الصحافة العراقية .. بين مطرقة السياسيين و سندان التمويل !

 

 

د . أكرم المشهداني

 

 

للصحافة العراقية تاريخ حافل بالعطاء، منذ إنطلقت جريدة (الزوراء) قبل نحو مائة وثلاثين عاما، واستطاعت الصحافة العراقية أن تشق طريقها المتميز بين الصحافة العربية، وتأخذ موقعا بارزا، بالرغم مما تعرضت إليه من جور

السلطات على مر العقود، ومحاولة ثنيها عن طريق حريتها، التي هي أعز وأثمن رأسمال للصحافة، وقد حافظت الصحافة العراقية على خط تحررها عن السلطة عقودا طوال، وتعرضت إلى حملات من المضايقة والتنكيل والايقاف والمصادرة والرقابة المسبقة، والزج بالكثير من الصحافيين الأحرار في غياهب سجون الأنظمة، من أجل حرف الصحافة العراقية عن خط سيرها التحرري.

ولعل من أبرز ما تميزت به الصحافة العراقية في خط مسيرتها الوضاءة، أنها كانت موطناً وملاذاً للأقلام الأدبية الراقية، ووجدنا كيف تبوأ شعراء وأدباء ومفكرون عراقيون من الطراز الأول عالميا وعربيا ومحليا، تبوأوا مقاعدهم في صدارة الصحافة العراقية عبر العقود، وكانت صحفاً متميزة وشهيرة تدار وتحرر من قبل أسماء أدبية عراقية لامعة وراقية، كالجواهري، والزهاوي، والرصافي، والأعظمي، والنجفي، والكاظمي، وغيرهم من أساطين أدباء وشعراء العراق ومفكريه.

وإذا كانت فترة العقود الثلاثة الأخيرة قد شهدت مأساة (تأميم) الصحافة العراقية لصالح السلطة، ولصالح (حزب) السلطة، وتكميم الأفواه، ومنع الصحف الحرة أو الأهلية، وحجبت حق المجتمع المدني في إصدار الصحف، إلا أن إنطلاقة حرية إصدار الصحف بشكل (شبه مطلق) في السنوات الأربع الأخيرة، بعد أن كان المواطن العراقي مقيدا ومجبرا على ثلاثة أو أربعة صحف كل منها هي نسخة مكررة من الأخرى، صار الآن يتطلع كل يوم وكل أسبوع إلى العشرات بل المئات من الصحف، من شتى الألوان والمشارب والاتجاهات، تكتب بلا قيود، وتنشر دون رقابة مسبقة، وتطبع ما شاءت من نسخ، وإذا كانت نظرية (البقاء للأصلح! بمدلولها الإقتصادي) قد فعلت فعلها في (فورة) إنطلاقة الصحافة العراقية في عهدها الجديد، فغابت عناوين وصحف لم تقو على الصمود وسط التيار.. أو السوق! .. وبعضها تحول من (يومي) إلى (إسبوعي) لمداواة مشكلة الخسائر في المبيعات! وبعضها اضمحل واندثر وغاب، وأخرى إضطرت للأندماج مع غيرها، وقسم منها بيعت لمن دفع فيها ما ينقذها من أزمة تمويلها الخانقة!.. ولا أظن أن الأمر يبتعد عن مفهوم (سوق العرض والطلب) والقدرة على الصمود في مواجهة السوق الذي لا يرحم!.

إن الصحافة العراقية، التي تتكي على تاريخ مجيد، ومسيرة حافلة، وسمعة جيدة، تتعرض اليوم الى (محنة) جديدة قديمة!!.. فأخطبوط بألف ذراع يتهدد حيادية وإستقلالية صحفنا.. بين أن تتحول إلى (طبول) لتمجيد السياسيين، أو أداة لمديح السلطة والتستر على هفواتها وشطحاتهاوفساد بعض اذرعها،  وتهديدات الأدعياء، وسلطة هذا وسطوة ذاك، كما أن الوضع الأمني المتردي بات يشكل عامل ضغط آخر وخطيراً يضاف إلى جملة الأمور الضاغطة على حرية الأعلام والصحافة في العراق، بل أن بعض الصحف صارت ممنوعة من العرض أو البيع أو دخول مناطق ومحافظات معينة دونما حاجة الى التسمية!! بالإضافة الى ما يتعرض له الصحفيون من اغتيال وخطف ومفخخات وغير ذلك لثنيهم عن طريقهم.

