مع الذكرى الخامسة لرحيل الإمام الشيرازي(ر)

 

في ذكرى الراحل المرجع الشيرازي:  شرعنة حاجات العصر

الجالية الاسلامية في اوسلو تحي الذكرى الخامسة لرحيل الامام السيد الشيرازي

الجالية الإسلامية في مدينة مونتريال الكندية تحيي الذكرى السنوية الخامسة لرحيل المرجع الديني السيد محمد الشيرازي قدّس سره 

كربلاء المقدسة تجدد الذكرى الخامسة لرحيل الإمام الشيرازي

الوطن الكويتية : ديوان الشيرازي أحيا الذكرى الخامسة لرحيل الامام الشيرازي

الإمام الشيرازي في ذكراه الخامسة : افق متجدد وحاضر متألق

مدينة قم المقدسة تحيي الذكرى السنوية الخامسة لرحيل المرجع الديني الكبير آية الله العظمى السيد محمد الحسيني الشيرازي قدس سره

بيان معهد الإمام الشيرازي الدولي للدراسات في الذكرى الثالثة لرحيل الإمام الشيرازي(ر)

الإمام الشيرازي مايزال شمعة مضاءة تنير الطريق أمام صناع الفكر والحياة

الإمام الشيرازي والقضايا المعاصرة

الرجل الذي احتوى موسوعة الحياة

الراحل الكبير ومرارة التجربة

 

 

 

 

 

 

 

في ذكرى الراحل المرجع الشيرازي:  شرعنة حاجات العصر

نـــزار حيدر 

اذا كانت مهمة الفقيه، استنباط الاحكام من اصول الشريعة، بما يساعد الناس على الوقوف عند حدود الشرع والدين، في كل عصر ومصر، فلقد أبدع المرجع الراحل الامام الشيرازي بشكل منقطع النظير في هذه المهمة.

وبمراجعة متانية لاسفاره العظيمة التي ورثها للاجيال، نلحظ انه حاول جاهدا من اجل ولوج المساحات المتروكة واحيانا تلك التي حرم الكثيرون حتى التفكير بها، لاثارتها في تفكير الناس، من خلال البحث فيها واستنباط الحكم الشرعي لها.

لقد كانت منهجية الراحل المرجع الشيرازي، تعتمد اسلوب اثارة العقل في اقصى مدياته، ليفكر بما سيكون من حاجات الزمن القادم، فكان يطرح السؤال الجديد واحيانا (غير المعقول) {كما كان يصفه الجهلة من ابناء الامة، لعجزهم عن استيعاب ما كان يريد ان يقصده من وراء التفكير بالسؤال المطروح للنقاش فقهيا، ولذلك اتهم الراحل بتهم شتى، لان الناس اعداء ما جهلوا، كما تقول الحكمة}.

وتلك هي محنة العظماء مع الناس على مر العصور والازمنة، فلقد اتهم امير المؤمنين علي بن ابي طالب عليه السلام بنعوت شتى، كلما حاول ان يتكلم بما يشير الى قراءته للمستقبل، لان الناس عادة لا يستوعبون المستقبل بقدر استيعابهم للماضي او الحاضر كاقصى مدى.

لقد طرق الراحل ابواب كل جديد في الفقه الاسلامي، فلم يكن يكتفي بطرح الاسئلة الروتينية التي تجيب على حاجات عصره فحسب، وانما كان يحاول طرح اسئلة افتراضية (غير منطقية) في نظر الكثيرين، او غريبة على العامة والخاصة، لينطلق بالامة في تفكيرها من الحاضر الذي تعيشه الى المستقبل الذي لم يأت بعد، لتستعد له بوعي وبصيرة، وبذلك كانت محاولات الراحل توكيد حقيقة ان الاسلام دين لكل عصر ومصر، من خلال قدرته على استيعاب حاجات كل عصر، ليجيب عليها بموقف شرعي واضح، من دون الهرب منها، لعجز او ما اشبه.

وكلنا يتذكر، مثلا، البحث الذي طرقه الراحل بشأن الموقف الشرعي من زراعة الاعضاء للانسان، وبالتحديد زراعة الراس، وما هو الموقف الشرعي المترتب على الانسان الجديد.

لقد بحث الراحل هذا الموضوع الشائك يوم كان الناس حتى لا يحلمون بيوم يتطور فيه العلم الحديث ليصل الى تحقيق مثل هذا الامر، ولذلك سخر منه اناس وكذبه آخرون واتهمه غيرهم، لدرجة ان بعضهم وصفه بما وصف به رسول الله (ص) بالسحر والشعوذة والجنون.

لم يثن كل ذلك الراحل عن الاستمرار في هذا البحث ليقدم الموقف الشرعي من ذلك فيما اذا حصل الامر في يوم من الايام، لانه، وكما قلت، كان ينطلق ببحوثه الفقهية، من ايمانه العميق بان الاسلام دين لكل الازمنة، فلا بد انه قادر على ان يجيب عن حاجات كل عصر من دون استثناء، فالاسلام لا يمكن ان يقول لا اعرف اذا ما تحلى الفقيه بالشجاعة والكفاءة والقدرة والقابلية الذهنية التي تؤهله على استنباط ما يحتاجه الناس دائما وابدا.

ومرت السنين لتتحول زراعة الاعضاء، بما فيها الراس(في الحيوان حاليا) الى حقيقة علمية، لا يستغرب منها احد او ينظر اليها بنصف عين.

ذات الامر بالنسبة الى موضوع الولادة بالانابيب والصلاة في الفضاء والسبل الكفيلة بمعالجة الزحام في موسم الحج الى بيت الله الحرام، ما يجعله يستوعب 10 مليون حاج ومعتمر، من خلال الاجتهاد في تنظيم اعمال الحج والعمرة، وغير ذلك الكثير.

ولست هنا في معرض ذكر ما ابدع فيه الراحل على هذا الصعيد، فان ذلك بحاجة الى استنساخ نصف كتبه وموسوعاته الفقهية، وهو الامر الذي يضيق فيه المقال والمقام، الا انني احاول الاشارة فقط الى نماذج منها، متمنيا على الباحثين عن الحقيقة، مطالعة كتب الراحل وبحوثه، للوقوف على ما قدمه من خدمة عظيمة للاسلام، من خلال ما طرقه من ابواب شتى.

لقد شرعن الراحل المرجع الشيرازي، حاجات العصر بامتياز، فتميز بابواب لم يطرقها فقيه من قبله، فطرق باب السياسة وعلم الاجتماع والعمل الحركي ومجموعة القيم والمبادئ التي تقوم عليها الدولة والسلطة، مثل الحقوق والانتخابات والديمقراطية وادواتها وتداول السلطة وحق الاجيال في كنوز الارض، وهو الامر الذي يتصارع عليه الناس في هذا العالم، والذي يعد سبب الكثير من الحروب المدمرة.

بعبارة اخرى، فان الراحل بذل جهدا عظيما من اجل احياء البعد الاجتماعي من الاسلام، بعد ان اقصره الآخرون على البعد الفردي فقط، بسبب الظروف السياسية القاهرة التي مر بها الفقهاء والحوزات العلمية الدينية، الا ان الراحل تحدى المعوقات السياسية والامنية، كما تحدى ظاهرة التحجر في الفكر التي شاعت في الامة وعند الكثير من العلماء والفقهاء والباحثين، ليناقش القضايا التي تخص الانسان ــ المجتمع، وليس الانسان ــ الفرد فقط، فبحث السياسي والاجتماعي والحركي والاقتصادي والحقوقي والسلطة والحرية والحقوق والواجبات والحكم والبيئة والعولمة واللاعنف، وكل شئ، لايمانه بان البعد الاجتماعي في الاسلام اهم بكثير من البعد الفردي، الذي هو عبارة عن علاقة بين العبد وربه، اما البعد الاجتماعي، فهو العلاقة اليومية بين بني البشر، وهو مقياس دين الناس والتزامهم بشرع الله تعالى، كما ورد في الحديث الشريف عن رسول الله (ص) {الدين المعاملة} والتي ارادها الاسلام ان تكون حسنة وعلى احسن ما يرام، ولذلك نرى القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة وسيرة اهل البيت عليهم السلام، اهتمت بهذا الجانب اضعاف اهتمامها بالجانب الاخر، لان الهدف الاسمى للاسلام هو بناء مجتمع منسجم قائم على اساس الحرية والاحترام المتبادل والاخوة والتكافل الاجتماعي، والا ما قيمه افراد (خيرون ومقدسون) غير قادرين على العيش المشترك السليم؟.

انطلاقا من هذا الفهم لرسالة الاسلام، عاش الراحل هاجسه في شرعنة مقومات بناء مثل هذا المجتمع المتآخي القادر على ان يعيش بوئام وانسجام، لا يظلم فيه احد، ولا معنى فيه للطبقية السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وان كل الناس فيه متساوون في الحقوق والواجبات، وامام القانون، لا فضل فيه لأبيض على اسود ولا لعربي على اعجمي ولا لرجل على امراة الا بالتقوى التي تعني (حسن الاداء) من خلال الخوف من الله في السر والعلانية.

كما تصدى الراحل للرد على الشبهات التي تثار عن سماحة الاسلام ورحمة المشرع وانسانية الدين، خاصة تلك التي تستغل موضوع القصاص لتشويه سمعة الاسلام، فافرد مجلدات كاملة لتوضيح فلسفة الحدود والقصاص، مبينا بمنطق عال ولسان بليغ وقلم سيال، شروطه الاجتماعية والفردية التي لا يجوز انزال القصاص بالمذنب اذا لم تكن متوفرة، ما يعني ان الاسلام وضع العديد من الشروط كقوة ردع للفرد قبل ان يحاسبه الشرع على الذنب، بمعنى آخر، فان مسؤولية المجتمع والحكومة ازاء الفرد مقدمة على القصاص، ومن الواضح فاذا تحققت كل شروط العيش الكريم للفرد في المجتمع الاسلامي في ظل حكومة عادلة، فان الذنوب الاجتماعية والفردية ستقل وربما ستختفي من المجتمع، وبالتالي فسوف لن يكون مثل هذا المجتمع بحاجة الى ان يشهر سيف القصاص ليل نهار بوجه الخارجين عن القانون.

