترض الذات الاجتماعية للنشاط الاتصالي الإنساني نظاماً من العلاقات المتبادلة بين الأفراد وكذلك بين الفرد والمجتمع ككل. وان الشرط الضروري للنشاط الاتصالي المنظم هو نظام العلاقات الاجتماعية والاقتصادية والمنهجية والسياسية والحقوقية والأخلاقية وغيرها من العلاقات التي تظهر في أشكال مختلفة من التواصل.

ويفترض وجود الذات الاجتماعية للنشاط الاتصالي الإنساني نظاماً محدداً من الأهداف في بنيان النشاط الاجتماعي للفرد والمجتمع. ونعتقد أن عملية الهدف المنشود في النشاط الاجتماعي- نظراً لأن الهدف الاجتماعي – لا يظهر دائماً من مجموع الأهداف الفردية وحتى انه ينقسم إلى عدد من العمليات المتفاعلة فيما بينها، ومنها صياغة هدف نشاط المجموعة والتقاؤه مع الأهداف الاجتماعية واستيعاب الأفراد للهدف الجماعي بواسطة أنظمة خاصة للإعلام والتعليم والدعاية وإضفاء الموضوعية على الأهداف الخاصة في عملية النشاط الاتصالي.

وانه ليمهد بهذا القدر لنظام المتطلبات والاحتياجات والمصالح وبواعث النشاط الاتصالي بحيث يوضع الفرد أمام صورة الاختيار وتوافق البواعث والدوافع والمصالح والاحتياجات الشخصية مع الجماعية والمجتمعية، ويتحقق في عملية التفاعل المتبادل بين البشر، التغلغل المتبادل للغايات والحوافز والبواعث والاحتياجات والمتطلبات والقيم ومختلف أنواع الإعلام التي يحصل عليها الفرد في أثناء عملية المعرفة الجماعية بينما يحدث استيعاب الأهداف والمهام المجتمعية والجماعية تماماً مثل تلبية وأداء الأهداف والمتطلبات الفردية في أثناء النشاط الاتصالي.

وهناك عدد غير قليل من الدراسات السوسيولوجية والاجتماعية – السيكولوجية- والتربوية بصدد مسائل تكوين الذات الجماعية للنشاط الاتصالي من مجموعة الأشخاص المتحدين بمهام مشتركة، وقد أقر الباحثون أن مقاييس اتصال الفرد بمجموعات مختلفة، مثل مستوى تماسك المجموعات ليس واحداً، وتجري دراسة هذا التوافق في اتجاهين الأول يتضمن دراسة امتلاك الفرد لأهداف وقواعد وأصول جماعية على المستويات العقلانية والانفعالية والإدارية بدءا م الحصول على المعارف وإدراك القواعد الجماعية والقيم وانتهاء بالقبول بها في نظام القيم الخاص، ويجري البحث في تطبيق هذه القواعد والأصول في السلوك والتصرفات. الاتجاه الآخر مرتبط بتحديد مستوى إدراك المجموعة، للمتطلبات والأهداف الجماعية، والمعبر عنها في نظام المهام والخطط والبرامج عبر منظومة النشاط الاتصالي، ويفترض في هذا المجال أثناء وضع خطط التطوير الاجتماعي للمجموعات، ان تكون متوافقة مع الخطط المجتمعية، وان هذه العملية معقدة، نظراً لأنها تتطلب ان تأخذ في الحسبان التطوير الفردي للغايات والقواعد الشخصية ومستوى توافقها ومقياسها مع الجماعة، إضافة إلى توافق القواعد والصلات بين الأفراد والتوافقية الاجتماعية والسيكولوجية.

وعلى أساس المعطيات التي حصل عليها علم الاجتماع، يمكن تحديد طرق تشكيل التضافر والخفر الاجتماعي للنشاط الاتصالي الإنساني.

وهنا يجب الأخذ بعين الاعتبار العوامل الآتية:

1- وضع أهداف النشاط الاتصالي ومهامه والمغزى الاجتماعي لهذه المهام.

2- الهيكل الوظيفي للنشاط الاتصالي وتطابقه مع مراحل مستوى النشاط الاتصالي ومهمته.

3- تطابق المصالح الفردية والجماعية عن طريق النشاط الاتصالي (التعليم والدعاية وما إلى ذلك).

4- وجود تصريف فريد من نوعه للإمكانيات واكتساب تجربة خاصة وشروط تكوين القدرات والمؤهلات اللازمة لظهورها وإبرازها.

5- التقييم المتماثل إلى أقصى حد لنتائج النشاط الاتصالي وخلق الإمكانيات لتلبية الأهداف والأماني الفردية والمجتمعية.

6- سمات المصدر وعمله في اتجاه تطابق النشاط الاتصالي الفردي بخلق المناخ السيكولوجي الملائم في الجماعة وسمعته وهيبته، فإضافة إلى مصداقية المصدر وجاذبيته، يجب أن يوجد في داخله وبصورة مدروسة، سعة الإطلاع العميقة والمنطلق الإبداعي لمضمون أهداف الرسالة، علاوة على الاهتمام بالجوانب البيئية والتربوية والاجتماعية وان يكون مرهف الحس اتجاه الآخرين واحتياجاتهم في المجتمع.

