الإعلام العربي... الدور ومعيار الاستقلالية

 

خليل علي حيدر

 

 

عايش العرب منذ أقدم العصور نماذج من "المؤثرات الإعلامية" ربما كان أبرزها شاعر القبيلة مثلاً، ذلك أن الشعراء، كما يقول المؤرخ جرجي زيدان، "كانوا حماة الأعراض وحفظة الآثار ونقلة الأخبار"، (التمدن الإسلامي، ج3، ص30).

قدم الباحث المصري المعروف د. محمد السيد سعيد دراسة قيمة عن "الاتجاهات والقوى الجديدة في فضاء الإعلام العربي"، وقد نشر البحث مع مجموعة من الأوراق الشيقة بعنوان "الإعلام العربي في عصر المعلومات" تحت إشراف مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية (أبوظبي- 2006).

تأثير الشعر فينا لا يزال قوياً، والعديد من الأدوار التي لعبها الشعراء في الماضي للقبائل والدول انتقلت خلال القرن العشرين، وربما لا تزال، لبعض الصحف والقنوات التلفزيونية الرسمية وحتى الخاصة.

فقد تحول "الإعلام"، وبخاصة منذ منتصف القرن العشرين، إلى قوة بالغة التأثير في الحياة العربية.

ولعل أول ما يستوقف القارئ في بحث د. سعيد، الخلفية التاريخية التي يعرضها.

فلقد بدأ الإعلام المطبوع في العالم العربي مع الغزو النابليوني لمصر، "ولكنه سرعان ما صار إحدى أدوات بناء الدولة المركزية الحديثة من خلال دولة محمد علي في مصر"!

أما النقطة الثانية المثيرة للاهتمام في هذا العرض التاريخي، فهي تفوق مصر على لبنان.

يقول: "لقد كانت الحرية الداخلية الواسعة نسبياً التي تمتعت بها مصر قبل الاستعمار البريطاني -بل حتى في ظله- هي العامل الحاسم وراء ازدهار الصحافة في مصر على حساب لبنان، التي كانت تتعرض لموجة بطش شديدة من جانب العثمانيين".

ومن المفارقات التي يرصدها الباحث، أن الصحافة بعد انتعاشها في العالم العربي في ظل "التجربة الليبرالية"، ورغم وجود الاستعمار، انكمش دورها، لأن استقلال الدول العربية "غيَّر جوهرياً الشروط الأساسية للأداء الإعلامي، وخاصة في النظم الراديكالية".

فانقلبت الآية، وصارت الصحف اللبنانية هي التي تتمتع بقدر كبير من الحرية، بينما هيمنت حكومات عربية عديدة على صحافتها في مصر وبلاد الشام وغيرها.

بدأ التحدي الأول لدور الحكومات في احتكار المعلومات وإعطاء التراخيص الإعلامية والضغط على الصحافة، مع تنامي دور الصحافة العربية المطبوعة خارج العالم العربي ثم حل تدريجياً مع التطور المذهل في تكنولوجيا الأقمار الاصطناعية وعصر الفضائيات.

وهنا يلاحظ د. سعيد أن العالم العربي "لا يزال يعيش خارج العملية التاريخية للتحول الديمقراطي، وجل ما أخذه منها هو وسائل للتأقلم تستهدف إنقاذ النظم الاستبدادية البيروقراطية".

فكما أننا لم نكن شركاء حقيقيين في تطوير تكنولوجيا البث الفضائي، فإننا كذلك، يقول،"لسنا بالضرورة مستعدين لإحداث التطورات المؤسسية، التي تتأقلم بسرعة مع شدة التجديدات المؤسسية في مجال تكنولوجيا المعلومات".

ويلاحظ الباحث أن "الخصخصة" لا تكفي! ويقول: "لا تشكل الملكية الخاصة لوسائل الإعلام ضماناً كافياً على الإطلاق لاستقلالية الرسالة الإعلامية، كما أن الملكية العامة لا تنفيها بصورة عامة".

إن الاستقلالية النسبية التي تتمتع بها الفضائيات، لا تزال بيد السلطات العليا، ولا تزال الصحافة الإلكترونية الأكثر تمتعاً بالاستقلالية بين جميع آليات الإعلام ووسائله في المنطقة العربية.

وبيد الحكومات الإمكانية الفنية للرقابة على الفضاء الإلكتروني، ولكنها غير متحمسة لممارسة تلك الرقابة على نطاق واسع "بسبب ضآلة حجم الجمهور المتعامل معها".

ومن أوجه المعاناة، أن الإعلام العربي - ولاسيما الصحافة المطبوعة - مكبل "بغابة من التشريعات المعادية لحرية التعبير".

ومن القضايا الأساسية في رسم توجهات الصحف والفضائيات العربية ما نرى من صراع وتداخل بين "رأس المال السياسي" و"استقلالية الرسالة الإعلامية"؛ وبخاصة في ظل واقع عدم إمكانية الاعتماد على الإعلان.

وفي تقدير الباحث، فإن الحجم الإعلاني الحالي، "لا يكاد يدعم وجود سوى حفنة من المؤسسات الإعلامية الكبرى على امتداد العالم العربي".

وقد أدى هذا إلى الاعتماد على الحكومات بشكل مباشر أو غير مباشر: "ولهذا تتسم الأوضاع المالية للمؤسسات الصحفية الكبرى بغياب الشفافية، حتى في حالة الملكية الخاصة للصحف".

ولم تعد استقلالية الإعلام العربي قضية "داخلية" بل صار غيابها موضع شكوى خارجية، بسبب المواقف الأميركية المعادية لبعض الفضائيات العربية.

