حاضر المعلوماتية وآفاقها المعلومات والاتصالات السريعة

 

 

 

كريغ باريت رئيس «أنتل» أضخم الشركات المتخصصة بصناعة الرقاقات الالكترونية يتحدث

لم تفصل مسافة بعيدة بين مغادرة كريغ باريت، رئيس شركة «أنتل»، أضخم الشركات المتخصصة في صناعة الرقاقات الالكترونية، العاصمة اللبنانية، وتدشين خطوط الانترنت السريعة في لبنان. والحق أن كثرة من ممثلي الشركات العملاقة في المعلوماتية والاتصالات طالبوا، في السنوات الأخيرة، الحكومة اللبنانية ببعض المبادرات الأساسية مثل إقرار قانون عن «بروتوكول الصوت على الانترنت»، الذي يُعرف باسم «فويس أوفر انترنت بروتوكول» Voice over Internet Protocol، وعن الخطوط التي تعمل بالحزمة العريضة «برود باند» Broad Band.

وأثناء مكوثه أخيراً في بيروت، أعلن باريت عن عدد من المبادرات في مجال نشر المعرفة بالمعلوماتية، خصوصاً في المناطق النائية وقطاع التعليم. وفي هذا السياق، جاء حواره مع «الحياة»، «الذي بدأ بالحديث عن عالم اليوم الذي غدا متصلاً بعضه ببعض على مدار الساعة، وخصوصاً عبر الشبكات الرقمية (الانترنت وخطوطها المتطورة، وكذلك شبكات الخليوي والتلفزة عبر الأقمار الاصطناعية وغيرها) التي تلفّ شرانقها حول الكرة الأرضية، والأرجح أننا نعيش عالماً متواصلاً، وكذلك فإنه يعتمد بقوة على المعلومات وتدفقها. وبقول آخر، إنه عالم من التواصل المبني على المعرفة التي صارت أساساً للاقتصاد العالمي وأسواقه».

تدفّق المعلومات وحاجات التنمية

بدا بديهياً أن يُفتتح الحوار بالحديث عن انتقال المعرفة وسريانها في عالم تربطه الشبكات الالكترونية وتمسك بأعصابه الأساسية إلى هذا الحدّ.

هل إن مستوى انتقال المعرفة، وخصوصاً من العالم الصناعي المتقدم إلى الدول النامية، يسير بصورة كافية، وبطريقة تستجيب فعلياً لمتطلبات التنمية في العالم الثالث؟ أم إن التفاوت بين النمو والتخلف؛ وبقول آخر بين عالم مُسيطر مملوء بالشركات العملاقة والمؤسسات الضخمة القوية، وعالم يعاني من الفَوات العلمي والتدهور في أحوال معاشه والتأخّر في مسار تنميته إلى حدّ التخلف الذي لا يُمارى في أنه معضلة، يصعب التعامل معها والعثور على سبل الخروج من شِراكِها المتداخلة؟

 بدا هذا السؤال مثيراً بالنسبة الى رئيس شركة تملك الكثير من المبادرات في مجال نقل المعرفة، (وضمنها الـ «أوت سورسينغ» Out Sourcing) إلى العالم النامي، إضافة لترؤسه لجنة متفرعة من «قمة مجتمع المعلوماتية العالمي»، متخصّصة في العناية بمشاريع المعلوماتية والاتصالات في الدول النامية. وابتدأ باريت إجابته بالاشارة إلى المدى الواسع الذي يشمله موضوع نقل المعرفة بين العالمين النامي والصناعي. وأعرب عن اعتقاده بأن التجارة الحُرّة تشكّل حجر الزاوية في العلاقات العالمية راهناً، كما يظهر مثلاً في مسار نقاشات «منظمة التجارة العالمية» عن التبادل التجاري، ومسار تحرير الاقتصاد وانفتاحه في العالم الثالث، والمشاكل في تجارة المنتجات الزراعية وغيرها. وضرب مثالاً ملفتاً بقوله إن السهولة في انتقال المعرفة راهناً تسير بسهولة أكبر من تبادل المنتجات الزراعية. «من السهل تبادل الخبرات في مجال الهندسة الالكترونية... يمكن الوصول الى المهندسين وتوظيفهم بسهولة أكثر مما يمكن تبادل المزروعات».

كما أعرب عن اعتقاده بأهمية أن «يتنافس الناس في ما يبرعون فيه فعلياً، بداية من المزروعات وصعوداً إلى الأنشطة الاقتصادية كافة». وفي المقابل، أقرّ باريت بوجود عوائق شتى أمام سريان المعرفة: «تضع الولايات المتحدة عوائق، وكذلك يفعل الاتحاد الأوروبي أيضاً»؛ ولكنه اعتبر أن مثل تلك العوائق لا تشكّل شيئاً أساسياً إذا نُظِر اليها ضمن الصورة الكبيرة للأوضاع عالمياً.