7- عملية النشاط الاتصالي نفسها وتنظيم هذه العملية ونتائجها الفعالة كأهم شرط لتكوين علاقات ثابتة وطيدة ومنسجمة ضمن المجتمع.

التواصل والعلاقات الاجتماعية

يعتبر التواصل مثل النشاط الاتصالي، شرطاً ضرورياً وشاملاً لتشكيل وتطوير المجتمع والفرد على حد سواء، فكل نشاط اتصالي يفترض دخول الإنسان في إطار علاقات اجتماعية محددة وأشكال مختلفة من التواصل، ويلاحظ أن التواصل له دور كبير في تكوين الفرد ولكن هذا التواصل لم يدرس بعد بصور كاملة من اجل بيان جميع المجالات التي يؤثر فيها، وقد تعرض موضوع التواصل للبحث والدراسة بنسبة اقل من غيره، كالمجال الاجتماعي والعملي للتواصل، وقد ركز أكثر الباحثين اهتماماتهم على دراسة العمليات الروحية للتبادل الإعلامي الذي يتحقق في التواصل، غير إن التواصل ليس مجرد عملية روحية فحسب، بل هو عملية مادية واجتماعية فعلية يجري فيها تبادل النشاط الاتصالي الذي يقوم على التجربة والقدرات والمؤهلات والإمكانيات والمواهب ونتيجة هذا النشاط من موضوعات في الثقافة الروحية التي يتراكم فيها عمل الأجيال الذي يمثل الوسيط لسائر أشكال التواصل سواء بالنسبة للأفراد الناضجين اجتماعياً، أم للجيل الناشئ.

وليست الوسائط الفعلية للتواصل نتائج للنشاط الاتصالي، الأفكار، الآراء والقيم فحسب بل والأشياء المادية من أدوات ومواد ووسائل العمل البشري والأغراض الماضية التي تعتبر حاملة للقيم الاجتماعية والتجربة البشرية.

إن الأفراد يصنعون بضعهم ويصنعون الآخرين ويخلقونهم في أثناء عملية التواصل جسدياً أو روحياً. لا يجري الحديث هنا عن "جوهر الإنسان الجسدي"، بل عن تكوينه كذات اجتماعية، فهو عملياً ذات فاعلة تمتلك مجموعة محددة من القدرات والمؤهلات والمتطلبات المتشكلة وفي هذا المجال يبرز التواصل كتبادل بين أساليب النشاط الاتصالي في سياق السلوك الإنساني.

لا يبتدئ الجانب الاجتماعي – العملي من التواصل في تكوين الذات الفردية فحسب بل والذات الاجتماعية أيضا، ففي التواصل يتحقق التعامل والتفاعل العقلاني والحسي والإرادي كما يحدث التأثر المتبادل بين الأفراد، كما تظهر مجموعة مشتركة من الأمزجة والآراء والنظريات ويتم بلوغ التفاهم المتبادل، ويتحقق نقل الأخلاق والعادات وأسلوب التصرف والسلوك وينشأ التماسك والتضامن الذي يحدد النشاط الاتصالي ، ويلعب التواصل دوراً غير قليل في تكوينها ونقلها.

ففي الأِشكال المختلفة للتواصل، يتبادل البشر نتائج معرفتهم وإدراكهم للمواقف المختلفة، ويستوعبون التجربة المكدسة عند الآخرين ويدركون المغزى الاجتماعي لعناصر نظام الإعلام وأهميتها ودلالتها.. كما يؤدي التواصل دوره الخاص في العملية الاجتماعية للمعرفة، سواء على المستوى العملي – النظري، ام على المستوى العملي – التجريبي، وفي هذا الصدد، لا تبرز الذات من خلال تواصل الفرد الواحد بل من خلال التواصل مع المجتمع.

غير إن الجانب المعرفي من التواصل، لا يقتصر على هذا الدور نظراً لأن الإنسان لا يدرك عن طريق التواصل إنساناً آخر فحسب، بل يحاول فهم ذاته أيضا، وخاصة عندما يتمكن الإنسان من أن ينظر إلى الإنسان الآخر تماماً كما ينظر إلى ذاته، حيث يبدأ الإنسان بالنظر إلى ذاته ثم إلى الإنسان الآخر. فضلا عن هذا، فإن الإنسان الآخر، كما يبدو في مجموع جسده، يمثل شكلاً لمظهر الجنس "الإنسان".

وهكذا فالنسبة لكل إنسان معين يعتبر الإنسان الآخر الذي هو أول من يدخل في حالة من التواصل معه حالة فردية محددة, هذا ويشكل التواصل احد العوامل الجوهرية للعملية الاجتماعية المعقدة لسلوكية الإنسان، كما يعتبر التواصل شرطاً هاماً للغاية، لتكوين الفرد ووعيه الذاتي، وحافزاً لتطوره، كما انه يشكل احد العناصر الغنية لعملية التحفيز.