ولهذا السبب حصرا، نسي الخلفاء حدود الكثير من الجرائم، لانها اختفت من المجتمع لفترة زمنية طويلة، وعندما وقعت ذات مرة جريمة (منسية) اختلف الفقهاء والخليفة في حدها، لانهم لم يحكموا بها منذ مدة طويلة من الزمن.

بعبارة اخرى، فان قوانين القصاص هي قوة ردع للجريمة، فهي تقي المجتمع من الجريمة قبل وقوعها، كما ان شروطها تعالج الاسباب قبل حدوث الجريمة.

بقي ان نشير هنا الى موضوع هام جدا كان الراحل قد تحدث وكتب فيه كثيرا، ذلك هو موضوع اللاعنف، فلقد شرعن الراحل نظرية اجتماعية متكاملة تحقق السلم الاهلي والدولي، من خلال معالجات دينية وحضارية وانسانية، جذرية، لظاهر العنف والارهاب، وللاسباب السياسية والاقتصادية والاجتماعية والتربوية، المحلية والعالمية، التي تغذي ظاهرة العنف والارهاب.

كما انه نظر لنظرية العولمة التي تشغل بال البشرية، خاصة الدول الفقيرة، فتاه الناس بين رافض بالمطلق لها، وبين قابل بالمطلق بها، اما الراحل فقد خط في موقفه طريقا وسطا، من خلال رؤى الاسلام ومصادره الاربعة، القرآن الكريم والسنة الشريفة والعقل والاجماع.

 

 

الجالية الاسلامية في اوسلو تحي الذكرى الخامسة لرحيل الامام السيد الشيرازي

  

مهرجان تابيني في حسينية ام البنين

حجة الاسلام صادقي : الامام المرجع الشيرازي كان معجزة عصره وعلينا ان نتزود من انواره المحمدية

العلامة السيد جعفر الشيرازي : على الجالية الاسلامية ان تعرف الغرب بمبادئ الاسلام الصحيحة وتطلعهم على مدرسة اهل البيت عليهم السلام

احيت الجالية الاسلامية في العاصمة النرويجية اوسلو ، الذكرى الخامسة لرحيل الامام المجاهد اية الله العظمى السيد محمد الحسيني الشيرازي ، واقام مركز الهدى الثقافي " حسينية ام البنين " مهرجانا تابينيا بهذه المناسبة ،  القي فيه عدد من الشخصيات العلمية والفكرية الكلمات التي تناولت سيرة المرجع الديني الراحل ومكانته العلمية وتقواه وورعه وانجازاته في مختلف الميادين ، وكان من المشاركين في احياء هذا الحفل التابيني ، سماحة حجة الاسلام الشيخ الصادقي وهو من رجال الدين الافغان ، وذكر في كلمته المعاني الجليلة لمدرسة الامام الشيرازي الجهادية ، ووصفه بانه بحق معجزة من معاجز العصر الحالي بما قام به من انجازات علمية وفقهية وانجازات في استقطاب الالاف من شباب الامة وتحويلهم الى رجال فاعلين مازالوا يقومون باداء مهامهم الرسالية ويفتخرون انهم كانوا بعضا من عطاء السيد المرجع الشيرازي في بعث الهمة في نفوس الامة وفي قلوب شبابها ، واشار سماحة حجة الاسلام صادقي الى صحبة والده لشقيق المرجع الراحل الشيرازي وهو اية الله السيد حسن الشيرازي الذي اغتالته مخابرات النظام البعثي العراقي عام 1979 ، وقال في هذا الشان  انه عرف هذه الاسرة المباركة المجاهدة مما نقله له والده عن الشهيد السعيد اية الله السيد حسن الشيرازي الذي كان هو الاخر مدرسة من مدارس العلم والجهاد ، وقال في نهاية كلمته ان الامة يجب ان تغترف من معين سيرة هذا المجاهد والعالم الرباني لانها ستجد فيها منهاج عمل وحياة في مواجهة المخاطر والاعداء واخذ الدروس في عمليات البناء والتقدم.

وقال سماحة الشيخ الصادقي " ان سماحة السيد المرجع المجدد الشيرازي كان مظلوما في حياته ،  ونحن اليوم نظلمه وذلك باننا لن نعطي سماحته حقه في تعريف الامة  بعلمه الزاخر وعمله الدائب وانجازاته الكبرى ، اذ يجب علينا  ان نقيم المؤتمرات والندوات عن حياة هذا المرجع العظيم وذلك ليطلع العالم كم كانت خسارتنا كبيرة وعظيمة بفقد المجدد الشيرازي .وايضا نعطي فرصة للمجتمعات الغربية ليطلعوا على افكار المجدد الراحل وان يتنوروا  من هذا الفيض المحمدي الغزير بعلومه وافكاره وارائه الجميلة " وقال اشيخ الصادقي "  واني لدي وكالات من عدة مراجع عظام لكني لم أر ولم التق  بمثل اية الله العظمى المجدد الشيرازي قدس سره .فعلينا ان نوصل افكار سماحته للعالم وان نترجمها وبذلك نرد جزء بسيطاجدا من افضاله علينا "

كما القى سماحة العلامة السيد جعفر الشيرازي ، كلمة في هذا الحفل التابيني ، وذلك من خلال اتصال تلفوني نقل في مكبرات الصوت للحضور ، تحدث عن والده الراحل الامام الشيرازي وكيف كان لايترك اية شواغر في حياته بل وكان يسعى للعمل والعطاء في جل اوقاته ، اذا كانت الامة حاضرة بهمومها ومشاكلها والمخاطر المحدقة بها ، كلها حاضرة عنده لذا كان عطاؤه متنوع الابعاد غي الانتاج العلمي الغزير وفي بناء المؤسسات وفي مد الجسور مباشرة مع جميع شرائح الامة من مثقفين وطلبة وكسبة وسياسيين ورجال دين وغيرهم ، كما تحدث سماحة السيد جعفر الشيرازي عن دور الجالية الاسلامية في الغرب وضرورة الافادة من الامكانات المتاحة لنشر الفكر الاسلامي الاصيل وتعريف الغربيين بمدرسة اهل البيت عليهم السلام ، كما دعا الى ضرورة ان تكون مآسي ابناء الشعب العراقي والمذابح التي يقترفها الارهابيون بحق اتباع اهل البيت عليهم السلام حاضرة في وجدان وشعور كل واحد ما ابناء الجالية الاسلامية في الغرب وخاصة اتباع مدرسة اهل اليبت  وخاصة العراقيين منهم ، للعمل على فضح صور الارهاب والقتل التي تتم باسم الاسلام والوطن كذبا وزوا ، ونوه الى الدور الاعلامي المطلوب من الجالية الاسلامية للعمل به لتعريف الغربيين بمبادئ الاسلام الحنيف وبمبادئ مدرسة اهل البيت وليعرفوا عن قرب من هم الشيعة وماهو التشيع وكيف ان مدرسة التشيع هي اول ضحايا الارهاب وضحايا قمع الطغاة واعوانهم . ونوه سماح العلامة السيد جعفر الشيرازي الى الدور الذي تقوم به قناة الانوار اليت كانت وصية من وصايا الامام الراحل الشيرازي ، حيث ساهمت في تعريف الملايين بمدرسة اهل البيت وعطاء هذه المدرسة للبشرية ونعريف هذه الملايين بقضية الحسين عليه السلام التي تعتبر انقاذا حقيقا للبشرية وليس للمسلمين والغربيين من سيطرة قوى الشر والظلام على مصير الانسانية ، اذا كانت قضية الحسين المدرسة الاولى لتعليم البشرية الذود عن حياض السلم ورفض الظلم والاستبداد . كما نوه سماحة العلامة السيد جعفر الشيرازي بالدور الذي تقوم به اذاعة صوت العراق في بغداد للدفاع عن استقلال العراق وعن وحدته وتعطي نموذجا للاعلام الصادق المصطف الى جانب القضايا التي تهم المواطن العراقي سياسيا وفكريا واجتماعيا ، وقال بان هذه الاذاعة اسسها رجال تتلمذوا لافي مدرسة الامام الشيرازي وتاثروا بارشاداته وتوجيهاته ومطالبته الحثيثة للعمل من اجل الامة وليس مراقبة الاحداث والاكتفاء بالاعذار والتبريرات ، وهنذه الاذاعة تاسست بعد شهرين من سقوط نظام الطاغية صدام ومازالت تواصل مهامها الاعلامية رغم التهديات المستمرة واغتيال احد مراسليها في بغداد الاسبوع الماضي .

 كما القى الاستاذ تحسين البدر كلمة اشار فيها  الى تاثير مدرسة الامام الشيرازي في حياة الامة سواء في العراق او في خارجه ، وتعرض الى  بعض من ابعاد مدرسته العلمية التي تميزت بالعطاء الزاخر سواء في مجال الفقه الذي تميز برفد الاجتهاد الفقهي بمائة واربعين مجلدا ، تناول فيها جميع الامور الحياتية من ادارة وسياسة واقتصاد وبيئة واجتماع ، بخلاف اكثر من الف ومائتي كتاب في مختلف القضايا العقائدية والحياتية ، واشار الاستاذ تحسين البدر الى انجازات الامام الشيرازي الراحل في تحويل النظرية الى تطبيق وواقع  من خلال اقامة وانشاء المئات من المؤسسات الخيرية والفكرية والدينية التي انتشرت في عموم دول العالم وليس في العراق وايران والكويت وافغانستان وباكستان والسعودية والبحرين .

