جيم هوغلاند؛ كاتب العمود في «واشنطن بوست»:

                 

 مفتاح نجاح أي قصة ألا تتوقف حيث يتوقف الآخرون

 

 

 

 

رغم انه تنقل كثيرا وسريعا بين مناصب ومهام في «واشنطن بوست»، حيث عين جيم هوغلاند محررا للدوليات في مقر الصحيفة الرئيسي عام 1979، أي بعد 7 أعوام فقط من عمله مع الصحيفة كمراسل في بيروت، إلا أنه بدا واضحا ان جزءا من «قلب» هوغلاند بقي في منطقة الشرق الأوسط. ولعل ذلك يبرر تعلقه المستمر بها، ويبرر كونه التقى عددا كبيرا من القادة العرب. يتذكر هوغلاند، ذو الـ 67 عاما، بشكل خاص أول مرة قابله فيها الملك السعودي الراحل فيصل بن عبد العزيز، وكان ذلك في يوليو 1973 بمدينة الطائف. ويقول جيم «في ذلك الوقت كان التوتر يتصاعد في الشرق الأوسط وقال لي الملك فيصل بوضوح انه «لو حدثت حرب عربية ـ اسرائيلية جديدة فانه لن يستطيع الاستمرار بالتعاون عن قرب مع أميركا»، ونشرت الواشنطن بوست القصة في اليوم التالي على الصفحة الأولى محذرة من أن السعودية قد تستخدم النفط كسلاح. وفي اكتوبر بدأت الحرب، ويتذكر هوغلاند قائلا «علمت من دبلوماسيين عرب في بيروت ان السعودية وبلدانا عربية منتجة للنفط ستحظر تصديره الى أميركا، فقمت بارسال القصة الى واشنطن معلقا بأن الملك فيصل كان أحد القادة العالميين الذين يعنون ما يقولون دائما.. لكن القصة لم تنشر».

ويضيف هوغلاند «وفي اليوم التالي ألححت على معرفة السبب وقيل لي ان هنري كسنجر افاد ان الخبر غير صحيح». وفي نهاية الأمر تمكنت من نشر القصة بعد ان صممت على موقفي ان الملك فيصل يعني دائما ما يقوله. وقد التقى الملك الراحل جيم مرتين (اللقاء الثاني كان في الرياض عام 1974 وشهد كيف يستمع الى مشاكل الناس في مجلسه ويحلها)، ويقول هوغلاند انه بُهر بحكمة وصراحة الملك فيصل. كما التقاه الملكان الراحلان خالد وفهد والتقاه العاهل السعودي الحالي الملك عبد الله بن عبد العزيز نحو 5 مرات (في السبعينات والثمانينات عندما كان وليا للعهد). يبتسم هوغلاند لدى ذكر العاهل الأردني الراحل حسين بن طلال، ويتذكر لقاءه به في صيف عام 1998 بأميركا، وكان ذلك بعد أول جلسة علاج من السرطان تلقاها الملك في «مايو كلينك». ويضيف جيم قائلا «كنت انتظره في غرفة الجلوس وجاء عبر ممر طويل منحني الظهر ومستندا الى عكازين، كان يبدو عليه الألم وكان لا يعلم انني استطيع رؤيته عبر مرآة معلقة في الممر». ويوضح هوغلاند «وعندما انتبه الملك حسين انني اراه، نصب ظهره ومسح الألم من على وجهه ونحى العكازين جانبا ليسلم علي بيده». ويختم جيم قصته بقوله «على الرغم من اختلافنا في الرأي، خصوصا في ما يخص صدام حسين، الا ان هذا الرجل يعرف كيف يكون ملكا». ومن بين القادة العرب الذين التقاهم هوغلاند كذلك الرئيسين المصريين الراحل أنور السادات والحالي حسني مبارك والزعيم الليبي معمر القذافي، والرئيس التونسي الحبيب بورقيبة، والرؤساء الراحلين، السوري حافظ الأسد واللبناني كميل شمعون ومؤسس حزب الكتائب بيار جميل (الجد).

كاتب العمود في «واشنطن بوست» الذي عاش تطورات العالم العربي منذ السبعينات

أربعون عاما امضاها الصحافي جيم هوغلاند في جريدة «واشنطن بوست»، تنقل فيها بين كونه مراسلا دوليا الى محرر للشؤون الدولية وصولا الى كونه كاتبا ذا عمود هو من الأكثر شهرة في العالم. كثيرون يعدونه «مدرسة» قائمة بحد ذاتها، ثبت لي ذلك عندما التقيته في منزله بالعاصمة الأميركية واشنطن، فهوغلاند يسمع اكثر مما يتكلم... لدرجة اننا كدنا نتبادل الأدوار للحظة، فيتحول هو المحاور واتحول انا الضيف. هو يؤمن بشدة بأن أهم ما على الصحافي ان يتعلمه هو أن ينصت.