ويترتب على عملية التواصل إحداث تأثير متبادل شامل بين البشر. الأمر الذي يدلك على أهمية التواصل ووظائفه للإنسان والمجتمع، وقد يتناول علم النفس العام وعلم النفس الاجتماعي دراسة موضوع التواصل بالتفصيل، بيد إن أهمية التواصل لا تشكل أساساً للمبالغة في دوره سواء في الحياة الاجتماعية وفي تطور الإنسان الفردي. إذ لا يجوز الموافقة على الأحكام التي يطرح منها النشاط الاتصالي من حيث هو شرط ومقدمة أساسية لتطوير الإنسان التاريخي الفردي بل تطوير التواصل في السياق الاجتماعي، وفي الدراسات الخاصة بالتواصل لا يؤخذ الجانب الاجتماعي – العملي للحياة المجتمعية بعين الاعتبار بصورة كافية، بل أن الاهتمام كله يتمركز على الجانب الروحي، الذي يفترض التواصل كمقدمة له لنشاط الأفراد المتنوع والجماعي وقبل كل شيء النشاط المادي – العملي الذي يحصلون من خلاله على وسيلة العيش، وتشكل نمط حياتهم وأفكارهم، فالنشاط الاتصالي والتواصل جانبان على صلة متبادلة، مستقلان نسبياً، إلا أنهما متعادلان بالنسبة لعملية الحياة الوحيدة (الفردية والمجتمعية).

وفي السنين الأخيرة ظهرت بحوث تدرس طبيعة التواصل وجوهره وأشكاله بصورة مكثفة، سواء من الناحية النظرية أو التطبيقية، وقد تكدست لدى الاختصاصين في العلوم النفسية والاجتماعية والتربوية مواد تجريبية غير قليلة لحل موضوع التواصل، وفي أثناء الدراسات والأبحاث ظهر أن التواصل عملية متعددة الجوانب وان دراسة هذه القضية بصورة متكاملة، تقضي الاهتمام بجوانبها المختلفة من اجل دراستها بصورة منهجية على المستوى النظري والعملي لبيان الصلة بين العلاقات الاجتماعية والتواصل الاجتماعي، وبخاصة دور التواصل في تطوير النظام الاجتماعي، وبيان أشكال التواصل، وإبراز الخطوط الجديدة له، والصلات المتبادلة بين العلوم المختلفة التي تدرس هذه الظاهرة للحصول على المزيد من الحقائق العلمية حولها.

ويبدو أن وعي الإنسان يمثل أهم علامة مميزة تبرز الصلات الاجتماعية، وهذا يعني ضرورة الكشف عن ماهية الإنسان والاهتمام بجانبيه: الموضوعي والذاتي. ففي الحالة الأولى، تكمن المهمة في الكشف عن نظام صلات الفرد الموضوعية مع ظروف حياته ونشاطه، لأجل هذا، من الضروري تحديد مركزه الاجتماعي ودوره في المجتمع. وفي الحالة الثانية يجب بيان العلاقات الذاتية مع ظروف النشاط الاتصالي وشروطه وصلاته وأشكاله.

يظهر في العلاقة الذاتية مدى تطابق سمات الفرد الشخصية مع المكان الذي يشغله في المجتمع ووضعه الاجتماعي والأدوار الاجتماعية المنفذة. وكذلك حدود قناعات الإنسان بهذه الأوضاع والأحكام. فالجانب الاجتماعي – السيكولوجي – من العلاقات يجري التعبير عنه في البواعث والمشاعر والأحاسيس والأمزجة والتقديرات، وتفهم مختلف ظواهر الحياة من قبل أفراد المجتمع. وان النظرة الذاتية إلى المكان الذي يشغله الفرد والدور الذي يؤديه، الذي يؤثر تأثيراً جوهراُ في طبيعة التنفيذ، ومستوى تحقيق الخطط الشخصية في النشاط الاتصالي، وأشكال التعامل مع البشر الآخرين، وهي تتمثل في نتائج النشاط الاتصالي الفردي والجماعي إلا انه لا يستوعب العلاقات الاجتماعية.

غير إن الاختصاص في علم النفس، الذي يتناول تحليل نظرة الفرد إلى الذات والموضوع محق في تركيزه على الاهتمام بالجانب الذاتي، آخذا العلاقات الداخلية على اختلاف مظاهرها في سياق هذا المنطلق. حيث من الممكن وفي حدود معينة، الحديث عن مجالات العلاقات الاجتماعية الموضوعية، والتي يظهر فيها، الصلات الضرورية وعلاقات الإنسان التي تحدد مكانة الإنسان ودوره في المجتمع، حيث لا يقدم علم الاجتماع على مثل هذا المنطق، نظراً لأن هدف تحليله هو النظام الاجتماعي ككل. وهذا المنطق غير كاف أيضا بالنسبة لعلم النفس، لأنه من الصعوبة إبراز المحتوى الاجتماعي للتواصل ومنشئه بالانفصال عن نموذج العلاقات الاجتماعية، وفي مثل هذه الحالة تبدو ظاهرة التواصل مستقلة عن سريان مفعول قوانين النظام الاجتماعي، وأما دراستها فتكتسب طابعاً مجرداً خارجا عن نطاق الزمن.