ويرى التحليل الأميركي "أن الحكومات العربية توجه الإعلام بعيداً عن نقد أدائها السَّيئ في مختلف المجالات، نحو "عدو خارجي" هو إسرائيل والولايات المتحدة الأميركية، وهو ما يؤدي إلى خلق مناخ مواتٍ للتطرف والعنف".

ولعل أضعف أجزاء ورقة د. سعيد مناقشته هذه النقطة بالتحديد. فهو يقوم بنقد وتعرية المؤسسة الإعلامية في العالم العربي في معظم الورقة، ثم ينحاز إليها، وبخاصة عندما يقتبس تصريحاً لاتحاد الصحفيين العرب يقول بأن "الولايات المتحدة وإسرائيل تحالفتا للضغط المستمر على الحكومات العربية لكي تكبت حرية الصحافة"، فالتحليل الموضوعي الذي قدمه د. محمد سعيد لواقع الإعلام العربي، وتحكم بعض الأنظمة بمختلف مؤسساته سياسياً ومالياً، يضعف تماماً تهمة "اتحاد الصحفيين العرب".

على الإعلام العربي صحافة وتلفازاً ونهجاً أن يكون موضوعياً في معالجته للتطورات السياسية والاجتماعية، وأن يتيح الفرصة لمختلف الاتجاهات للتعبير عن نفسها.

وهذا يحتم عليه، في اعتقادي، أن يكون "إعلاماً" قبل أن يكون "عربياً". ومثل هذا الشرط لا يزال صعباً في بلداننا، حيث "الإعلام" يُشكل بعض وظائف أجهزتنا وربما آخرها!

يقول د. سعيد مثلاً، بعد الإشادة بالفضائيات العربية التي "استعادت شيئاً من التوازن الإعلامي المفقود" خلال أزمة 2003 مقارنة بأزمة 1991 الخليجية، "إن بعض العوامل والاعتبارات الأخرى للمهنية، كانت غائبة في التغطية العربية لعملية غزو العراق والحرب الدائرة هناك.

ومن هذه العوامل القبول الضمني وغير النقدي للتصريحات التي صدرت عن المسؤولين العراقيين خلال الأسابيع الثلاثة الأولى من الحرب، وهو ما جعل النتيجة النهائية تبدو مفاجئة تماماً للمواطنين العرب، الذين شجعهم الإعلام على الاعتقاد بأن النتيجة ستكون مختلفة جذرياً عما جرى بالفعل".

ومما بات يلاحظ على الفضائيات العربية للأسف بوضوح هذا التسابق المحموم لإرضاء التوجهات الجماهيرية والشعبوية لدى قطاعات واسعة من المشاهدين المُحبَطين.

وينعكس هذا التوجه على صياغة الأخبار واختيار الحوارات والمتحاورين، وعلى تجاوز الاعتبارات الواقعية السياسية والأخلاقية المهنية، ولقد شاهدت ذات مرة على شاشة محطة فضائية عربية، شعارها "الرأي.. والرأي الآخر"، مقابلة مع شخصية خليجية أكاديمية راديكالية متعاطفة مع تنظيم "القاعدة" أشد التعاطف، حيث كان مقدم البرنامج يزايد على كلام الضيف بدلاً من محاورته، فكان الأجدر أن يكون شعار هذه المحطة "الرأي والرأي الآخر المطابق"!

ولعل من أدق الاقتباسات التي يوردها الأستاذ الباحث في ورقته رأياً يقول: "الإعلام العربي أصلاً لا وجود له في الخريطة... لأن الإعلام في الأصل هو التحري عن الخبر وصحته وإيصاله إلى المتلقي بكل ما يملك من مصداقية، والأسطورة الإعلامية التي نُطلق عليها الإعلام العربي، هي الإعلام الذي فقد هويته وصار يتخبط في متاهات بعيدة".

ولعل مما يرفع معنوياتنا ويخفف الضغط وآلام "جلْد الذات" عنا، ما يحذر منه د. سعيد، من أن الإعلام العالمي حتى في دول الغرب.. إلى تدهور!

يقول: "تشير التجربة التاريخية إلى أن الدول المتقدمة تشهد ميلاً عارماً لسيطرة الصحف والمنابر الإذاعية والتلفزيونية الهابطة على سوق الإعلام، وخاصة في الولايات المتحدة الأميركية، حيث تخطب مئات من المحطات الإذاعية ود المواطن انطلاقاً من أشد التفسيرات الدينية تخلفاً وعنفاً، كما أنها تقترب من أبسط المواطنين عبر خطاب إعلامي بالغ التدني من حيث مستواه المهني والثقافي، الأمر الذي يهدد بتحول الإعلام الجماهيري إلى أداة لانحطاط الحياة الثقافية للشعوب".

ومثل هذه المخاطر الإعلامية تهدد العالم العربي اليوم، حيث يتسع انتشار "الصحف الشعبية الأكثر استعداداً لمخاطبة الغرائز الجنسية، والمنحطة ثقافياً، مثل تلك التي تركز على التحريض العلني على الشخصيات ومحاولة اغتيالها معنوياً، والشائعات، والصور الخليعة.. ووصل حال بعضها إلى حد التحريض على الفتن الطائفية، والعنف والتشهير بكل الوسائل". ونشاهد في محطات التلفاز مثل هذه التوجهات على نحو أوسع وأشد فتكاً بالذوق العام وأكثر استغلالاً للدين والتراث والطب الشعبي وكل ما يمكن الاستفادة منه في هذا الأتون الإعلامي المستعر.

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر:الإتحاد الإماراتية-10-6-2007