بالاضافة الى الأسس التي يعمل من خلالها، تحدث هوغلاند عن بدايته مع الـ«واشنطن بوست» مراسلا في بيروت، وتحدث عن قناعته بأن الشرق الأوسط منطقة لا يمكن تركها بالنسبة للصحافي الدولي مهما تغيرت مسؤولياته ومناصبه، ولذلك بقي يعود اليها ملتقيا عددا كبيرا من ملوكها وقادتها. وفيما يلي نص الحوار الذي تم في منزل هوغلاند بالعاصمة الاميركية واشنطن:

* لا بد من البدء بالسؤال عن ولعك بالعالم العربي، لماذا وجد لديك هذا الاهتمام المبكر بالمنطقة؟

ـ البداية كانت عندما طلبت مني صحيفتي «واشنطن بوست» الذهاب الى لبنان وكان ذلك في العام 1972 وكنت حينها اعمل مراسلا في نيروبي، وتم لفت انتباهي الى ان هناك منصبا شاغرا للجريدة في بيروت، وسألوني انت كنت مهتما فأجبت بالإيجاب. جاء ذلك بعد ان كنت امضيت 3 سنوات ونصف السنة في افريقيا وكنت اشعر ان هناك عددا قليلا جدا من الاخبار التي تصل بك الى الصفحة الاولى كمراسل في تلك المنطقة، وشعرت ان الشرق الاوسط كانت منطقة تصل بك الى الصفحة الاولى، أما في أفريقيا كان عليك ان «تكتب» طريقك الى الصفحة الأولى.

* اذن فمنطقة الشرق الأوسط هي «مفتاح» أي مراسل للصفحة الأولى؟

ـ كنت أرغب بالتواجد في منطقة تخولني تغطية الاخبار العاجلة في جو تنافسي، فالصحافة في نهاية الأمر هي عبارة عن تنافس.. تنافس بين الصحف، تنافس بين المراسلين، ولكنها ايضا عبارة عن تحد يتمثل في فهم وضع يتطور امامك، والقدرة على التعبير عن ذلك. أعتبر الصحافة عملية تعلم مستمر، وقد شهدت نهاية عصر الاستعمار في افريقيا، وأردت ان اشاهد الامر ذاته في مكان آخر وتحديدا في الشرق الأوسط حيث أخذ الاستعمار وجها آخر. وكان ذلك في وقت مثيرا ايضا لانه في تلك الفترة (بداية السبعينات) كنا نشهد بداية تأثير «اقتصاد البترول» على العالم... الأمر الذي كان له تداعيات سياسية واقتصادية حتى الان. ولذلك سافرت الى العراق والسعودية في مطلع السبعينات. وعلى الرغم من ظني انني ساترك المنطقة ورائي عندما تم نقلي الى فرنسا عام 1975، إلا أنني وجدت نفسي خلال فترة قصيرة من الزمن عائدا إلى دمشق وبيروت في العام 1976 عندما دخل السوريون الى لبنان أول مرة، عندها ترسخت لدي قناعة ان الشرق الاوسط هي منطقة لا يمكن مغادرتها... اصلا هي لن تترك لك المجال في أن تفعل ذلك وان فعلت فهي من سيأتي اليك. وبالمناسبة فهذا ما قلته لوزير الخارجية الأميركي الأسبق جورج شولتز عام 1982، اتذكر انه جاء ليزورنا في «واشنطن بوست» وكنت موجودا يومها، وقال لنا «سأتولى كثيرا من الامور الاقتصادية وساترك منطقة الشرق الأوسط الى الخبراء على ان اراقب ما يحصل بين فترة وأخرى». فقلت له «سيدي وزير الخارجية، لن تتمتع بتلك الرفاهية»، وشرحت له وجهة نظري، وفعلا انتهى الأمر بشولتز، الذي اقدره واحترمه كثيرا، بأنه أمضى كثيرا من وقته في امور متعلقة بالمنطقة.