لأن النماذج المحددة للعلاقات الاجتماعية والاقتصادية، والسياسية و الحقوقية والأخلاقية، تظهر خارج نطاق البحث العلمي، وهي بالذات تقوم على تحديد الأشكال المختلفة لتواصل البشر في المجتمع. "ويمكن للنواحي السوسيولوجية والاجتماعية – السيكولوجية والتربوية لدراسة تكوين الفرد ونظام تحديد وعيه وسلوكه. ودور التواصل، أن تكون مقتصرة على دراسة الآليات الشكلية لهذه العملية لا أكثر ". وانه من الضروري تحليل المحتوى الاجتماعي، وتوجه التواصل، الذي يحدد تأثير نظام العلاقات في المجتمع والتي تحدد مضمون الإعلام، وقيم الناس، وأفكارها وآرائها ومصالحها. وتقوم مهمة التربية الإسلامية على غرس الثقافة العالية للتواصل وتكوينها حسب تعاليم الشريعة الإسلامية المتعلقة بالعلاقات الاجتماعية – الإنسانية الجماعية والفردية. ما هي العلاقة بين مفهوم العلاقات الاجتماعية والتواصل وحجمها ومضمونهما؟ العلاقات الاجتماعية والتواصل ليسا هما جوهرين متضادين، ومن المستبعد إمكانية تحديد مكان التواصل في النظام الاجتماعي، عن طريق فرزه في عدد خاص من العلاقات السيكولوجية. "والتواصل حقيقة واقعة ملحوظة ومحسوسة، وهو عبارة عن تحديد للعلاقات الاجتماعية وشكلها الشخصي، فالمجتمع غير قائم كشخصية مستقلة الى جانب او خارج نطاق الأفراد الذين يتشكل منهم لأن العلاقات الاجتماعية غير قائمة خارج نطاق نشاط الإنسان الفعلي وتواصلهم. وان نظرة الأفراد الفردية الشخصية بالذات والعلاقة المتبادلة فيما بينهم، قد أوجدت العلاقات القائمة".

ويكمن انفراد الشكل الاجتماعي – السيكولوجي للعلاقات الاجتماعية، في أن هذا الشكل يظهر، من حيث أساسه الداخلي، من نظرة علاقات الأفراد الذاتية إلى الظواهر اللااجتماعية الموضوعية للنشاط الاتصالي وظروفه و صلاته وأشكاله، وفي جميع الأحوال يترافق التواصل مع مختلف أنواع النشاط الاجتماعي. ففيه تبرز الصلات الاجتماعية بين البشر، التي تبدو كشكل منفرد وضروري، لمظهر مفعول القوانين والعلاقات الاجتماعية الموضوعية، وبقدر ما تظهر قوانين التطور الاجتماعي، في نشاط الأفراد المحدد، فان العلاقات الاجتماعية الموضوعية تترافق على الدوام بالعلاقة العقلانية، والشعورية الحسية للبشر، وتشكل العلاقات الاجتماعية في هذا الصدد، محتوى العملية، وأما التواصل فهو أشكالها التي اتخذت سمات فردية.

إن أشكال مظهر التواصل السيكولوجي وما فيه من تناقضات في تصرفات الناس يشير إلى وجود صعوبة في عملية التواصل، فحالة المصادفة المتولدة عن الضرورة، وحالة الفردية المتولدة عن العام تشكل عملية فرز تقوم على الأساس الموضوعي والعلاقات الاجتماعية وهذا بحد ذاته يشكل صعوبة معرفية".

الصلات الموضوعية بين البشر هي الأساس المحدد في عملية النشاط الاتصالي الإنساني، والتي تنمو على أساس مجموعة السمات الذاتية للتواصل، وهذه الأخيرة تؤثر بدورها تأثيرا عكسياً على الشروط الموضوعية وتبديلها بواسطة النشاط الاتصالي الإنساني، محققة في هذه التبدلات احتياطات البشر الحقيقية ومتطلباتهم ومصالحهم وأهدافهم. وان مذهب العلاقات البشرية المنتشر في أنحاء المعمورة يدل من حيث الجوهر على أن العلاقات الاجتماعية المادية والأيديولوجية، تنحصر بالإتصالات السيكولوجية والفردية وبهذه الصورة يمكن تفسير حركة النظام الاجتماعي، وعلى هذا الأساس يتركز مجموع الاهتمام بالنسبة لشرح التواصل نفسه على تحليل الآلية السيكولوجية دون الارتباط بالمضمون الاجتماعي الفعلي، وتوجيه التواصل.

"ويتطلب المطلق العلمي، لدراسة التواصل أثناء شرح المضمون الاجتماعي، النشوء والأصل بالنسبة لنظام النشاط الاجتماعي، وخاصة لنموذج العلاقات الاجتماعية التي تمنع التواصل واتجاهه وفي الحالة المعاكسة تسقط ظاهرة التواصل من نظام الصلات والعلاقات الاجتماعية. ويجري تجاهل الفرد بين الأنظمة الاجتماعية المتضادة، وعند ذاك تتخذ دراسة التواصل وخاصيتها المضمون والدينامية المتعلقة بمختلف أنواع النشاط، التربوي والعملي والاجتماعي – السياسي والثقافي والاتصالي، كما أن القواعد والأصول والقيم التي تنظم هذه العملية لا تدخل ضمن الحساب وان مثل هذا الموقف لا يتيح المجال لتحديد عمليات التواصل، وإبراز الخاصية الاجتماعية لعمليات التواصل في مختلف أنظمة العلاقات الاجتماعية.

