البعد الاعلامي للعلاقات الدولية

 

 

مروة كريدية

 

 

الاستعمار الرقمي

لعل الحديث عن الواقع الإعلامي العالمي في ظل العلاقات الدولية الحالية، أو الحديث عن البعد الإعلامي للعلاقات الدولية السائدة حاليا حديث شائك ومعقد.

والسبب يكمن في ما جاءت به الثورة التكنولوجية للإعلام، وما رافقها من تحولات على الصعيد  المؤسساتي المصاحب لها، والذي طرح معها عقيدة نهاية القرن الماضي  وقرن واحد وعشرين مطلع الألفية الثالثة ، وهي المجتمع الإعلامي الكوكبي ومجتمع الاتصال المعرفي.

لقد ارتبط هذا القرن  أساسا بالتحولات التقنية الكبرى، التي كرست  قيم السوق والليبرالية والخصخصة وغيرها، وأدَّت الى تشكيل ما اصطُلح على تسميته بنهاية التاريخ ونهاية الجغرافيا، بانتصار الليبرالية والرأسمالية على قيم اعتبرت في تبعاتها وامتداداتها، تكريسًا للشمولية والديكتاتورية والفكر الكلياني.

إن  الخاصية الرقمية "المستوردة " المتسمة بالغموض، هي التي تجعل فعل الهجوم والاختلال التقني غير مرئي، كما تربك نظام الأشياء وتضع الفرد امام واقع افتراضي في عالم الصور.

وبناء عليه فإن مبدأ اللاتحدد امتد من الوسط الكوانتي إلى الاستراتيجية الإعلامية و المعلوماتية الشبه مستقلة تماما عن شروط الجيوفيزيائي الذي تمارس فيه تأثيرها على الأقل.

فبواسطة هذا العمل يمهد لهاته التفاعلية التي تمتد على الأرض، التي تجعل الحرب المعلوماتية تهيئ إلى الحرب الأولى للزمن العالمي أي الزمن الواقعي للتبادل بين الشبكات المترابطة.

ومن ثم فإن من السهولة بمكان أن نجد العولمة الراهنة للسوق تتضمن على الأقل ثلاثة أبعاد أساسية: جيوفيزيائية، تقنوعلمية وإيديولوجية.

ومن هنا يأتي التقرب بين إرادة الولايات المتحدة الأمريكية لتعميم التبادل الحر الشمولي في أفق 2010-2020 ، وتهييء الحرب الإعلامية، بيد أن من المستحيل التمييز بشكل واضح بين الحرب الاقتصادية والمعلوماتية عندما يتعلق الأمر بأنواع الهيمنة والتلهف على الاستغلال السريع خصوصا من تفعيل التبادلات التجارية والعسكرية.

ربمامن خلال هذا الإطاريمكن فهم الجهود الحثيثة المتتالية لمنظمة التجارة العالمية، وهو الشيء نفسه الذي تقوم به AMI: الاتفاق المتعدد حول الاستثمار، كذلك وMTM السوق الجديدة للتبادل الأطلسي.

ومن ثم فإننا نستطيع أن نفهم طابع الاختلال واللاتوازن النسقي الذي يصيب اقتصاد السوق، وبالتالي لا يمكن أن ننقد  النسق المتعلق بالمعلوماتية الاستراتيجية.

لعله من المقاربات الجادة والموضوعية لمفهوم العولمة ببعدها الاقتصادي وهي المقاربة التي اعتمدها الباحث ريكاردو بتريلا، إذ يقاربه بارتباط مع مفهومين آخرين، قريبين منه، سابقين له: مفهومي التدويل وتعدد الجنسية.

ويحدد مفهوم تعدد الجنسية في كونه "الظاهرة التي نرى فيها الفاعلين الاقتصاديين يوسعون قدراتهم الإنتاجية لوحدات وطنية أخرى".

و يحدد ريكاردو بتريلا التدويل في كونه "مجموعة المسلسلات التي تربط الاقتصاديات الوطنية بعضها ببعض، وهذه المجموعة تحيل إلى مجموعة التيارات التي تربط الوحدات الوطنية المختلفة".