كما أن الصحافة تتعرض إلى ضغوط وسطوة السياسيين، المهيمنين على مختلف وزارات الدولة، كل حسب حزبه وجماعته وميليشياته، تمارس ضغطا قاسيا على الصحافة في حجب الأخبار، وتضييق الخناق على المراسلين والمندوبين، وأشد إيلاما هو حجب الاعلانات الحكومية، عن صحف معينة، وإحتكارها لصالح أخرى ممن تساير هوى المسؤول!.. وإذا ما علمنا أن الصحافة اليوم هي: تكلفة، وخسائر، ومصاريف باهظة،لابد أن تتداركها الجريدة من خلال الإعلانات الحكومية والأهلية، فإن قطع مصدر التمويل هذا عن الجريدة، هو بمثابة (حكم بالأعدام!!) عليها! وللأسف أن كثيراً من المسؤولين يجهل المهمة والرسالة الحقيقية للاعلام والصحافة، ومازال ينطلق من نفس منطلق وفكر الشمولية الدكتاتورية، في أن الصحافة ما وجدت إلا للتطبيل والتزمير والتمجيد والتكبير للحاكم وكيل المديح لخطواته واجراءاته حتى وإن كانت كفرا بواحاً.. وإن لم تفعل ذلك، فعليها أن تتلقى نتاج مواقفها العنودة!.. وكثير من صحفنا اليوم مهددة بالتوقف والانسحاب من مسيرتها نتيجة ضغوط الأحزاب والسياسيين والمسؤولين والقوى المسلحة غير المنضبطة، ونتيجة الفساد المستشري في مفاصل وقطاعات عدة من الدولة، وتحويل كثير منها الى كانتونات لأحزاب وتيارات وزرائها!..

إن استمرار مسلسل خنق الصحافة، ووضعها بين مطرقة الحكومة والسياسيين والحزبيين والتيارات المسلحة وميليشياتها، وبين سندان الضغط المالي الخانق والحاجة الماسة للتمويل، سوف يهدد حرية الصحافة بالصميم.. ويجعل من (حرية الصحافة) خرافة.. تذكرنا بأيام الشمولية والصحافة المندمجة بالسلطة والناطقة باسمها والغريبة عن الشعب..  وستتعرض رسالة الصحافة للعرقلة والتأخير والتلكؤ، في أداء رسالتها في خدمة المتلقي وإيصال المعلومة الصادقة،  لان احتكار صناعة الخبر تعني توجيهه بما يخدم مصالح المحتكرين، بعيدا عن التزام الصدق والحيادية، فالقضاء على هذا الاحتكار بايجاد وسائل اعلام حيادية ومستقلة من ناحية الارتباط المؤسساتي، والمهنية العالية، والحفاظ على اخلاقيات المهنة بعيدا عن التلون لاهداف بعيدة عن حيادية الرسالة الاعلامية، واستمرارية التمويل المستقل المصدر أو غير المسيس.

 كما أن وسائل الاعلام اليوم تتحمل مسؤولية جديدة، في مرحلة انتقال البلد من الشمولية الى الديمقراطية المنشودة في جميع مجالات الحياة السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية وغيرها، وحرية الرأي والتعبير والنشر، والذي انعكس وبشكل جلي على عمل وسائل الاعلام العراقية، وهذه المسؤولية تتمثل في توجيه المناخ السياسي للبلد، من خلال توسيع العمل السياسي، والمساهمة في اعادة تعريف عناصر النظام السياسي، وادخال عناصر جديدة للنظام السياسي بما يتناسب وعملية التحول الديمقراطي، وهذا ما يتناقض ودور الاعلام من وجهة النظر الاكاديمية فبالاستناد الى المرجعيات الاعلامية النظرية والاكاديمية ينحصر دور وسائل الاعلام بالعملية الاداتية الكلاسيكية المحددة في التغطية الاخبارية والمعلوماتية البحتة، كون وسائل الاعلام من وجهة النظر الاكاديمية عبارة عن قناة نقل بين المرسل والمتلقي للاخبار والمعلومات تحديدا.

المقترحات:

(1) إننا نطالب البرلمان والحكومة، بسن قانون يؤكد حرية الصحافة وحرية الرأي والتعبير ويمنع حبس الصحفي بسبب النشر، أو مطالبته بمصادر معلوماته.

(2) كما نطالب الحكومة برصد مبلغ إحتياطي من خزانة الدولة (صندوق لأعانة الصحف) وقت الضيق والحاجة والشدة، ومن خلال سلف بعيدة المدى، لكي لايتعرض الصحفيون لضغوط وابتزاز السياسيين.

(3) نطالب بتوزيع عادل للاعلانات الحكومية بما يمنع احتكارها لدور نشر او صحف محددة دون غيرها وأن توزع بالتساوي.

(4) ضمان حرية الصحافة بقانون أو تشريع، أو مثلما ضمنها الدستور وتكون عهد شرف من الحـــكومة تجاه الصحافة العراقية.

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر: جريدة الصباح-24-5-2007