ثم القى السيد جعفر القصير كلمة تناولت السيرة العطرة لعائلة الشيرازي وجهادها عبر التاريخ المعاصر من اجل حماية الامة من قوى الاحتلال او من الانظمة المتسلطة ، واشار القصير في كلمته الى ان التصدي المبكر للمرجعية لسماحة الامام الراحل وهو في سن الثلاثة والثلاثين زاد من الاعباء والمهام الجسام التي قام بادائها على اكمل وجه .، ونقل القصير في كلمته بعضا من السيرة  العطرة للمرجع الراحل في اخلاقه وصبره وكرمه .

ثم القى  السيد قيس اميري  قصيدة في رثاء السيد الامام الشيرازي الراحل ، نظمها  اية الله السيد مرتضى القزويني والتي يحكي فيها صورا من صحبته للفقيد قدس سره ، وصورا من تقواه وورعه وجهاده وما لقيه من محن ومصائب وتهم وافتراء من حاسديه ومن اعدائه ، وكيف التزم الصبر ولم يرد على اي واحد منهم  كما القى الشاب عبد الله البحراني  كلمة في المناسبة تطرق فيها الى جوانب من حياة سماحة الامام الشبيرازي الراحل ودوره على صعيد حثه المستمر للشباب على العمل والتاليف والخطابة . ورعايته للشباب وحثهم على العمل في  الميادين السياسية والأجتماعية وخصوصا في بلاد المهجر وذلك لايصال صوت الحق صوت اهل البيت عليهم السلام الى الاوروبيين، وقال ان  سماحته كان يحث على دخول ساحة الاعلام والعمل بها وذلك لوجود حرية اكبر واوسع ..

وفي ختام الحفل تم قراءة زيارة الحسين عليه السلام وتقديم الافطار للحضور.

المصدر: إباء

 

 

 

 

 

 

الجالية الإسلامية في مدينة مونتريال الكندية تحيي الذكرى السنوية الخامسة لرحيل المرجع الديني السيد محمد الشيرازي قدّس سره 

 

تحت شعار: تخليداً للعلم والعلماء أحيت الجالية الإسلامية في مدينة مونتريال الكندية الذكرى السنوية الخامسة لرحيل المرجع الديني الكبير آية الله العظمى السيد محمد الحسيني الشيرازي قدس سره بإقامة حفل تأبيني في حسينية الحوراء زينب سلام الله عليها يوم الجمعة الموافق للسادس والعشرين من شهر رمضان المبارك 1427 للهجرة (20/10/2006 م) بحضور جمع من المؤمنين, والأساتذة, والعلماء ومسؤولي المراكز والمؤسسات الإسلامية.

وكانت فقرات الحفل كالتالي:

1/ آيات بينات من الذكر الحكيم, تلاها الأستاذ أبو عقيل الشكرجي.

2/ كلمة قيّمة للدكتور الأستاذ الحاج أبو ميثم تطرّق فيها عن حياة المرجع الراحل, وتعامله ومشاريعه ومؤلفاته وقال:

لا أستطيع التحدّث عن شخصية فذّة كالمرجع الراحل رحمه الله في دقائق معدودة.

3/ كلمة ممثل المجلس الشيعي الأعلى في لبنان وإمام المركز الإسلامي اللبناني سماحة العلاّمة السيد نبيل عباس تحدّث فيها عن شحصية السيد المجدّد الشيرازي الثاني قدس سره، وكيف أن الأمة بحاجة إلى قادة وشخصيات كالسيد الراحل، وأن خسارته خسارة للناس كافّة.

كما أكّد ضرورة الاستفادة العملية من فكر وسيرة ومنهج الفقيد السعيد.

4/ كلمة لسماحة حجة الإسلام والمسلمين الشيخ عبد الأمير المطوري من النرويج قال فيها:

إنّ المرجع الراحل قدس سره لم يكن لفئة أو لجماعة أو لحزب أو لبلد معيّن. بل كان للبشرية جمعاء وللإنسانية كلّها. ويعدّ فقدانه خسارة عظيمة لبني البشر كلّهم.

5/ أبيات شعرية ورثاء ألقاها الشاب أحمد الحلاّق الوزني، كان منها:

هلال شهر العيد هلَّ بأحـزانه

والدمـوع تفــيض مــن أجـفانه

وهي من كلمات الشاعر الأديب الحاج محمد علي النادب الكربلائي.

6/ (من وحي المناسبة) عنوان كلمة قيّمة ألقاها الدكتور السيد خليل الطباطبائي مدير مؤسسة الإمام الحسين سلام الله عليه أشاد فيها بشخصية السيد الشيرازي الراحل قدس سره، وكيف أنه خلّف ذريّة طيّبة،وهم مابين خطيب ومؤلِّف وفقيه.

كما تحدّث أيضاً عن الجهود الإعلامية والثقافية ونشر الوعي التي قام به السيد الفقيد في الستينيات كإصدار المجلات، وعقد الندوات الثقافية وتأسيس المدارس الدينية والإذاعات الإسلامية.

7/ كلمة رائعة لفضيلة حجة الإسلام والمسلمين الشيخ جلال معاش، تحدّث فيها عن ثلاثة محاور:

1/ الجانب الابداعي للسيد الشيرازي الفقيد في مؤلفاته وكتاباته، ومنها على سبيل المثال : فقه العولمة, فقه المرور, فقه البيئة, فقه الإعلام, فقه الأسرة, فقه الحقوق, وفقه فلسفة التاريخ.

2/ نظرته قدّس سره إلى الغرب، حيث كان يحفّز المؤمنين على الهجرة إلى البلاد الغربية لنشر فكر أهل البيت سلام الله عليهم. وكتب في هذا المجال كتباً عديدة، منها:

كيف يمكن نجاة الغرب؟, والغرب يتغير. حيث أشار أعلى الله مقامه إلى تنبُّئه بسقوط الشيوعية في الاتحاد السوفياتي في كتابه (ماركس ينهزم).

3/ الإعلام: كان السيد االفقيد رحمة الله عليه يحث على ضرورة تأسيس القنوات الفضائية لنشر فكر أهل البيت وعلومهم سلام الله عليهم في العالم. وقد تحقّق طموحه بعد وفاته عن طريق أتباعه والسائرين على نهجه, حيث تمّ تأسيس قناة الأنوار, وقناة سلام, وقناة الزهراء سلام الله عليها، باللغات العربية والإنجليزية والفارسية.

هذا وقد اختتم الحفل بقراءة سورة الفاتحة على روح السيد الفقيد والمراجع الماضين رحمة الله عليهم، والشهداء، والدعاء بتعجيل ظهور مولانا المفدّى الإمام المهدي المنتظر عجّل الله تعالى فرجه الشريف.

يذكر، أن صحيفة (صدى المشرق) التي تصدر في كندا باللغة العربية كانت قد أصدرت إعلاناً عن إقامة الحفل، في عددها (202) الصادر في 18/10/2006 للميلاد.

المصدر:إباء

 

 

 

 

 

كربلاء المقدسة تجدد الذكرى الخامسة لرحيل الإمام الشيرازي

 

تخليدا لذكر العلماء المجاهدين وعرفانا بجميل مآثرهم ومواقفهم الجهادية على ساحة العلم والعمل ، وإحتفاءً بالذكرى السنوية الخامسة لرحيل المجدد الثاني الإمام السيد محمد الحسيني الشيرازي"أعلى الله درجاته" وبحضور العديد من ممثلي المراجع الدينية ومحافظ كربلاء وأعضاء في مجلس المحافظة ووفود دينية وسياسية وعشائرية من مختلف المدن العراقية وجمهور غفير من أهالي كربلاء وزوارها، أقامت مؤسسة الرسول الأعظم "صلى الله عليه وآله" الثقافية في مدينة كربلاء المقدسة ، مساء الأربعاء 1/11/2006 مهرجانا تأبينيا كبيراً.

افتتح المهرجان الذي أقيم بين الحرمين المطهرين الحسيني والعباسي تحت شعار "الإمام الشيرازي أفق متجدد وحاضر متألق" بتلاوة القرآن الكريم ، ثم توالت الكلمات التأبينية والقصائد الرثائية ممجدة النبوغ العلمي والأخلاق الرفيعة والعطاء الكريم وحالة الذوبان بحب وموالاة أهل البيت الطاهرين"عليهم السلام" والتمسك بمنهجهم الإصلاحي وبقية الخصال الحميدة والخصائص الذاتية العالية التي تفرد بها الإمام الشيرازي الراحل"رضوان الله عليه".

المصدر:إباء

 

 

 

 

 

 

 

الوطن الكويتية : ديوان الشيرازي أحيا الذكرى الخامسة لرحيل الامام الشيرازيالوطن الكويتية : ديوان الشيرازي أحيا الذكرى الخامسة لرحيل الامام الشيرازي

 

كتب عباس دشتي :

المشاركون أشادوا بعمله ووصفوه بنعمة وهبها الله للبشرية 

أحيا ديوان السيد الشيرازي في بنيد القار الذكرى الخامسة لرحيل المرجع الديني سماحة السيد محمد الحسيني الشيرازي، الذي وافاه الاجل المحتوم في الثالث من شهر شوال عام 1422هجرية بمدينة قم المقدسة ، حيث تطرق المشاركون في حفل التأبين الى مكانة العلم والعلماء واثرها في تحقيق الكثير من التنمية والتطور وخاصة العالم الجليل والفقيه الجلي.