بينما يرى في العولمة مفهوما أكثر حداثة باعتباره "مجموعة العوامل التي تجعل من عدد كبير من السلع والخدمات تصمم وتتطور وتنتج وتوزع وتستهلك وتصلح وتقيم على مستوى عالمي بدون أن يكون للدول التي تدور هذه العمليات في فضائها قيمة في حد ذاتها.

بعبارة أخرى، فالإطار والمرجعيات الوطنية بدأت تفقد تدريجيا من مركزها وقوتها في المستقبل؛ ومعنى هذا أن العولمة هي نتاج منظمات تعولمت هياكلها بفضل استخدام تكنولوجيا الإعلام والاتصال والمواصلات".

أما رونيه فاليه فيقول إن العولمة "هي مسلسل تكثيف تيارات الأفراد والسلع والخدمات والرساميل، وبموازاة مع ذلك اتساع هذه التيارات إلى كل الكرة الأرضية".

هذا هو الإطار العام الذي  يمكن ان ننطلق منه لقراءة الواقع الإعلامي والاتصالي العالمي، حركية تكنولوجية عميقة ؛ وإعادة نظر جذرية في الهياكل والمؤسسات التي انبنت بفضلها هذه الشبكات؛ ثم صعود خطاب العولمة والمجتمع الإعلامي الكوكبي كمأسسة نظرية لواقع العلاقات الاقتصادية والتكنولوجية الدولية الراهنة والمستقبلية.

كل تلك  المعطيات هي التي ستتحكم على الأمدين القصير والمتوسط وبقوة في  العلاقات الدولية  فيما بين دول الشمال ودول الجنوب من جهة، وبين دول الشمال فيما بينها من جهة اخرى .

إنّ والثورة التكنولوجية والعولمة الاقتصادية والتحولات المؤسساتية تؤرخ وترسم سوق إعلامي واتصالي عالمي ضخم، يضم كافة وسائل الاتصال والمعلومات مع سيطرة نسبة الخدمات في كل من هذه القطاعات الثلاثة مقارنة بالتجهيزات، وهوالأمر الذي منح  السيطرة المطلقة للدول الصناعية الكبرى على سوق الإعلام والاتصال الدولي: فالولايات المتحدة وأوروبا واليابان تسيطر سيطرة لا مجال للتشكيك فيها على هذا السوق تناهز الـ 85 إلى 90%  ناهيك عن تفوقها المطلق في ميدان المعلومات والبرامج الفضائية وغيرها ،ويساهم في الوقت نفسه إلى تمركز السوق بين يدي أقطابها مما يدفع إلى تزايد هائل للتحالفات الاستراتيجية بين الأقطاب الكبرى التي تكرّس السيطرة وتعمّقها

هذه المخاطرة الشاملة هي رهان للتفوق الاستراتيجي "لنظم التسلح المستقبلية في حرب المعلوميات" info war.

هذه الحرب الإلكترونية الاقتصادية التي باتت الولايات المتحدة تعلن عنها في العالم. كما أنها تشكل كارثة من خلال البرمجيات المقرصنة التي تفجر القنابل المعلوماتية من جهة كما تعتبر المهدد للاستقلال السياسي للدول، وباعتباره الشكل النهائي للاحتكار، فإن العالم السبرنيطقي (Le cyber monde)، ليس إلا الشكل الأكثر توسعا لتجسيد الهيمنة السبرينطيقية.

وربما الضحايا الجدد سيكونون من الذين لم يعوا بعد فلسفة هذا النظام المتشكل والغير مستقر أو الذين لا يملكون القدرة على رفع تحديات الوضع الجديد.

إن طبيعة اللاتوازن الإعلامي التي ميزت العلاقات الدولية لزمن طويل في الماضي لم تتغير، ووعيا بأن ما كان -إلى عهد قريب- يقدم على أساس كونه مسًّا بثقافات دول الجنوب وحضاراتها، لم يزدها اليوم إلا حدة ولربما توظيفا.

كما أن هذه  الرهانات والتحديات ضخمة، لا من وجهة النظر الصناعية والجيو-سياسية والاستراتيجية فحسب ولكن أيضا في تبعاتها الثقافية والحضارية.

*كاتبة لبنانية

و كل ذلك بحسب رأي الكاتبة في المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر:المثقف السياسي-26-6-2007