فالعلاقات الاجتماعية هي علاقات بين العناصر البنيوية لصفة المجتمع كله، حيث تتخذ العلاقات الاجتماعية طابعاً لا يتسم بالسمات الشخصية، نظراً لبيان الصلات الاجتماعية الجوهرية بين مجالات نشاط البشر الحيوية والمجموعات البشرية.

وفي هذا المجال، لا تتعلق النظم أي (سنن الكون الطبيعية) بأفراد معينين، يعيشون معاً وفي حالة من التواصل. هذا, وتبدو موضوعية العلاقات الاجتماعية واضحة، خاصة في مجال تقسيم الوظائف (العمل): فالطبيب والمهندس والمربي وعضو هيئة التدريس في الجامعة والسائق والحداد وعامل النظافة يحتاجون "إلى تبادل الأنشطة" ونتاجها بغض النظر عن الشخصية المحددة التي تظهر في الأدوار المخصصة. غير إن سمة منتجات الوظائف ونتائجها ليست متماثلة بالنسبة لكل شخص، حيث تبرز فيها بلا شك، الخصائص الفردية للعاملين، ونظرتهم إلى هذه الوظائف واتجاهاتهم أو مواقفهم من القضية المطروحة.

يتسم كل نظام اجتماعي بتركيبه الاجتماعي – الوظيفي الناشئ عن النظام القائم لتقسيم النشاط الاتصالي وطبيعة الجماعات الاجتماعية، ويتعلق هذا التركيب بأنواع نشاط البشر الاتصالي ووظائفهم الاجتماعية وأساليب تصرفاتهم الضرورية، وذات النموذج المحدد من مكانهم في نظام العلاقات الاجتماعية، وفي الوقت نفسه يقدم هذا التركيب نفسه للناس أسلوبا معيناً من النشاط الاتصالي والسلوك والعلاقات.

ويمكننا القول: "إن الإنسان يقوم باستيعاب التجربة الاجتماعية وتحقيق ماهيته الخاصة عن طريق أداء هذا الدور الاجتماعي أو ذاك في عملية النشاط الاتصالي، فهو فقط من خلال أدائه للدور، يندمج في نظام العلاقات الاجتماعية ويبرز بصفته حاملاً لهذه العلاقات ومبدعها وبصفته بؤرة لهذا التشابك في العلاقات الاجتماعية". غير أن علينا – لدى استخدامنا مفهوم التركيب الاجتماعي الوظيفي لتحديد نظام الأنواع المختلفة للنشاط الاتصالي – والتي تعبر عن مختلف اتجاهات تطور المجتمع – بغية إظهار المحتوى الموضوعي لمختلف أساليب السلوك الإنساني، وبحكم إدراكنا أن هذا المفهوم لا يمتلك النسبة الضرورية من الدقة، علينا لدى استخدام هذا المفهوم أن نلاحظ ما يلي:

أولا : دراسة محتواه مع الأخذ بالحسبان التركيب الاجتماعي للمجتمع.

ثانيا: الانطلاق من أن أداء فرد معين لدوره الاجتماعي، هو تمثيل الفرد، في نظام أنواع النشاط الاجتماعي والعلاقات الاجتماعية.

يجوز تفهم هذا التمثيل كتصرف غريب كشيء ما خارجي مطلق بالنسبة للفرد ولفرديته وتطوره. فالإنسان في أي ظروف اجتماعية، يؤدي فقط أدواراً محددة، لا تبرز أثناءها الخصائص الفعلية لشخصيته، لأنها قد تكون مفروضة عليه من الخارج، حيث يبدو فيها الفرد على المسرح الاجتماعي كشخصية لا تمتلك حرية الاختيار والاستقلالية وحرية القرار والعمل. وهذا ما تؤكده الدراسات السسيولوجية عند الكثير من الباحثين في موضوع الفرد وعلاقاته الاجتماعية. وبالطبع فان الإنسان ينجز من خلال دوره في المجتمع وظائف اجتماعية مختلفة، فمشاركة الفرد الذاتية في النشاط الاتصالي الضروري للمجتمع وإدراجه في التركيب الوظيفي للمجتمع يدخله في الوقت نفسه، ضمن تلك الشبكة من العلاقات الاجتماعية، والتي تحدد تطوره الاجتماعي، وتصبغ توجهه الاجتماعي وقيمه وسلوكه ووعيه.

وبالطبع فان هناك تناقضات بين متطلبات البنيان الوظيفي، وبين قدرات الأشخاص ومعطياتهم السيكولوجية ويشكل هذا التناقض احد مصادر تطور الفرد وتغيير متطلبات المجتمع الوظيفية.

ومن الجدير بالذكر أن التركيب الوظيفي للمجتمع، ليس شيئاً ثابتاً لا يتغير لأنه تعبير عن نظام العلاقات الاجتماعية والتركيب الاجتماعي للمجتمع، وان هذا التركيب القائم في حالة من التغيير والتطوير المستمر والذي يبرز مصدره، وقبل كل شيء التناقضات التي يتسم بها أسلوب حياة الناس، فالأجيال الجديدة تعمل بصورة إبداعية خلاقة من اجل تحسين تركيب المجتمع في سياق الظروف المتغيرة للحياة الاجتماعية، وذلك انطلاقاً من المتطلبات الاجتماعية والفردية، لهذا فإن انسجام كل فرد مع النشاط الاتصالي لتكوين ماهية اجتماعية هي مسألة ضرورية من اجل استيعاب العلاقات الاجتماعية في أثناء عملية التشكيل الاجتماعي نفسها.

