ثقافتنا و العولمة .. خصوصية أم تبعية

 

 

هيثم نعمة رحيم العزاوي

 

 

للثقافة وظائف اساسية، لعل ابرزها المحافظة على ماتقوم عليه الحياة في المجتمع من عقيدة وقيم صالحة ،ونظام اخلاقي فعال ،وتطوير الافكار والخصائص والممارسة السلوكية، واساليب العيش والتعامل، والتعبيرعن رغبة الانسان في تغيير العالم والارتقاء به ،وفتح الآفاق امامه كي يتلاقى مع الاخر ويتعامل مع ثقافته وفكره ،اذ ان هذه الوظائف كما غيرها، تتجانس مع بعضها ، وتتكامل داخل المجتمع الواحد، من دون ان تسبق احداها الاخرى او تكون سببا في التقليل من شأنها وعلى الرغم من وضوح وظائفها، خضعت الثقافة لاعتبارات (ايدلوجية) وفلسفية، ان الغرب يعرفونها على انها تراث (الإنسانيات الاغريقية اللاتينية ) ،بمعنى انها ذات علاقة وظيفية بالانسان، اي انها فلسفة الانسان فيما حدد لها المفهوم (الاشتراكي) علاقة وظيفية بالجماعة لتصلح فلسفة المجتمع، اما المفهوم (الاسلامي) ،فأخذ بعداً وسطياً بجعله الثقافة والفكر الصالح ثمرة تجانس الفرد والمجتمع معا، اذ ان ثقافة اية امة هي تعبير دقيق عن خصوصيتها، وركيزة مهمة لتطويرها ،وعنوان ساطع لرقيها، وترجمة أمينة لطموحاتها، فالثقافة خريطة طريق الامة، وهي الوسيلة الاجدى للابداع ،والوقود المشتعل للنهضة، ينطلق خفيفاً في سعيه الحثيث بحثا عن الأفضل

اذن الثقافة ليست برجا ينعزل فيه المثقفون بل هي تفاعل بناء متصل بقضايا الحياة، وحتى تكون الثقافة في امتنا العربية متسقة مع الاشواق الروحية للمجتمع العربي الاسلامي الذي نتعايش معه وتخدمه، وان تكون مرتكزة على ثوابت عقيدته ومحافظة على نظامه الاخلاقي ،اذ ان الثقافة قادرة على خلق حراك معرفي وفكري جاد وملتزم بالثوابت، وهذا يتحقق بمعيارين، اولهما ان نعبر عن خصوصية المجتمع، والثاني ان تكون قادرة على التعامل بانفتاح وثقة مع العولمة وثقافتها الكونية وهذا يؤكد (هويتنا الثقافية) وخصوصيتها التي يتمتع بها وطننا وتمسكنا بها ،وهي لم تكن يوما عائقا امام تطور مفاهيمنا الحضارية والثقافية ، امام انفتاحنا على العالم المعاصر بثقافاته وافكاره .

ان المثقف الذي يريد ان يكون منارة للرأي ومرجعا للنضج وملاذا للحكمة، ذات تأثير ايجابي في المسارات السياسية والاجتماعية والاقتصادية لامته، عليه ان يتعامل بنضج مع التيارات الفكرية التي يموج بها العالم المعاصر، وهذا يتطلب اعتزازاً بذاته وفخراً  بانتمائه لأمته، متمسكا بثوابتها وقيمها الاصيلة ، نزيها في مواقفه، وصادقا في نصحه، وواقعيا في معالجاته، غير متخاذل في معالجاته الفكرية لما تتعرض له امته من ازمات .

اما في سعيه للانفتاح على ثقافات العالم، فعليه ان يكون فاعلا في الاخذ منها بالقدر الذي يفيد امته، متبيناً لنظم الحياة المتطورة بتمحيص وتمعن، ليعين على الجديد والنافع في تطوير الافكار مستجيبا للتطورات الحضارية المعاصرة التي تحملها الثقافات المتعددة بأيمان مفعم بحب الانسانية ،اذ ان عدم الانزواء خلف حدودنا واستقرار وجداننا والانفتاح والتجاوب مع القيم الرفيعة والمثل السامية، يؤدي الى تحصين مجتمعاتنا وصيانتها من عبث الافكار المنحلة، والرؤى الفاسدة والثقافة المتوترة ، فعندها نستطيع ان نقول مرحبا بالانفتاح على ثقافات الدنيا دون تميز ،وعندها نستطيع ان نقول لاخوف على خصوصياتنا وهويتنا الثقافية من التلاحم مع ثقافات الدنيا .

*اكاديمي من العراق .

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر: جريدة الصباح-21-5-2007