ومن وجهة نظر عالمثالثية، بدت تلك الإجابة قريبة من خطاب مألوف في العالم يصدر عن مركزية غربية، وخصوصاً أن الشركات العملاقة ترى أن العولمة تعني أسواقاً مفتوحة تحكمها القدرة على المنافسة، وتقودها قوى السوق.

وفي المقابل، فإن اللحظة الراهنة من العولمة لم تأت من فراغ، بل نجمت من مسار تاريخي تشوبه الكثير من التناقضات، ما يعكس حقائق أكثر قتامة وخصوصاً التفاوت بين الغرب الصناعي المتقدم ودول العالم الثالث المُتعثّرة في نموها والمُربكة في توزيع ثرواتها.

فبعيد الحرب العالمية الثانية، أُقِرّت اتفاقية «برايتون وودز»، التي تعتبر أولى الوثائق عن العولمة المعاصرة. وكرّست الاتفاقية مبدأ، لن يلبث أن يتكرّر في الاتفاقات العالمية في نغمة ثابتة إلى حدّ انعدام التفكير في نقدها، عن تحرير انتقال 4 مُكوّنات أساسية في الأسواق: السلع والأموال والبشر والخدمات.

ولقد سارت الدول الصناعية، وكذلك الشركات العملاقة، في تلك الأمور بالطريقة التي تُناسب مصالحها. فمثلاً، لم تصل حرية انتقال البشر إلى المستوى الذي بلغته حرية انتقال الأموال أو الخدمات. وعانى انتقال البضائع من التمييز الفاضح، إذ تستطيع الدول القوية فرض قيود على ما تشاء من البضائع؛ كما حدث قبل سنتين في المنازعة بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة عن تجارة الحديد مثلاً. وتبلغ هذه المأساة ذروتها إذا ما نُظِر إلى جانب انعدام العدالة فيها، وخصوصاً من وجهة نظر العالم الثالث.

فأين هي «التجارة العادلة» في موضوع المنتجات الزراعية مثلاً، التي ترفض الدول الصناعية بعناد التخلي عن الدعم المباشر لها، والذي يبلغ بلايين الدولارات سنوياً، هذا إذا اسقط الدعم غير المباشر (البنى التحتية للدولة ونظامها التعليمي والتأمينات الصحية كأمثلة) من الحساب؟

وكيف يستطيع فقراء العالم الثالث من الفلاحين أن «ينافسوا» منتجات تحظى بكل ذلك الدعم الهائل، فيما لا يستطيعون الحصول على الماء اللازم لإطفاء ظمئهم ولا يلقى أطفالهم علاجاً لأمراضهم، كما يعانون من غياب البنى الأساسية في المواصلات والمعاملات التجارية والصحة والنقل والاتصالات والطاقة والتأمين الاجتماعي والتعليم؛ إضافة إلى تقهقر أداء الدولة ومؤسساتها بفعل تسلط أنظمة الحكم وفسادها؟

العودة الى جولة الدوحة والمبدأ الانساني

حضرت تلك الاشكاليات خلال المفاوضات المُعقدة التي سبقت تأسيس «منظمة التجارة العالمية»، مثل جولة «تريبس 1»؛ كما فرضت نفسها على عدد من قمم تلك المنظمة وأعمالها. وألقى الواقع المُظلم للعالم الثالث بظلاله الثقيلة على القمة التي عقدتها «منظمة التجارة العالمية» في الدوحة 2001، التي أقرّت أن حقوق الملكية الفكرية لا تملك أولوية على الحياة البشرية. وفي تلك الجولة، أعطى وباء الايدز مثالاً عن العلاقة بين الملكية الفكرية، التي تتمسك الشركات العملاقة بمواصفاتها الاحتكارية والحصرية، وبين الواقع القاسي للدول النامية. فمن المعلوم أن علاج ذلك المرض بالأدوية التي تُنتجها الشركات الغربية يتعذر على مرضى العالم الثالث، بالنظر إلى ثمنها المرتفع. وقد استطاعت بعض الشركات الهندية والبرازيلية صنع «أدوية موازية» (أي انها تمتلك التركيب الدوائي نفسه الذي يتوافر في الأدوية الغربية)، ما أثار احتجاج الشركات العملاقة. وفي «جولة الدوحة»، استطاع العالم الثالث، فرض احتياجاته عبر إقرار الدول المتفاوضة بما سمي «المبدأ الانساني». ولكن، ألا تتمتع المعلومات والمعرفة، بالنسبة للدول النامية، بأهمية لا تقل عن الأدوية؟ ألم تكن المعرفة هي ما مَكّن أصْلاً من صنع «أدوية موازية»؟ ألا تحتاج تلك الدول إلى المزيد من المعرفة لوضع العلم في خدمة التنمية واحتياجاتها الاساسية وكذلك لحل مشاكل التخلف فيها؟ وبالاختصار، فمن وجهة نظر عالمثالثية، ثمة تناقض هائل بين ممارسة الشركات العملاقة لحقوق الملكية الفكرية وبين سريان المعلومات وانتقال التكنولوجيا بطريقة تفيد في الخروج من حال التخلّف.