وهذا ما يفسر طبيعة العلاقات بين الفرد والمجتمع بصورة موضوعية ويبرز عملية التكوين الاجتماعي للإنسان وتكامله في النظام الاجتماعي القائم، كل ذلك بهدف إحداث التربية الاجتماعية المتلائمة مع القواعد المرعية في الواقع.

وهذا ويشمل التركيب الاجتماعي، سائر مجالات نشاطات البشر العلمية، والاجتماعية والسياسية والأسرية اليومية والتربية والتعليم المهني وغير المهني ومجال أوقات الفراغ والاتصالات الشخصية المتنوعة، خارج نطاق التواصل وما إلى ذلك.

وتتلاءم هذه الأنشطة مع أنواع النشاط الاتصالي وكذلك مع أساليب السلوكيات التي تتطلبها العلاقات الاجتماعية. يلعب الأفراد المبادرون للنشاط الاتصالي وكذلك الحافزون على التواصل وخاصة المتمتعين بالسحر والفتنة والجاذبية، دوراً مميزاً في الاختلاط والعشرة والتواصل، ويلاحظ أن البشر يتعلقون بمثل هؤلاء الناس دون سبب وجيه.

وهناك تناقضات بين متطلبات البنيان الوظيفي وبين قدرات الأشخاص الذي يؤدون الوظائف الاجتماعية. ويمتلك التواصل استقلالية نسبية نظراً لأنه يقوم على علاقات اجتماعية وسيكولوجية يحددها الفرد.

لهذا فإن العلاقات الاجتماعية في التواصل تتوقف على شخصية الفرد، وتجربته الاجتماعية وسماته الذاتية، ويتعلق أداء الأفراد لأدوارهم الاجتماعية بمستوى إدراكهم لمهامهم الاجتماعية ولمكانهم ودورهم في حلها وبالنظرة الشخصية إليهم وبالظرف المحدد، وباختصار، "بمجموع الظروف الموضوعية والذاتية".

تتكون كل مجموعة بشرية من أفراد يفهمون مصالحها بنسب متفاوتة، ويظهر هذا المستوى من إدراك القيم والأهداف والمهام والمثل، من جانب الإنسان والمجموعة على حد سواء، في التواصل الفعلي والاختلاط، وتنشط الحدود المختلفة للفرد وتتطور في أشكال مختلفة علماً أن كلا منها يمكنه أن يملك أهمية مختلفة بالنسبة للمجتمع البشري.

هناك رأي قائم في بعض المؤسسات حول الإنسان في أثناء العمل، بحيث يجب أن يظهر ذاته فقط بصفته مؤدياً لوظيفة محددة، وان يسعى فقط للاختلاط الرسمي العملي، وأما التواصل الشخصي فيجب عليه أن يتطور فقط في المجال غير الشكلي في المجموعات غير الكبيرة بين أصدقاء يحبون بعضهم، وعلى الأغلب في مجال أوقات الفراغ الذي يعتبر المجال الأساسي لنمو الإنسان الإبداعي. وبالرغم من كل التمايز في أشكال التواصل والاختلاط في العمل، ومجال أوقات الفراغ فإن كلا من هذه الأشكال يتضمن في داخله:

1- مجموعة من القيم والمثل والنماذج للعلاقات.

2- قيام التواصل على العلاقات الشخصية في الحالتين على حد سواء، كعلاقة شخصية رغماً عن أن الصداقة والحب هي الأشكال الأكثر فردية وعمقاً في التواصل البشري.

3- عدم اعتبار وقت الفراغ عنصراً مهما لتطور الفرد والمجتمع.

فهناك أشكال محتملة للتواصل بين الأفراد، في ضوء حالاتهم الفردية وظروفهم الاجتماعية، وحيث يكون المضمون فيها مشروطاً بعلاقات ووظائف عملية محددة, وأما الاتصال والتفاعل والتعامل المتبادل والتفاهم المتبادل فلا يمر مرور الكرام بالنسبة للفرد، فهو يتطلب ثقافة محددة وقدرة على القبول بوضعية إنسان آخر وبناء سلوكيته طبقاً لهذا القبول.

يعتبر التواصل في عملية الأنواع المختلفة للنشاط الاتصالي، وقبل كل شيء في مجال العمل هو الأكثر جوهرية بالنسبة لتنمية الإنسان، ففي هذه الحالات يكون التواصل قد تحدد مسبقاً بالصلات الوظيفية بين الأفراد، ويتضمن هذا التواصل السمات الشخصية الجوهرية – القدرات والإمكانيات والمعارف والمؤهلات والمواهب والحوافز والدوافع والتوجهات التقييمية والمبادئ وغيرها من السمات الضرورية لتحقيق هذا النوع من النشاط، غير إن التواصل العملي، يمكن أن يتضمن سمات الأفراد بنسب مختلفة، فقد يكون الفرد مخلصاً، وصادقاً في شعوره أو لا مبال من حيث عواطفه الشخصية أو في سلوكياته مع الآخرين.