حضر الحفل النائبان صالح عاشور وعدنان سيد عبدالصمد ووزير الدولة لشؤون مجلس الامة عبدالهادي الصالح ود.فاضل صفر عضو المجلس البلدي والقائم بالأعمال بالسفارة الايرانية ابوالقاسم شعشعي والمستشار الثقافي بالسفارة الايرانية وعدد من رجال الدين ووكلاء المراجع العظام والسيد محمد باقر المهري والسيد صباح شبر وعدد كبير من المؤمنين.

وقال عبدالحسين سلطان ان الله تعالى حدد موقع المجاهدين والصادقين في القرآن الكريم، وكما قيل فان العلماء ورثة الانبياء، ولكن الامة الاسلامية لم تقدر مكانة وفضائل العلماء والفقهاء، مع ان العلماء نعمة من الله تعالى على المسلمين، بيد ان المسلمين لم يقدروا هذا الدور الكبير.

وأشار الى ان الفقيد السيد محمد الشيرازي يعتبر احد النعم التي وهبها الله تعالى للبشرية حيث قام بالعديد من الاعمال في سبيل الانسانية من تأليف وافتاء في مجال العلم والاجتماع وغيرها، مشيرا الى انه لا يمكن استعراض كل مناهج وخطط السيد الشيرازي في هذه العجالة. ولكن يمكن التطرق الى المشروع العالمي الذي تبناه المرجع الفقيد ألا وهو مشروع انقاذ الامة من الظلم والديكتاتورية، فأينما حل كان همه نشر الاسلام وكان هدفه التصدي الشامل للظلم، كما اهتم بالتأليف حيث وصلت مؤلفاته الى اكثر من 1200 كتاب بكافة المستويات للعلماء والفقهاء والمسلم العادي ودعا الى الكثير من المجالس الحسينية، وتحلى السيد الفقيد بالاخلاق العالية.

العمل والإيمان

واوضح الشيخ محمد جمعة بانه يمكن القول ان الاسلام جاء ليربط بين العلم والعمل وبين الايمان والعمل، وجعل العمل الثمرة المترتبة على العقيدة والايمان، مشيرا الى انه لا يمكن للانسان ان يصل الى مرضاة الله تعالى دون العمل والتقوى ذلك ان مرضاة الله رابط بين العمل والايمان.

ونوه بأن القرآن الكريم عبر عن ظاهرة العمل وعلاقته بالبركة وردود الفعل من الانتفاع والعطاء، كما كان سيدنا عيسى عليه السلام يشفي المرضى ويبرئ الاكمه ويحيي الموتى، وعليه كان سيدنا عيسى عليه السلام مباركا، وكذلك السيدة الزهراء عليها السلام والتي ملأت الدنيا عطاء ونماء رغم عمرها الصغير فكانت قمة الهرم واحدى نماءات وعطاءات الرسول الاكرم صلى الله عليه وآله وسلم الذي قال «الزهراء بضعة مني».

واورد الشيخ محمد جمعة بان السيد الفقيد عاش حياة مشتركة من المسيرة العلمية والاجتماعية والسياسية والاخلاقية، واصبح لديه في كل واد كلمة وكل باب وجود ومن الصعب ان تجد رجلاً بهذه الموسوعية التكاملية في كافة المجالات، كما خلف السيد تركة كثيرة من المؤلفات بكافة الميادين، كما انه كان يشجع على التأليف وترك ابناء من ذوي التعلم والفقه والثقافة والفضل، وخلف توسعات تربوية وانسانية ولجانا خيرية اضافة الى الصروح العلمية الموزعة بكافة بقاع العالم، ولا ننسى البصمة الاجتماعية التي صنعها بعد دخوله الكويت هربا من حكم صدام حسين، واتسمت البصمة الاجتماعية في اكثار المجالس الحسينية، حيث كان يوجد المؤمنون في خطب الجمعة اسبوعياً حول المجالس الحسينية من اجل تثقيف الابناء وتحصينهم عقائدياً.

وشارك الشاعر محمد حسين القزويني بأبيات من الرثاء.

وكان السيدان احمد الشيرازي ومرتضى الشيرازي في استقبال المعزين وتوديعهم.

 وذلك بحسب المصدر نصاً .

المصدر : إباء – 29-10-2006

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الإمام الشيرازي في ذكراه الخامسة : افق متجدد وحاضر متألق

 

مرتضى معاش*

الإمام الشيرازي في ذكراه الخامسة : افق متجدد وحاضر متألق

مع حلول الذكرى الخامسة لرحيل المجدد الثاني الامام السيد محمد الحسيني الشيرازي (قدس سره) ترتسم على دروب الواقع المعاصر آفاق المشروع الحضاري الانساني لهذا الراحل العظيم ميدانيا ومعنويا. حيث يتجدد هذا الافق رغم نهاية الجسد بعطاء مستمر وتألق حاضر عبر افكاره ومشاريعه التي خطها طوال مسيرته الجهادية الكبيرة.

ليس الحديث عن الإمام الراحل السيد محمد الحسيني الشيرازي (قده) حديثاً عن فترة تاريخية قصيرة، انتهت يوم رحيله عنّا، بل هو حديث عن تاريخ سيال تترابط فيه عناصر الماضي والحاضر لتمتد إلى المستقبل.. فالعظماء هم الذين يصنعون التاريخ ويرسمون بأناملهم آفاق المستقبل مما يجعل تألقهم حاضرا دوما.

والإمام الشيرازي الراحل هو إرادة فذة اخترقت قيود التاريخ المفروض ليكتب لنفسه تاريخاً مميزاً ومختلفاً تكاملت فيه كل صفات الإنسان الحر والمؤمن والمجاهد في زمن كان كل شيء فيه يسير ضده ويتآمر عليه ويخطط للقضاء عليه ولازال التآمر عليه وعلى تياره موجودا رغم مرور خمس سنين على رحيله المؤلم.

 لقد كان تاريخه معركة حامية خاضها بقوة التحمل والصبر والاستقامة دون أن تستثيره نوازع الغضب والانتقام والضعف. فربح معركة التاريخ عندما رحل شامخاً لم يرض بالذل والعبودية ولم يستسلم لأهواء الصفقات والمساومة والانتهازية، وهكذا فإن الإرادة الفردية تسطر ملحمة خالدة عندما تنتصر بموتها على أعدائها كما انتصر الإمام الشهيد الحسين (ع) في كربلاء.

لا نغالي إذا قلنا أن الإمام الراحل أصبح تاريخاً مميزاً كتبه بنفسه، ذلك أنه (قده) صنع مشروعاً إنسانيا شاملاً تتكامل فيه كل العناصر اللازمة لخلق حقبة زمنية مختلفة ومنتزعة من التاريخ الروتيني العادي. فشمولية مشروعه ذاتياً واجتماعياً وسياسياً وحضارياً هي التي توجب علينا كحملة أقلام أن نصفه بصانع التاريخ. لذلك فإننا عندما نقرأ التاريخ الإنساني ونستلهم منه العبر فإننا نقرأ في فترات زمنية معينة كان فيها لأفراد وأمم أداؤهم الإنساني الواضح والمؤثر.

وقد كانت قوة إرادته (قده) تنبع من إيمانه العميق بالله سبحانه وتعالى وقوة توكله الكبير عليه حتى كان هذا التوكل يتحول إلى شجاعة غريبة تتجاوز حسابات الخوف والمصلحة، إذ مع إحساسه بالتكليف الشرعي لأي قضية معينة كان هذا التكليف يتحول إلى موقف صلد لا يتنازل عنه في مطلق الأحوال.

ومن خلال هذه الإرادة الكبيرة برزت عند الإمام الشيرازي الراحل (قده) صفتان تميز بهما على طول الطريق، الأولى هي الثقة الكبيرة بالنفس وهي ثقة استوحاها من ثقته بالله عزوجل، حتى أن تطلعاته الكبيرة وطموحاته الواسعة كانت تدهش البعض، مثل طموحه للأمة الإسلامية الواحدة، أو سعيه لتطبيق شورى الفقهاء، أو تطلعه لإنقاذ الغرب ونجاته، وهو في كل ذلك كان يرى أن الثقة بالذات هي مفتاح الوصول والنجاح، إذ كان يحسن الظن بالله كثيراً، لذلك تحقق الكثير من مشاريعه وطموحاته بفضل ثقته الكبيرة بالله تعالى.

الثانية: أنه لم يعرف شيئاً اسمه المستحيل، فقد كان يتحرك بكل طاقاته لتحقيق أي هدف يؤمن به، وكان سره في ذلك إيمانه بأن الله أودع في الإنسان طاقات كبيرة قادرة على تجاوز المستحيل وتحقيق المعجزات، لو آمن الإنسان بذلك وسعى غاية سعيه. وقد كان بعض المستحيل الذي حققه هو التراث العلمي والثقافي الكبير الذي خلّفه، حيث تجاوزت مؤلفاته الألف ومئتي مؤلف منها، موسوعته الفقهية الضخمة التي تجاوزت المئة وخمسين مجلداً، وهي بذلك تعد أكبر انجاز فقهي في التاريخ الإسلامي أنجزه فرد واحد في مختلف العلوم والموضوعات.

وتظهر شمولية مشروع الإمام الشيرازي الراحل (قده) من خلال ذلك الدور القيادي الذي تصدى له، فلم يكتف بالدور المرجعي المتمثل بعملية التقليد، بل كان دوره قيادياً يسعى لتحقيق الإصلاح ورفع عناصر الانحراف والتخلف عبر الجهاد والتنظيم والتوعية والبناء، وهو بذلك لم يسع إلى منصب سياسي أو سلطة حكومية (مع أن ذلك تهيأ له في مرات عديدة لكنه رفضها)، بل كان دوره أكبر من أن يكتفي بإنجازات الحاضر بقدر ما كان يسعى لبناء المستقبل عبر إصلاح الحاضر وتوفير النموذج الصالح للامتداد.. كان بقيادته الإصلاحية ينظر إلى بناء تراكم تاريخي للأمة يهدف إلى عملية النهوض التدريجي عبر الوعي والعلم والتثقيف ورفع مستوى التفكير والإدراك عند الأمة.