وبديهي أن تلك الأسئلة بدت مألوفة بالنسبة لباريت، الذي أبدى اسفه لاستمرار الدول الصناعية، بما فيها الولايات المتحدة واليابان، في سياسة الدعم المالي للمنتجات الزراعية. ونبّه إلى أن تلك الأموال لا تُمثّل ابداعاً ولا ابتكاراً فكرياً، وبالتالي، فإن جلّ ما تصنعه هو اعاقة حرية التجارة الدولية، عبر خلق المزيد من التعقيدات في نظام التبادل عالمياً. «إن تلك الأموال تحمي انعدام الكفاءة...إن ما يتوجب حمايته فعلياً هو الكفاءة».

كما رأى أن لتلك المسألة الشائكة جوانب كثيرة. فمثلاً، ثمة في الصين من يسيء استخدام النزاع على الملكية الفكرية، فيعمد إلى تقليد منتجات الشركات الأميركية، وضمنها شركات المعلوماتية، فيما تُمارس حماية فكرية على ما تصنعه الشركات الصينية! وأعرب عن اعتقاده أن تلك الممارسات تُسيء إلى حرية التجارة، التي رأى أنها يجب أن تُطلق على مداها. وفي المقابل، فقد بيّن أنه من أنصار التمسّك بحقوق الملكية الفكرية، مُبرّراً موقفه بحق المُبدعين في حماية منتجاتهم، بما في ذلك الأدوية التي تخترعها الشركات الكبرى. ولاحظ أيضاً أن هذه الأمور هي من أشد المواضيع إثارة للخلاف في العالم المُعاصر؛ لأنه يجب أيضاً تشجيع الابتكار وروح الاكتشاف وحفز نمو المعارف عند المُبدعين. ومن دون مردود مناسب، فإن عملية خلق المعرفة قد تتأثر سلبياً.

عن العلاقة بين الدولة والشبكات الرقمية

أثناء هذا النقاش، أثير سؤال عن دور المؤسسات، مثل الدولة والهيئات والمنظمات الدولية والأمم المتحدة، في هذه العملية لأنها لا تسير مباشرة بين المبدع والمستهلك. والحق أن معظم المبدعين يعملون في شركات تمتلك ابتكارات عقولهم، كما يعيش المستهلكون في دول (وضمن مجتمع دولي ومنتظمات عالمية) يُفترض بها رعاية حقوقهم في المعرفة والمعلومات أيضاً. ووافق باريت على وجود دور لمثل تلك المؤسسات، وخصوصاً الدولة. وأشار إلى أنه في الولايات المتحدة، وحيث حقوق الملكية الفكرية تلاقي التأييد الأشد، فإن الأدوية تباع إلى أصحاب الدخول المنخفضة بأسعار تختلف عن العادية.

ورأى أن أمراً مماثلاً ربما جرى في عالم المعلوماتية أيضاً، حيث تستطيع الشركات بيع رقاقات الكترونية في العالم الصناعي بسعر يختلف عن أسواق الدول النامية. ولكنه رأى أن ذلك لا يجب أن يمس حرية التجارة أو حقوق الملكية الفكرية، مُبدياً تمسكه الصارم بهما. وقد خلص، إلى طرح رؤيته للحل التي ترتكز إلى مبدأ التوازن بين العناصر المختلفة التي نوقشت آنفاً. وبالتالي، فقد وافق على أن ذلك يترك مساحة لعمل الدولة والهيئات المعنوية المختلفة، لأن الحاجات الانسانية، بما فيها الحق في المعرفة، يجدر أن تؤخذ أيضاً في الاعتبار. وأعطى مثالاً طريفاً على ذلك في مسألة الانترنت السريع في لبنان، مُشيراً إلى أن الحصول على مواد الشبكة الالكترونية عبر الحزم السريعة يُمثّل جزءاً من حقوق المواطن، وأن الابتكار يُقدّم الوسائل التكنولوجية التي تُنجز ذلك النوع من الاتصالات. وبذا، يصبح من مسؤولية الدولة أن تلعب دورها لكي يتمتع المواطن بالحق في الاتصالات الرقمية السريعة في لبنان.

وانتقل الى الحديث عن اللجنة التي يرأسها، والتي تفرعت عن «قمة مجمتمع المعلوماتية العالمي».

وشدّد على أن التمويل المرصود لتلك اللجنة هو...صفر! ولم يعتبر ذلك أمراً مُربكاً، لأنه يعتقد أن العالم الثالث يحتاج أكثر الى الخبرة العملية والمعرفة التقنية، من حاجاته للأموال. وأكّد أنه في أحيان كثيرة، تتوافر الأموال من دون أن يُصار الى الاستفادة منها في شكل مُجد، بسبب غياب المعرفة. وانتهى الى القول إنه يجتمع دوماً مع مسؤولين من دول نامية وأسواق صاعدة، لكي يقدم لهم الخبرة، ويرسم لهم نوعاً من خارطة الطريق.