* لقد بدأت اقتنع بمقدرتك على التنجيم، فأنت أول من تنبأ بأن العراق سيكون «مشكلة» بالنسبة لأميركا وكان ذلك عام 1987 (بعد أن ضرب صدام بارجة أميركية في الخليج)، وفي 11 سبتمبر كتبت متوقعا «حرب ظلال ستطارد الحكومة الأميركية كل يوم»، وقد قلت للتو انك كنت مقتنعا منذ زمن بعيد بأن منطقة الشرق الأوسط ليست مكانا يمكن مغادرته وان فعلت فسيأتي هو اليك او يجبرك على العودة... وأنا اربط ذلك باعتداءات 11 سبتمبر وحرب العراق، فكيف تعلل قدرتك على الخروج بجميع هذه القراءات الناجحة فيما كثيرون غيرك فشلوا؟

ـ (مبتسما) ليس لدي قدرات خاصة، ولكن ما افعله هو انني اذهب الى اماكن لا يذهب اليها غيري، وذلك لأكوّن «مخزونا» من المعلومات. تعلمت ذلك من افريقيا، فقد اذهب الى بلد واعلم انني لن اغادره قبل 6 اشهر على الاقل، وبالتالي كان علي ان ابني «مخزون معلوماتي» خلال اسبوع او اثنين لكي يخدمني خلال الـ 6 اشهر المقبلة. لذا، فالفكرة هي انك لا تكتفي بالسؤال ماذا جرى اليوم او ماذا حصل امس وانما تنظر الى المستقبل وتحاول ان تكون فكرة عن التطورات التي قد يجب عليك التعامل معها فيما بعد. وبالمناسبة هذا ما يجب على الصحافي فعله وتحديدا المراسل الدولي. ففيما المراسل المحلي يستطيع ان يكتفي بتغطية الحدث اليومي فإن على نظيره الدولي الانتباه لما يجري في بلد او منطقة بحد ذاتها، وعليه ان يبني جسرا بين الامور، وكمراسل دولي فان مصداقيتك هي دائما على الخط، وليس فقط حول تغطيتك ولكن حول تقديرك كذلك بشكل اكبر كثيرا من المراسل المحلي او الوطني.

* حسنا... ولكنك أخطأت كذلك، تحديدا فيما يخص الملف العراقي، وأنت كنت مقربا من أحمد الجلبي الذي وُصف قبل سنوات بأنه «تلاعب» بالصحافة الأميركية بتقديمه معلومات خاطئة قبيل الحرب الأخيرة، خصوصا فيما يتعلق بملف اسلحة الدمار الشامل، فماذا جرى لقدرتك على قراءة الأمور حينها؟

ـ بداية يجب ان اعترف انني كنت مخطئا بخصوص امور عدة في العراق، ولكن لم يحدث انني كتبت قصة عن اسلحة الدمار الشامل بناء على معلومات زودني بها أحمد الجلبي سوى مرة واحدة. وتلك المرة كانت في عام 1996 وقد وجدت لجنة التفتيش الدولية رأسي صاروخين مزودة بغاز الأعصاب VX فيما بعد... لذلك فإن ما كتبته كان واقعيا في هذه الحالة لأن الأسلحة تم ايجادها.

أنا لم أكن اتحدث مع الجلبي بشأن اسلحة الدمار الشامل اجمالا، كنا نتحدث عن صدام، عن الارهاب والأحداث في العراق، وبشكل عام كانت المعلومات التي يزودني بها دقيقة. أما ما فعله مع صحافيين آخرين ليس مسؤوليتي.

* صحيح، ولكنك مقتنع بقضية أسلحة الدمار الشامل؟

ـ نعم، ولكن ليس دقيقا ان تقول اني كنت مخطئا بخصوص هذه القضية بسبب أحمد جلبي تحديدا، فقد كتبت مقالا اخر عن هذا الموضوع، وكان ذلك عقب كلمة وزير الخارجية السابق كولن باول في الأمم المتحدة، وما اريد قوله إنني كنت مخطئا تماما كما كان كولن باول مخطئا، وبالمناسبة كذلك كانت المخابرات الفرنسية وهو أمر اعلمه شخصيا، والمخابرات الروسية والألمانية، كما قيل لي. نقطتي هي ان موقفي من العراق لم يتبلور بسبب اسلحة الدمار الشامل، فبالعودة الى كتاباتي وكما ذكرت انت لقد رأيت صدام كمصدر خطر منذ العام 1987، وفي مرحلة «عاصفة الصحراء» كنت داعما لهذه العملية وكذلك بين عامي 2002 و2003 كنت اميل للتدخل الذي اعتبره انسانيا وذلك بناء على كون هذا نظاما شريرا بشكل خاص، وذا قدرة هائلة على بث عدم الاستقرار في المنطقة وأننا جميعا سنكون في وضع أفضل لو لم يكن صدام موجودا.