وتظهر أهمية مشروعه الحضاري الشامل وتصديه القيادي، في علاقته الاستراتيجية العميقة مع الجماهير، فلم تكن علاقة عادية تقتصر على وجود دور المرجع والمقلد بل كانت هذه العلاقة تقوم أساساً على التربية الأخلاقية والثقافية والارتباط العقلي والعاطفي القائم على الولاية والمحبة، فكل مقلد من مقلديه كان تلميذاً في مدرسة الإمام الشيرازي انتهل من علومه وأفكاره، فأصبح بدوره مؤسسة تقوم بدورها الشرعي والتبليغي والاجتماعي أينما وجد هذا المقلد. لذلك كان الشيرازي موجوداً في كل مكان من العالم، لأن أتباعه وتلامذته ومقلديه كانوا يشكلون امتداداً فكرياً وسياسياً واجتماعياً، وهذا هو أحد معاني الشمولية.

لقد شكل الإمام الشيرازي(قده) نموذجاً فريداً في عصره والعصور التي سبقته فقد طرح في مشروعه الشامل أفكارا تكاد تكون إبداعية في لغة طرحها، وانسجامها بين الدين والعصر فشكلت فكرة الحرية هاجساً ذاتياً متحركاً في مشروعه فكريا وأخلاقياً وشخصيا. اذ كان يعتبر أن معركته الأساسية هي الحرب المستمرة ضد الاستبداد والاستعمار، وأن الحرية هي المبدأ الأول الذي يجب أن ينطلق منه المشروع التغييري والإصلاحي للأمة، فكان جهاده مستمراً ضد الطغاة في كل البقاع التي ذهب إليها من أجل توعية الأمة بهذه الحقيقة التي يتوقف عليها مصيرها، لقد كانت الحرية متشربة في ذاته وقلبه وفكره حتى أصبح ذلك المتحرر الذي يرفض بشكل مطلق أن تفرض عليه القيود والأغلال. فلم يرضخ لأهواء المساومة التي كانت تعرض عليه اغراءً أو تهديداً، فتمرد على الطغاة ورفض منطق الاستغلال والاستعباد وإن كبلوا حركته وجسده، لكنه بذكائه ونضجه وعقليته المعرفية الواسعة كان يتخلص من هذه القيود ويفتح لنفسه آفاقاً جديدة ينشر منها مشروعه الحضاري. فقد كان (قده) أقوى من العبودية و الاستبداد لأن الأحرار هم السادة والحكام على قلوب الناس بعبوديتهم المطلقة لله سبحانه وتعالى.

ويمكن أن نقول عن حركة الإمام الشيرازي (قده) أنها مشروع حضاري شامل لأنه كان مشروعاً ناضجاً قام على الفهم الصحيح والوعي السليم والحركة العقلانية، والأهم من ذلك هو تجسّد المشروع الحضاري بشكل عملي على أرض الواقع، وهذا الأمر هو الذي يعطي حركته الصدقية والواقعية في مبادئها وأهدافها. إذ نرى الإمام الشيرازي الراحل كان يمثل تجسيداً عملياً وواقعياً لأهم المبادئ التي رفع رايتها بشكل متواصل وهو مبدأ اللاعنف والسلم.

إن مشروع الإمام الشيرازي (قده) الشامل ارتكز على محور اللاعنف مبدءاً وفكراً وسلوكاً، ورفض العنف جملة وتفصيلاً، وهذا هو الذي يجعل هذا المشروع الشامل أوسع من الزمان والمكان ليشغل حيز كبيرا من التاريخ الحاضر والمستقبل.

لقد كان الأفق والرؤية التي يتمتع بها فقيدنا الراحل أوسع من ان تقيد بالزمن الحاضر. إذ كان يرى المستقبل من خلال منظاره الخاص الذي يتفرد به عن الآخرين، حتى أن تنبأه بالكثير من قضايا المستقبل كان يدهش الكثيرين، وفي أحيان كان الامر يتحول إلى سخرية من قبل بعض أصحاب الآفاق الضيقة. لذلك فأن سماحته (قده) لم يقبل أن يتقيد بالتكتيكات الآنية التي كانت تفرضها المصلحة الشخصية الحاضرة لمرجعيته من أجل بعض المكتسبات الجزئية، بل كان يعطي الأولوية القصوى للاستراتيجية التي تنظر للمستقبل من أجل بناء أفضل وأقوى، وإن كان ذلك يؤدي إلى خسارته للمصالح الآنية، فالبعد الاستراتيجي لمشروعه النهضوي الشامل هو أكبر من أن يخضع للاتفاقات والمساومات المصلحية الحاضرة. لذلك فأن الكثير من أفكاره التي تمسك بها كمشروع استراتيجي لبناء المستقبل مثل قضية الحرية ومكافحة الاستبداد والأخوة والأمة الواحدة وتطبيق أحكام الإسلام وطرحه لمفهوم اللاعنف ونشر الكتب والتوعية الفكرية، كانت سببا رئيسياً لتعرضه وعائلته وتلامذته ومؤسساته للحصار والمضايقة والمصادرة، وأدت إلى ضياع الكثير من مصالحه المرجعية الخاصة، بالإضافة إلى ضياع الكثير من المكتسبات التي كان يمكن أن ينالها. لكن عظمة مشروعه الحضاري تنبثق من هذه النقطة وهي عدم التفريط بالأهداف والأفكار حتى نستطيع أن نمتلك المستقبل، وننقذ الأمة وإن أدى ذلك إلى ضياع بعض المصالح الشخصية.

هذه الرؤية المستقبلية التي تضحي بالمصالح الذاتية من أجل مصالح الدين والأمة العامة هي التي توجب علينا أن نخلد تاريخ هذا المشروع ونكتبه بأقلامنا.

ويشكل سماحة المرجع الديني الكبير آية الله العظمى السيد صادق الحسيني الشيرازي (دام ظله) الامتداد الحقيقي لمشروع الإمام الراحل (قده)، إذ إن سماحة المرجع الامام السيد صادق الشيرازي كان الظهير والسند القوي والرفيق الأول للسيد الراحل في مشروعه الكبير، فشارك في بناء هذا المشروع لبنة لبنة وآمن بقوة بمبادئه وأفكاره ودعم مواقفه الشرعية والدينية والسياسية في كل الأوقات. لذلك فأن سماحته (دام ظله) يشكل الامتداد الواقعي لهذا المشروع الذي يعتمد على الإخلاص والجهاد والتفاني والتضحية من أجل نشر الدين مبادئ الإسلامي ونزاهة سمعته ونقاء حركته ونظافة القائمين عليه.

ومن هنا فأننا لانغالي اذا قلنا في ذكرى رحيل الامام الشيرازي الخامسة بأنه:

افق متجدد وحاضر متألق

* رئيس تحرير مجلة وشبكة النبأ  annabaa.org 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

مدينة قم المقدسة تحيي الذكرى السنوية الخامسة لرحيل المرجع الديني الكبير آية الله العظمى السيد محمد الحسيني الشيرازي قدس سره 

 

 

بمناسبة الذكرى السنوية الخامسة لرحيل الفقيه المجاهد الصبور، العالم الربّاني الورع، سلطان المؤلفين ونابغة الدهر، المجدّد الشيرازي الثاني، المرجع الديني الكبير، سماحة آية الله العظمى السيد محمد الحسيني الشيرازي أعلى الله مقامه، أقيم مجلس تأبيني في مسجد الإمام زين العابدين سلام الله عليه بمدينة قم المقدسة يوم الخميس الموافق للثالث من شهر شوال المكرّم 1427 للهجرة بعد صلاتي المغرب والعشاء.

حضر في هذا المجلس المرجع الديني سماحة آية الله العظمى السيد صادق الحسيني الشيرازي دام ظله، والسادة الكرام من الأسرة الشيرازية، وآل المدرسي والفالي والقزويني، وعدد من المراجع الكبار، ومندوبي بيوتات المراجع الأعلام، والعلماء والفضلاء وطلاب الحوزة العلمية، وضيوف من العراق وسورية والخليج، والمئات من المؤمنين والمحبّين لآل الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله من قم المقدسة وباقي المحافظات الإيرانية.

بدأ المجلس بتلاوة معطرة من آي الذكر الحكيم تلاها المقرئ الأخ الكعبي.

بعده كانت مشاركة لرادود أهل البيت الحاج أبو الفضل الناظم، قرأ فيها أبيات شعرية تناول فيها مناقب ومصائب الأئمة الهداة الأطهار صلوات الله عليهم أجمعين.

بعد ذلك ارتقى المنبر الحسيني المقدس فضيلة الخطيب المفوّه الشيخ معاونيان، وألقى كلمة قيمة أشار في بدايتها إلى الخدمات القيمة والآثار العلمية الواسعة التي قدّمها صاحب الموسوعة الروائية الشريفة (بحار الأنوار) العلاّمة محمد باقر المجلسي قدس سره الشريف، والدور العظيم الذي قام به في إحياء معالم الدين الحنيف، حيث استثمر رضوان الله تعالى عليه قوّة وإمكانات الدولة الصفوية التي عاصرها في نشر تعاليم أهل البيت صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.

ثم تطرّق إلى الدورين العلمي والثقافي العظيمين للمرجع الراحل السيد محمد الحسيني الشيرازي أعلى الله درجاته وقال:

كان المرجع الراحل صاحب بصيرة نافذة وذا أفق واسع، ويمكن لمس ذلك من خلال موسوعته الفقهية العظيمة التي ألّفها لتكون مصدراً مهماً من مصادر العلم والتحقيق في العلوم الإسلامية.