وقد يشكل التواصل حالة من الانسجام قد تغني الناس روحياً، خاصة إذا كانوا يعيشون اجتماعياً في نظام اجتماعي يتميز بالمساواة، وتكافؤ الفرص في الحياة، ومتطلبات تطور الإنسان كالثقافة والتربية والتعليم وإبعاد النشاط الاتصالي ومضامينه المختلفة.

وترمي عملية الإشراف التي تعني بتكوين الفرد في داخل نظام العلاقات الاجتماعية إلى تربيته بحيث يتمثل الفرد صفات اجتماعية لتوجيه النشاط الاجتماعي، وامتلاك سلوكيات إبداعية لمواجهة القضايا التي يتعرض إليها الإنسان في المجتمع.

ومن الجدير أن تعنى عملية التربية للفرد بخصائص أخرى مثل تشكيل الروح الجماعية والإنسانية والمبادأة في السلوك والاهتمام بالتفاعل الإنساني لتكوين المزيد من التواصل البشري وتشكيل علاقات جديدة وقيم اجتماعية لازمة لحياة المجتمع.

ذلك لأن المبادئ الفعالة في النظام الاجتماعي والقيم الإنسانية لا تتولد تلقائياً، ولا تكتسب باكتساب المعرفة، ولكنها تتشكل من التفاعل الاجتماعي والتواصل الإنساني.

ومن الملاحظ أن التفاعل البشري، لا يتكون على أسس واقعية بل ينبغي أن يقوم على أسس من التفاهم والاحترام المتبادل المدعم بقيم الحب والحنان والشفقة والتعاطف والإحساس مع الآخرين، ومساعدتهم وتشجيعهم والوقوف بجانبهم في الحالات العصيبة ومشاركتهم أفراحهم وأتراحهم.

غير إن هذا كله يجب أن لا يحل محل المبدئية في العلاقات بين الناس، ففي وحدة هذين الجانبين يمكن تحقيق المبدأ الإنساني الرفيع لاحترام الإنسان للإنسان، وفي جو التسامح واستبدال العلاقات الإنسانية بنزعة التعاطف والتنافر يتنامى التكامل والتضامن والتشجيع الصامت أو النظرة الدمثة إلى الأفعال اللااخلاقية، وفي مثل هذه الحالات تعتبر العلاقات الشخصية غير الشكلية أو غير الرسمية وسيلة قوية للغاية لدعم الرواسب وإعادة بناء الأشكال الغريبة من السلوكيات مع تجاوز المبادئ الأخلاقية وفي حالات غير قليلة القواعد والأصول السائدة في المجتمع.

يتحقق تثبيت المبادئ والمثل المحددة في الاتصال الإنساني لا لأجل المبادئ نفسها وإلا لأدى هذا إلى الشكلية والى ذلك التزمت اللااخلاقي نفسه الذي لا يغني النفس البشرية بل يجففها.

هذا ويتحقق السلوك والاتصال المحددان بمبادئ الأخلاق والتفكير والقيم السائدة في المجتمع واللذان يملكان قدراً عالياً من النزعة الإنسانية، لصالح تنمية كل فرد وللكشف عن إمكانياته وقدراته وتحفيز وتكوين قواه الإبداعية الشاملة.

وهكذا يتحدد المضمون الاجتماعي للنشاط الاتصالي الإنساني بالتوجه الاجتماعي للنشاط والصلات المادية الوظيفية والتوجهات القيمة للأفراد والمجتمع وبمستوى وطبيعة التنظيم والقواعد التي تنظم العلاقات، مع الأخذ بعين الاعتبار محتوى وطبيعة الإعلام الوظيفي بين الأفراد والجماعات والمجتمع ككل.

ويمكن تلمس أهمية النشاط الاتصالي الإنساني في علاقاته بالظواهر الأخرى وخصوصاً الإنسانية منها كظاهرة العلاقات الاجتماعية والاقتصادية والقانونية والإدارية والتاريخية وغيرها.

وتسلمنا هذه النتيجة إلى تساؤل هام في مجال هذا البحث الذي يتناول نتاج ظاهرة النشاط الاتصالي الإنساني في وجوده وعلاقاته بنسق إنساني آخر وهو العلاقات الاجتماعية.

ويتلخص هذا التساؤل في:

أي المناهج تصلح لدراسة ظاهرة النشاط الاتصالي في هذا المجال؟

وفي محاولة للإجابة على هذا التساؤل يمكن القول: إن الخلط بين مفهومي النشاط الاتصالي الإنساني والعلاقات الاجتماعية نتج في معظم الدراسات من الخلط بين المنهج ومداخله وأدواته، ولذا وجب التنويه عن ذلك.

فكلمة منهج تعني أسلوبا أو طريقة: فالمنهج العلمي يعني أن نتعامل مع الظواهر المختلفة كما هي كفي الواقع، بهدف تحليلها وكشف قوانين وجودها وحركتها.

أما المداخل فهي لا تهدف إلى اكتشاف الظواهر أو تحديدها وإنما تفسر الظاهرة تفسيراً جزئياً فقط بواسطة النظر للظاهرة من زاوية معينة مثل محاولة تفسير الظاهرة الاتصالية الإنسانية من زاوية اقتصادية أو اجتماعية أو نفسية أو جغرافية... الخ وهي غالباً ما تكون منحازة في تفسيرها، فالاقتصاديون ينحازون للعامل الاقتصادي ويعتقدون انه أهم العوامل التي تؤثر في ظاهرة النشاط الاتصالي الإنساني... وهكذا.