* بالنظر الى مقالاتك الأخيرة، كتبت في مواضيع محلية ودولية، لماذا لا تكون كاتبا متخصصا في شؤون الشرق الأوسط وحسب؟ ألا يعطيك ذلك مصداقية أكثر؟

ـ أعتقد ان كاتب العمود بشكل خاص عليه عبء ان يأتي بـ«قيمة مضافة». فإذا كتب مراسل تغطية ما ومن ثم سألته لماذا وضعت اقتباس شخص ما في وسط الموضوع فقد يجيبك ببساطة «لأن هذا هو ما قاله هذا الشخص». أما كاتب العمود فلا يستطيع فعل ذلك اطلاقا لاسيما انه يكتب على الأرجح عن موضوع تمت تغطيته فعلا، لذا فإن مجرد قول شخص او فعله لأمر ما، لا يكفيان لأن يكونا محور عمودك فيجب أن تكون لديك القدرة على الاتيان بخلفيات الأمور. أما كيف تكون لديك مثل هذه الخلفية فعليك ان تكون مطلعا على جوانب عدة وأن تكون لديك نظرة عالمية لأنك يجب ان تجد منطقا في مختلف الامور وأن تجعل القارئ يرى حلقة الوصل.

* من يساعدك في كتابة عمودك، وما هي الآلية التي تعمل بها؟

ـ لدي مساعد في مجال الأبحاث يعمل في قسم الأخبار الدولي بالواشنطن بوست، واذا احتجت معلومات او البحث عن أمر معين اتصل به. بالنسبة للالية، فإنني أكتب معظم الوقت من المنزل حيث الجو هادئ اكثر ولا اتعرض الى المقاطعة. (يبتسم ويضيف) أما اذا رأيتني في المكتب فهذا يعني انني لا اعمل، لأنني في الواقع يجب أن اكون اما مسافرا او اتحدث الى الناس أو اكتب. الا انه من جهة ثانية فإن صالة التحرير في جريدة الواشنطن بوست اشبه بالجامعة، فصحيح انني قد اعلم اكثر من غيري في شؤون معينة ولكنك تجد هناك خبراء في مجالات اخرى، فلو اردت معلومات مثلا عن التكتيكات العسكرية فباستطاعتي الذهاب الى مراسل البنتاغون لدينا وسؤاله عما اريد، والحال نفسه مع المراسلين المحليين، كما أنك تسمع الآراء والمعلومات المختلفة... تلك هي القيمة في الذهاب الى البوست وليس الجلوس هناك للكتابة.

* هل من قاعدة معينة تتبعها؟

ـ أحد المسؤولين عني قال لي ذات يوم، ان ما يجعل أي قصة تكتبها مميزة عن قصص غيرك هي تلك المكالمة الهاتفية الاضافية التي تجريها. دائما عليك ان لا تتوقف حيث يتوقف الآخرون وان تجري تلك المكالمة الاضافية، وأحيانا قد تكون 5 مكالمات. عليك أن تتحدث الى اكبر عدد ممكن من الناس، طالما ان هناك اشخاصا يقبلون التحدث معك فعليك ان تتحدث معهم. وهنا لا بد من الاشارة الى نقطة أخرى... لا بد ان تكون مستمعا جيدا. صحيح انني كاتب رأي الآن ولست صحافيا ميدانيا، ولكن الأمر ينطبق على الجميع... عندما الاحظ ان لدي زميلا مهتم اكثر بالتحدث من الاستماع اعلم مباشرة انه ليس صحافيا جيدا. وهنا تجدر الاشارة الى نقطة أخرى، دائما عليك الاستماع الى ما لا يقال... خصوصا مع المسؤولين الحكوميين لأنهم بشكل مستمر في اوضاع تحتم عليهم الامتناع عن ذكر امور معينة.

* وهل من «حيلة» تتبعها في التعامل مع المسؤولين الحكوميين؟

ـ أبدأ بسؤال يستطيعون الاجابة عليه. احد الاخطاء التي يقع فيها صحافيون كثر هي انهم يمضون وقتا طويلا في أسئلة متوقعة للغاية، علما ان ذلك مفيد أحيانا لأنك قد تحصل على اجابة غير متوقعة لسؤال متوقع، او أسئلة لا يمكن الاجابة عليها لأن المسؤولين لا يملكون الاجابات. واذا فعلت ذلك تكون قد اضعت فرصة سؤال جيد وكذلك جعلت المسؤول يتخذ وضعية دفاعية. لذلك عليك التركيز الى ما لا يقوله هؤلاء المسؤولين ومن ثم العودة الى سؤالهم عنه، او على الأقل تكون قد أدركت ما هي «المنطقة الحساسة» التي يتجنبون الدخول اليها... وقد تسأل آخرين، كخبراء او مقربين، عن سبب حساسية هذه المنطقة فيما بعد، وقد لا تصدق كم من الأحيان تكون القصة هي فيما لم يقال، وليس فيما قيل.