وأشار معاونيان إلى الكمّ العظيم من المؤلفات والآثار العلمية للمرجع الراحل وقال:

لقد ترك المرجع الراحل الكثير والكثير من المؤلفات الصغيرة والكبيرة، التي تطرّق فيها قدّس سره إلى سبل نشر ثقافة أهل البيت سلام الله عليهم وحلول الأزمات التي تعصف بالأمة الإسلامية، ولم يقتصر قلمه الشريف على طبقة خاصة من المجتمع.

وكان رحمه الله تعالى يؤكد أن الكتب الدينية يجب أن تهدى للناس وبالأخص الشباب، لا أن تباع. في حين أن أكثر المؤلفين والمتصدّين لأعمال النشر لا يفكرون إلاّ بالمؤلفات التي تنفعهم اقتصادياً وتدرّ عليهم الأرباح.

واعتبر معاونيان المرجعية الرشيدة والمجالس الحسينية بأنهما مصدر قوة التشيّع وقال: إن بقاء التشيع رهين هذين الأمرين، وقد كان المرجع الراحل يؤكد دائماً ضرورة إقامة الشعائر الحسينية وتوسيعها وتشييد الحسينيات والاهتمام بإرسال المبلّغين إلى مختلف نقاط العالم لتعريف فكر أهل البيت سلام الله عليهم للبشرية جمعاء.

وذكر معاونيان بأن التوفيق الذي ناله المرجع الراحل كان بفضل توسّله بمولانا سيد الشهداء صلوات الله عليه وأكّد: إن التعفّر بتراب مراقد أهل البيت وبالأخصّ الروضة الحسينية المقدسة يصقل النفس ويصوغها ذهباً خالصاً، وقد حاز المرجع الراحل على المقام العلمي والمعنوي بفضل توسّله وتضرّعه إلى الله عزّوجلّ تحت القبة الطاهرة لمرقد مولانا الإمام الحسين صلوات الله عليه. فكل ما خلد من السيد المرحوم من آثار علمية وخدمات عظيمة فهو بفضل كربلاء المقدسة.

وفي ختام كلامه تطرّق معاونيان إلى ذكر ملاحم ومصائب حامل لواء كربلاء سيدنا قمر بني هاشم سلام الله عليه وقال:

من المعروف أن الإنسان عندما يؤثر غيره على نفسه فإنه يقدّم إيثاره عادة بالاستعانة بجوارحه كاليد مثلاً، لكن مولانا العباس سلام الله عليه آثر بكلتا يديه في سبيل نصرة الحسين سلام الله عليه.

بعد ذلك ارتقى المنبر أيضاً فضيلة الخطيب الشيخ المحمودي وتطرّق إلى ذكر جوانب من حياة المرجع الراحل وجهاده وهجرته وقال: إن المرجع الراحل قدّس سره الشريف هو مصداق للآية الشريف: «وجعلني مباركاً أينما كنت» حيث ترك آثاراً وبركات عظيمة جداً في العراق والكويت وايران وفي الكثير من البلاد الإسلامية.

وأكّد: إن العظماء كالمرجع الراحل هم خير وبركة للعالمَين أجمع وليس للمسلمين أو للشيعة أو للعرب فحسب *.

...........................................

1/ سورة يس: الآية 12.

2/ سورة الزلزلة: الآية 7.

* المصدر : إباء -29-10-2006

 

 

 

 

 

 

 

 

بيان معهد الإمام الشيرازي الدولي للدراسات في الذكرى الثالثة لرحيل الإمام الشيرازي(ر)

 

ان الإمام الشيرازي الراحل كان فقيهاً مرجعاً ومجدداً مفكراً ومبدعاً تطبيقياً وميدانياً لا للقرن العشرين فحسب بل للقرون التالية

مع الذكرى الثالثة لرحيل الامام المجدد الشيرازي الثاني (رضوان الله تعالى عليه) انطلق معهد الإمام الشيرازي (رحمه الله) الدولي للدراسات بمساهمته في اغناء الدراسات التطبيقية العلمية العالمية الاسلامية وفي هذه المناسبة القى المحامي زكي نوري بالنيابة عن الاستاذ مدير المعهد المهندس فؤاد الصادق كلمة المعهد وذلك في الحفل التأبيني الكبير الذي اقيم احتفاءً بصاحب الذكرى قدس سره في الحوزةالعلمية الزينبية" وفيما يلي نصها :

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

من جوار هذه البقعة المباركة.. جوار مرقد سيدتنا ومولاتنا حفيدة الرسول الأكرم محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) زينب بنت علي بن أبي طالب.. السيدة الثانية للإعلام العربي والإسلامي بعد أمها فاطمة الزهراء بنت محمد (عليهم جميعاً الصلاة والسلام)... ومن هذا الصرح العلمي العريق.. ومن سورية الحبيبة... نحييك سيدي.. فالسلام عليك وعلى روحك وجسدك الطاهر.

ها نحن تجاوزنا أعتاب العام الثالث لرحيلك المؤلم.. عامان والمكتبة العربية بل الإسلامية بل العالمية محرومة من عطائك الفكري الأصيل السخي الذي ما برح ينهال حتى سجل عدداً قياسياً تجاوز الـ(1150) كتاباً وخلال ستين عاماً فقط..، ففي هذين العامين لم ترفد الرصيد.. خسرنا ما يقارب الـ (40) كتاباً.. إنها خسارة كبيرة.. وخسارتك هي الأكبر... وعطاءك في سيرتك.. مشاريعك.. مؤسساتك حول العالم... تخطيطك.. توجيهاتك كانت كبيرة وأكبر.

ولِمَ لمْ تكن كذلك فما برحت تقول.. وتكرر.. وتطبق.. وتعيد: أول تكليف تلقاه النبي محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) من ربه هو: القراءة، وأول كلمة ألقيت عليه هي إقرأ.. وإنها نقطة البدء والانطلاق نحو كل عمل كبير وهدف عظيم بعد الإيمان.

قلت.. كتبت.. وعملت بما دعوت إليه... بيد كنت تكتب وبالاخرى تعمل وتجاهد.. فعادت حياتك التي عايشتها دليلاً قاطعاً آخراً على أن ما علمته وقلته ودعوت إليه صالحاً وعملياً قابلاً للتطبيق.. وصارت أفكارك ونظرياتك علمية.. تطبيقية.. معالجاتية.. فوجد القلم عبقريته.. كل عبقريته في يدك... بل أحس القلم بعظمته وتحسسها في يدك الكريمة... وكيف لا يكون القلم قد قفز إلى هذه المرحلة من العظمة... والشعور بالعظمة، وأنت سيدي كنت تعمل جاهداً كي يشعر بل يتحسس كل إنسان بعظمته.

لقد كنت بطل السلام والإصلاح والصلاح أكثر من نصف قرن.. أليست البطولة في مدى قدرة التحمل... وكنت في قمة الشجاعة.. أليست الشجاعة أن يتحمل المرء ويصبر ويعتقد بكل ما يقوله ويعمل بكل ما يقوله...

أجل.. لقد كتبت وبكل بساطة وسلاسة.. فالمعرفة حق للجميع.. والعدالة تقتضي أن تُكتب المعرفة بقلم يعيه ويفهمه الجميع.. كي يصل الحق إلى أصحابه كلهم.. فسطرت درساً آخراً في تطبيقات العدالة والتواضع والإيثار... فبورك من سيّرك أيها القلم... علمتنا كيف لا نعمل باليدين فقط؟ علمتنا كيف لا نعمل باليدين والعقل فقط؟.. وما برحت تكتب وتعمل باليدين والعقل والقلب والإيمان.

نعم.. لم تكتب بالحبر.. بل بدم القلب... فنبتت أفكارك وآراءك في القلوب.. حتى تلمسنا مقولتك:

في القلم قوة، وفي الأفكار خلود، واتحاد القلم والأفكار يصنع التاريخ.. فكيف تكون النتائج حين يكون القلم أميناً والأفكار مؤمنة والاتحاد بين القلم والأفكار إيمانياً وإنسانياً وعالمياً... فما برحت تحمل هموم الأمة.. فكنت أكبر داعية لترسيخ الأخوة الإسلامية... بل الأخوة الإيمانية.. بل أخوة البشرية كلها في الإنسانية... فأبيت إلا أن يكون خطابك إنسانياً وعالمياً متمحوراً حول الإنسان والكرامة... أينما كان.. لقد أحببت أمتك.. أحببت وطنك.. وأيما حب أحببتهما.. لكنك أبيت إلا أن تكون مواطناً للعالم.. فرفضت ديكتاتورية الجغرافيا... ورحت تبحث وتنقب... وتفكر وتخطط وتعمل لخلاص العالم ونشر التسامح واللاعنف والسلام... فقلت من أراد السلام جاداً لا بد له أن يزرع العدالة... من أراده أن يتحقق لا بد أن يطلب السلام والأمن والأمان وللجميع.. لا لأمة أو لشعب أو لدولة دون غيرها... فرفدت دعاة السلام بنظرية سلام في غاية الدقة... أساسها العدالة، وحياتها بالعدالة وقوامها عمومية العدالة.

فالإمام الشيرازي (رحمه الله) الغائب الحاضر.. يعتقد في نظريته للسلام العالمي بالترابط الاستراتيجي بين العدالة والاعتدال والتوازن من جهة، وبين كل من نظرياته التالية الأخرى:

1- نظرية الحرية المسؤولة.

2- نظرية الملازمة والتوازن بين الواجبات والحقوق في الحريات والحقوق المدنية.