أما عن أدوات البحث فهي التي تستخدم أثناء جمع المعلومات وتحليلها والتعامل معها للتوصل إلى نتائج نهائية وهذه الأدوات قد تكون مخبريه أو إحصائية أو تقنية وبذلك لا يصح أن نقول أن هناك منهجاً إحصائيا أو رياضياً، لأنها تظل أدوات هامة ليس إلا، وللمنهج العلمي ركيزتان هما:

1- الملاحظة العلمية التي تستند للعقل وقدرته على متابعة الوقائع والأحداث المختلفة وتسجيلها ثم تحليلها لاستخراج النتائج الأولية منها (الفرضيات الأساسية).

2- التجربة العلمية وهي التي تتعدى مرحلة ملاحظة الظاهرة وذلك بالتدخل فيها وإخضاعها لبعض التجارب للتوصل لنتائج يقينية.

إن الظواهر الإنسانية تختلف ولا شك عن الظواهر الطبيعية، فليست العلاقة بينها علاقة آلية، إنما هي علاقة ديناميكية ولذلك يقول "آشبي Ashby" : إن الطريق إلى دراسة النظام الاجتماعي لا يتم بالتحليل، لأن عملية التحليل لا تعطينا سوى عدد هائل من الأجزاء المنفصلة أو العناصر المتفرقة التي لا يستطيع احد أن يتنبأ بنتائج تفاعلاتها، وإذا عملنا على تجزئة هذا النظام فإننا لا نستطيع جمع شمله ثانية.

ولذا يجب أن تكون هناك نظرة شاملة لهذه الظواهر، فإذا كانت النظرة الشاملة ضرورة للدراسات العلمية، فنحن أحوج ما نكون إليها في الدراسات الإنسانية، وفي ذلك الوقت لا يمكن إنكار قيمة التحليل (أو المنهج العلمي) في هذه الدراسات فهي السبيل لتبسيط الظاهرة وفهمها، ولكننا نحتاج بالإضافة إلى الأسلوب التحليلي إلى إطار نرد إليه العناصر التي حللناها وإلا فقد هذه العناصر دلالاتها.

ويقول "وتني f.Whitney" (13) إن الاتجاه الفلسفي – الذي يرد الجزء إلى كل عام ضروري للدراسات العلمية والإنسانية على السواء حيث تبدو أهميته في خطوتين رئيسيتين إحداهما عند تحديد الأهداف الرئيسية للبحث والأخرى عند الوصول إلى مرحلة التعميم، حيث يرى هذا المنهج أن التعميمات كلما كانت ابعد غوراً وأكثر شمولاً كانت أكثر دلالة وأعظم فائدة، إذن فالمنهج العلمي والفلسفي لا ينفصلان لأن الحقائق العلمية يمكن أن تتخذ أساسا لنظريات فلسفية، والنظريات الفلسفية يمكن أن تخضع بالتالي للبحث العلمي، ولذلك فمن الضروري النظر إلى الظواهر الإنسانية بنظرة متكاملة في محاولة لفهمها في مجاليها الاجتماعي والثقافي".

إن ما أبرزته هذه الدراسة على جانب كبير من الأهمية في رأينا حيث:

أن عملية النشاط الاتصالي الإنساني لا تتم بمعزل عن تأثيرات النظام الاجتماعي الذي نعيش داخله، وعملية الاتصال الإنساني تتأثر بما نتعلمه من المجتمع. كما إننا نتأثر كذلك بما سيحدث في اللحظة التي نتعامل فيها بالعلاقات الاجتماعية.

لذلك فإن أي رسالة نتلقاها جراء علاقاتنا الاجتماعية قد تكون لها نتائج مختلفة اعتماداً على خبراتنا السابقة عن الموضوع وكذلك تأثيرات الظروف الاجتماعية المحيطة.

وقد أبرزت دراسات عديدة إن اعتماد الفرد المكثف على المعلومات من خلال عملية الاتصال سمة تميز المجتمعات لفهم العالم الاجتماعي المحيط والقيام بالسلوك الاجتماعي بشكل ذي معنى بالإضافة إلى الهروب من مشاكل وتوترات الحياة اليومية، وكلما زادت الحاجة إلى العلاقات الاجتماعية زاد بالتالي الاعتماد على عملية النشاط الاتصالي، حيث أن احتمال زيادة تغير المعلومات من معارف الفرد ومشاعره وسلوكه. وحيث أن المجتمع في طريقه إلى النمو بشكل كبير وتكنولوجيا الاتصال تتطور، فإن وسائل الإعلام، بما فيها عملية الاتصال الإنساني، تقوم بدور هام في وظيفة نقل المعلومات، وكلما زادت عملية العلاقات الاجتماعية، هذا يعني اعتماد الأفراد على عملية النشاط الاتصالي الإنساني ووسائل الاتصال الأخرى لنقل المعلومات للفرد مما يؤدي إلى ازدياد درجة التغير أو الصراع في المجتمع نحو الأفضل.

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر:الركن الأخضر