* هل لك سياسة معينة في ما يخص التوثيق والمصادر؟

ـ طبعا هناك قاعدة المصدرين، وايضا هناك سؤال جوهري لا بد أن تسأله دائما وهو «كيف علمت هذا؟»، فلا يكفي ان تحصل على معلومة من شخص ما وإنما عليك ان تعلم من اين حصل هو عليها، لأنك بذلك ستعرف تلقائيا مدى صحتها.

* ألا تشتاق للمراسلة الميدانية؟

ـ بما انني كنت مراسلا معظم حياتي اعتقد من الصعب علي التوقف عن هذه العادة، والواقع أنك لا تتوقف عن تأدية عمل المراسل لأنك في النهاية ما زلت تنفذ عملية جمع المعلومات والآراء رغم انك لا تستخدم سوى جزء منها في المقال على الرغم من ذلك فإنك تسأل اكبر عدد ممكن من الأسئلة. وأتذكر انني عندما عملت محررا للدوليات فإن أفضل المراسلين لدي كان من يسأل اكبر عدد من الأسئلة. ايضا، ككاتب رأي انا ربما أسأل اسئلة اكثر من أي مراسل ميداني لأنني بحاجة الى فهم اعمق قد لا يحتاجه هو في التغطية اليومية، لذلك اعتبر انني لم اتوقف عن المراسلة وإذا كان هناك كتاب رأي توقفوا عن ذلك فربما لأنهم كسالى.

* عملت مراسلا ميدانيا ومحررا للشؤون الخارجية وكاتب عمود، فأي الثلاثة منها تفضل؟

ـ لقد استمتعت بها كلها طوال فترة الـ 40 سنة التي عملت فيها في البوست، فصحيفتي هي مكان تستطيع فيه فعل كثير من الاشياء وهي تمنحك القدرة على اختبار مهاراتك. كنت قد عملت في الـ«نيويورك تايمز» مسبقا ولكنها في ذلك الوقت كانت «صحيفة محرر» وليس «صحيفة مراسل»، كما كان الحال في البوست، وأنا كنت اريد ان اكون مراسلا بشدة وبسبب بين برادلي (المحرر التنفيذي للبوست في ذلك الوقت) تركت النيويورك تايمز وانضممت للواشنطن بوست.

* لماذا ذكرت بين برادلي، ماذا جرى بينكما؟

ـ كنت اعمل في باريس مع النيويورك تايمز في أواخر العام 1965، وكان برادلي عين للتو محررا للبوست واعلن ان سياسته هي تحويلها من صحيفة محلية الى قومية بعد حصوله على موافقة من مالكة الصحيفة كاثرين غراهام بذلك، وبالمناسبة اعتقد انه عندما يكون ملاك الصحف عظماء فانهم يصنعون جرائد عظيمة، وذات مرة زرت واشنطن ودعاني صديق للتعرف على برادلي فما كان منه الا ان عرض علي وظيفة. وكان لقائي به مفيدا لي لأنه اوصلني الى حل احدى عقد حياتي وهي ايجاد شخص أريد العمل لحسابه حقا. قلت له «لا اعرف ان كنت أريد أن أترك التايمز»، فقال لي «تعال وجرب لسنة، وان لم يعجبك الامر فبامكانك ان تأتيني بعد عام وتشتمني». (يضحك ويضيف) وانا الآن بعد 40 عاما ازوره بين كل وفترة وأخرى وأقول له «توقع أن آتيك لأشتمك في أي لحظة».

* ختاما، لا بد من أن أسألك... لماذا لم تصبح رئيس تحرير للصحيفة؟

ـ أنا أشعر براحة أكبر كوني مراسلا وكاتبا... فمن أجل ذلك دخلت مجال الصحافة. أعلم أن كثيرين يريدون ان يصبحوا رؤساء تحرير، وسبق وعملت كمحرر للشؤون الدولية في الصحيفة، لقد كان ذلك عملا ابداعيا بحق ولكنه لم يكن ما يسعدني. في النهاية، انا سعيد بأنني استيقظ كل يوم وأجد شيئا جديدا لأقرأه في صحيفتي، «واشنطن بوست».

و كل ذلك بحسب المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر:الشرق الأوسط اللندنية-أجرى الحوار: فيصل عباس -16-5-2007