3- نظرية التسامح الشاملة.

4- نظرية اللاعنف الكاملة.

5- نظرية التنمية المتعددة الجوانب.

6- نظرية التوزيع العالمي العادل للثروة، والملازمة بينها وبين نظرية العولمة الإنسانية الإيمانية الحرة.

7- نظرية الملازمة بين كل من الإصلاح المحلي والإقليمي والعالمي.

هذه فقط بعض نظريات الإمام الراحل (رحمه الله) لصياغة دنيا السلام والحرية والعالمية والعولمة السديدة... والتي تستحق الكثير والمزيد من البحث والدراسة والتعمق ولاسيما من قبل رجال الفكر والعلم والإعلام والسياسة والثقافة والمؤسسات الدولية لانتشال الأمة والبشرية من واقعها المر الخطير في حقبة العولمتاريا هذه.

وفي جملة واحدة.. لقد كان فقيهاً مرجعاً مجدداً مفكراً مُنظَّراً ومبدعاً تطبيقياً ميدانياً، لا للقرن العشرين فحسب بل للقرون الآتية.

 

المهندس فؤاد الصادق

معهد الإمام الشيرازي (رحمه الله)

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الإمام الشيرازي مايزال شمعة مضاءة تنير الطريق أمام صناع الفكر والحياة

 

علاء الزيدي

 

لست بذلك المؤهل لتقييم هذه الشخصية الفذة، التي ربما لاتتكرر بتلك البساطة التي يتصورها الإنسان العادي. لكنني ألامس من بعيد، بعض الملامح التي تتبدى لي، بشأن إنجازات المرجع الراحل الكبرى، وتأثير مشروعه الثقافي والحضاري المتميز، على عموم الأمة، وأجيالها الشابة على وجه الخصوص.

لقد نشأنا، منذ المراحل المبكرة لشبابنا، مع المرحلة الشيرازية - إذا جاز التعبير - في الفكر الإسلامي والتعليم والتوجيه العقدي. وللمرة الأولى، كنا نرى ونعاصر مرجعا يتحدث إلى مجتمعه، وطبقاته الشابة على وجه التحديد، بلغة الحياة اليومية، نازلا ً بالفكر الإسلامي وبشكل خاص بالفقه الإسلامي، وفي أدق صوره أي فقه الحياة، من الأبراج العاجية للحوزات والمرجعيات التقليدية، إلى الميادين المفتوحة، التي تتلقف فيها الأفهام هذا الجديد الرائع، وتهضمه وتتمثله بأسرع من لمح البصر.

في المرحلة الشيرازية، كنا أمام مصطلح جديد وفهم جديد. تعرفنا على المسائل والقضايا المفترضة والمستحدثة، في زمن كان يسخر الكثيرون ممن يفترض ويتخيل، حتى لو كان افتراضه وخياله علميا، في حين أن الأمم المتقدمة لم تتقدم خطوة واحدة إلى الأمام، إلا لأنها افترضت وتخيلت وتصورت غير العادي وغير المألوف أولا، ثم عملت بجد على صنعه.

كان الإمام الشيرازي قدس سره الأول بلا منازع، من بين مراجع الدين البارزين، الذي يتحدث إلى الصبي واليافع والشاب، بذات درجة احترامه للكهل والطاعن في السن. ولم تكن هذه الخصلة عادية. فقد شهدت في شبابي العديد من صغار العلماء ممن يستنكفون من السلام على الشبان، ناهيك عن الحديث إليهم ! وليست هذه الميزة الشيرازية حسن خلق عاديا. بل كانت تأصيلا ً وتجذيراً لمنهج ثابت، ينطلق إلى المستقبل من بدايات المرحلة العمرية التي تتكون فيها شخصية الفرد المسلم، بل الإنسان بوجه عام. ولا غرو، فقد أفلح الشيرازي الكبير، بأسلوبه المميز هذا، في صناعة وتكوين المئات من الأطر والكوادر في مختلف صنوف الاختصاصات الفكرية والدينية والثقافية والسياسية، في العديد من الأقطار، ممن لايزالون يتحركون في مختلف أنشطتهم وفق المنهج الشيرازي المتسامح والمنفتح والحضاري والوسطي والمعتدل، منهج اللاعنف واحترام خصوصيات الآخر مهما كان مختلفا، واحترام قوانين وأنظمة المجتمعات المتنوعة، والرقي بالإنسان إلى مدى حضاري يمكنه من أن يكون مصداقا لحديث صادق آل محمد عليه الصلاة والسلام : كونوا لنا دعاة صامتين، أو كونوا لنا دعاة بغير ألسنتكم.

وإذا حاولت تجنب الإطالة، وفسح المجال لأساتذتي من الباحثين والمفكرين ليبدوا آراءهم، فيمكنني اختصار رأيي في إنجاز الإمام الشيرازي ومسيرته الكبرى، في أنه كان ومايزال شمعة مضاءة بلا توقف، تنير الطريق أمام صناع الفكر والحياة، ليغيروا المألوف المتجهم والمنغلق والمتخلف، ويستبدلوا به المنفتح والمتفائل والحداثي، سعيا وراء بناء مجتمع المليار مسلم، ودولة المليار مسلم، بكل أبعادهما الإنسانية وطبيعتهما اللاعنفية وإرادتهما الخير والنماء والتقدم للبشرية جمعاء.

في عالمنا الذي يعج بالمتطرفين والإرهابيين والقتلة، لم يستطع أحد حتى الآن أن يسد الثغرة التي تركها رحيل الإمام الشيرازي، المصلح والمجدد وداعية السلام والتسامح والتآخي، الذي جعل علوم الدين العصية على الفهم، أمرا تتلذذ بتناوله مدارك عباد الله البسطاء والعاديين والمنسيين، الذين تقوم على أكتفهم الحضارات وتتأسس الدول والإمبراطوريات.

*كاتب وباحث عراقي

 

 

 

 

 

 

 

 

الإمام الشيرازي والقضايا المعاصرة

 

الشيخ عبدالله أحمد اليوسف*

 

يعتبر الإمام الشيرازي واحداً من أبرز دعاة الإصلاح والتجديد في القرن العشرين، فقد كان مجدداً في الفقه ، ومجدداً في الفكر والثقافة، ومجدداً في الحوزات العلمية، ومجدداً في المرجعية الدينية، وقد امتلك الإمام الشيرازي عقلية مبدعة ومبتكرة مكنته من الإبداع والتجديد والتطوير في مختلف حقول المعارف الدينية.

وقد قام الإمام الشيرازي بالفعل بتأليف الكثير من الكتب التي تتناول القضايا المعاصرة، والمسائل المستجدة، كما أجاب في العديد من كتبه عن الكثير من الإشكاليات المطروحة عن الإسلام، وتمكن من عرض مبادئ الإسلام وقيمه ومثله للأجيال المعاصرة .

وسأتناول محورين مهمين حول التجديد في فكر الإمام الشيرازي :

1- المجال الفقهي .

2- المجال الفكري .

المجال الفقهي

ضرورة التجديد في الفقه ينبع من ضرورة مواكبة متغيرات العصر، وملاحقة تطوراته ومستجداته، وتوضيح الرأي الشرعي تجاه كل حدث من الحوادث الواقعة .

وتنبع أهمية وجود المجتهد المطلق من قدرته على الإجابة على أسئلة العصر، والإبداع في معالجة القضايا الجديدة، وليس فقط ممارسة الاجتهاد في المسائل العبادية للفرد المسلم، إذ أن المطلوب من المجتهد في كل عصر هو معالجة قضايا عصره، والإجابة على أسئلة زمانه، وعدم الاقتصار على ماسبق للفقهاء المتقدمين أن أجابوا عليه، وإلا فإن الاجتهاد يفقد حيويته وقدرته على مواكبة المتغيرات الزمانية والمكانية.

ولا يمكن للتراث الفقهي ـ رغم ضخامته و أهميته ـ أن يجيب على تساؤلات العصر، بل المطلوب من المجتهد المعاصر ممارسة الاجتهاد في القضايا الجديدة كما القديمة ؛لأن الاجتهاد يجب أن يشمل جميع القضايا بما فيها المسائل المعاصرة .

وفي كل عصر يبرز من الفقهاء من يتميز بالنبوغ والعبقرية والذكاء الخارق مما يؤهلهم للتجديد في الفقه وأصوله، ومعالجة قضايا العصر بأسلوب استدلالي معمق، وهذا ما يعطي للفقهاء القدرة على مواكبة قضايا العصر، واستحداث أبواب جديدة في الفقه للإجابة على تساؤلات العصر و إشكالياته .

وقد كان الإمام الشيرازي من أبرز من لمع في هذا المجال في العقود الأخيرة من القرن العشرين، حيث تعتبر موسوعته الفقهية سيدة الموسوعات على الإطلاق، إذ لا توجد موسوعة فقهية ـ لحد الآن ـ قد وصلت من حيث الحجم أو من حيث البحوث الجديدة أو التفريعات الكثيرة كما هو عليه الحال في موسوعة الإمام الشيرازي الفقهية.

لقد وصلت موسوعة الإمام الشيرازي إلى 150 مجلداً من المجلدات الكبيرة، وقد تميزت هذه الموسوعة بالعديد من المميزات التي تميزها عن غيرها من الموسوعات الفقهية وأبرزها :

1- استعراض مختلف الأدلة .

2- كثرة التفريعات .

3- استحداث أبواب جديدة .

المجال الفكري

أسس الإمام الشيرازي مدرسة فكرية مستنيرة، وبلور منظومة فكرية متكاملة، وقد أنتج سماحته العديد من الأفكار الجديدة أو المتجددة التي كانت تستهدف بعث روح النهضة والإحياء في الأمة الإسلامية .

وقد مارس الإمام الشيرازي في كتبه ومحاضراته نقداً للواقع المزري الذي يعيشه المسلمون نتيجة لا بتعادهم عن أخلاق وقيم الإسلام ... هذا من جانب، ومن جانب آخر كان يدعو دائماً للعمل بالإسلام، والأخذ بالأسباب الطبيعية من أجل استعادة حضارة الإسلام التي كانت في يوم من الأيام ا مبعث النور و العلم والتقدم والتحضر في العالم كله .

إن ما يميز الإمام الشيرازي ـ شأنه في ذلك شأن سائر المصلحين والمجددين ـ أنه كان يحمل هموم الأمة بقوة، ويسعى من أجل استنهاضها وإحياء حضارتها، وكان همه الأكبر استعادة الإسلام إلى الحياة، وتوحيد الأمة الإسلامية في كيان واحد .

وقد عاش الإمام الشيرازي متفاعلاً مع قضايا العصر، وجديد الفكر والثقافة، فكان يُسَارع إلى إنتاج ما يراه مناسبا من ثقافة وفكر يتلاءم ومتطلبات العصر، فعندما بدأ البث المباشر عبر الأقمار الصناعية كتب أكثر من كتاب عن كيفية التعامل مع هذا المنجز العلمي الحديث مع ما فيه من إيجابيات وسلبيات .

وعندما أخذت مسألة ( العولمة ) تشغل الساحة الفكرية والسياسية في العالم كتب كتابه (فقه العولمة).

ولما كثر الحديث عن البيئة وما تحدثه الصناعات الحديثة من أضرار جسيمة بالبيئة كتب كتابه القيم ( البيئة )، وقد وضح فيه رؤية الإسلام لقضايا البيئة وطرق الحفاظ على نظافة البيئة .

وهكذا كان الإمام الشيرازي ( قدس سره ) مستوعباً لمنطق العصر، متابعاً لمتغيراته، متفاعلا مع كل جديد في عالم الفكر والثقافة، وهذا ما ساعده على إنتاج و بلورة ( منظومة فكرية مستنيرة) ساهمت في تجديد أوتجدد المعارف الدينية ، وتطوير الخطاب الديني إن من حيث الصياغة أو المضمون .

* من كلمة القاها في حسينية أهل البيت (عليهم السلام) بالخويلدية ليلة الأربعاء 26/9/1425هـ/10/11/2004م كلمة في الذكرى السنوية لرحيل الإمام الشيرازي (قدس سره).

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الرجل الذي احتوى موسوعة الحياة

 

الدكتور السيد فاضل الميلاني

 

ألّف الإمام الشيرازي (قده) أكبر موسوعة فقهية في التأريخ الإسلامي، ورحل بعد 42 عاما من الجهاد المرجعي المستمر(*)

نجتمع في هذه الأمسية لتأبين فقيد العلم والورع والتقى، ولتأبين مجاهد لم يفتر في جهاده طرفة عين، لتأبين عالم جليل وقف نفسه ونذرها للعلم والاجتهاد والفقه وجميع فنون المعرفة الإسلامية.

نقف في هذه الليلة لنتذكر رحيل شخصية لامعة قل نظيرها في حوزاتنا العلمية، وفي تاريخ علمائنا الأبرار.. ذلك هو الفقيد الراحل آية الله العظمى المجاهد السيد الشيرازي (قدس الله سره الشريف).

وقبل أن أتحدث عن خصوصيات هذا العالم الفذ من الناحية الفقهية، أذكر لكم مقدمتين:

المقدمة الأولى

اقتبسها وارجع فيها إلى تعليق للبروفسور (هنري كوربان) أستاذ كرسي الفلسفة الإسلامية في جامعة السوربون في باريس. حين يتحدث عن فلاسفة الإسلام منذ جابر بن حيان وانتهاءً بآخر من أدركهم.

يركز على الفيلسوف العظيم ابن سينا فيقول: انه لم يتسن لعالم أو مفكر أن يكتب موسوعة كاملة في الفلسفة مستقلا في كتابته كما فعل ابن سينا.

في كتابه (تاريخ الفلسفة الإسلامية) الذي ألفه بالفرنسية أولا، وترجم إلى الإنجليزية، ثم ترجم إلى العربية والفارسية، ولعله ترجم إلى لغات أخرى لم أشاهدها، إنما أتحدث عن التي رأيتها مترجمة.

في هذا الكتاب يركز على ابن سينا، لا لعمق فلسفته ولا لإحداثه شيئاً جديداً؛ لأن دارسي الفلسفة يرون أن ابن سينا مدين بشكل دقيق وعميق للفارابي، وسواء كان كل من الفارابي أو ابن سينا ممن نمتدحهم أو نشكل عليهم، ممن نوافقهم على خطهم الفلسفي أو تكون لنا عليهم ملاحظات وتحفظات، لست بصدد ذلك، إنما أريد أن اقتبس من البروفسور هنري تأكيده على موسوعية ابن سينا.

يقول البروفسور هنري: (ندر أن يكتب شخص أو عالم أو فيلسوف لوحده موسوعة كاملة في الفلسفة، غير مستند إلى جهود العلماء الآخرين).

المقدمة الثانية

كنت أبحث عن كتاب في إحدى المكتبات المشهورة في لندن فرأيت كتابا عنوانه (الدم). واستهواني الكتاب وكان باللغة الإنجليزية؛ فما عسى المؤلف أن يكتب مؤلفاً كاملاً عن الدم؟، ولما فتحت الصفحة الأولى وجدته يبحث عن الدم في الفن، وفي الثقافة، والطب، وفي السياسة، وفي الاقتصاد، وإذا بمؤلف الكتاب فنان يتحدث عن لوحات فنية على مختلف الأصعدة، فخطر ببالي شيء وهو أن الإنسان الموسوعي حين تطرأ عليه كلمة، لا يقف عند جملة أو جملتين، بُعد أو بُعدين، صفحة أو صفحتين. وإنما يحاول أن يفتق الموضوع، فيتحدث عن جميع جوانبه؛ فيعقد فصلا عن الدم في الطب، ويراجع كل التصاوير في الكتب القديمة، وعن الدورة الدموية وتفاعل الأطباء المسلمين مع هذه الدورة الدموية الصغرى والكبرى.

ثم ينتقل إلى الدم في القوة والسلطة، ماذا يعني ما نفهمه ونكرره ونراه مجدداً لنا حين نذكر قول الرسول (ص) والأئمة(ع) حينما قالوا:

 (إن دم الشهيد يرجح على كثير من الخلق).

أو (إن مداد العلماء أفضل من دماء الشهداء).

هذه المقارنة بين المحبرة والقلم واليراع الذي يسطره العالم وبين دماء الشهداء.. ثم قيمة دم الشهادة.

وانتقل بعد ذلك (صاحب كتاب الدم) إلى الحروب الدموية وما أريقت من دماء بسبب التسلّط، وبسبب الاستعمار.

ومن أجل ذلك كله أقول في هذه المقدمة الثانية:

حينما تطرح عندنا كلمة الدم، يأتي الباحث ليتناول هذه الجوانب كلها وليقول بأني أبحث عن هذه المفردة بكل أبعادها وأعماقها.

بعد هاتين المقدمتين، نعرج على ما نحن بصدده من تأبين هذا العالم الجليل، هذا العالم الكبير.

وإذا أردنا أن نلخصه في كلمة واحدة، وأن نقيّمه كما قال أمير المؤمنين(ع) وهو من رسول الله نفسه وروحه التي بين جنبيه؛ قال(ع): (قيمة كل امرئ ما يحسنه).

فإذن، إذا أردنا أن نقيّم الرجل، وأن نقيم الشخصية، فإنما نقيمها من خلال ما تحسنه. وفي تصوري إذا أردنا أن نلخص ما كان السيد الراحل (رضوان الله عليه) يحسنه، فإنه موسوعي بتمام معنى الكلمة.

أذكر لكم هذه الشواهد، وأتصور أنكم على علم بهذه النماذج التي سأذكرها، وإنما نتذاكرها لنصل إلى النتيجة.

إن الموسوعات الفقهية المتوفرة لدى مجتهدينا وفقهائنا ومفكرينا، لا تزيد في أبعد حدودها عن (جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام)، وفي الطبعة الحديثة لا نرى أكثر من 44 مجلداً في الفقه، من أول كتاب الطهارة إلى آخر كتاب الديات وهو الشرح العظيم على كتاب شرائع الإسلام للمحقق الحلي (رضوان الله تعالى عليه). حينما تجيء إلى عمل موسوعي في الفقه الذي ألفه آية الله العظمى السيد الشيرازي، فإنك تجد أن أعداد أجزاء هذه الموسوعة تتجاوز الـ 140 إلى 150 مجلداً، فهي تزيد ثلاثة أضعاف على أكبر موسوعة فقهية متوفرة لدى الحوزات العلمية

لقد كان الفكر الاجتهادي والذي درجت عليه الحوزات العلمية، يرى موضوعات خاصة من شؤون ذلك العلم (الفقه)، وفي تحديدهم للعلم، حيث يحتاج إلى موضوع ومسائل وغاية. وهذا ما درج عليه كل العلماء، وحتى في المنطق والفلسفة، يبحثون أول ما يبحثون، عن هذه العناصر الثلاثة، والدعائم الثلاث التي يرتكز عليها العلم، فيعرّفون العلم أولاً، ويحددون موضوعه، ثم يبحثون عن مسائله، وينتهون إلى غايته أو أحداثه، وحين يحددون مسائل علم ما، يجعلون تلك المسائل، المحور الذي تدور عليه موضوعات ذلك العلم.

لم نجد في كتب الفقه القديمة المتوفرة لدينا باباً اسمه السياسة، ولم نجد بابا اسمه البيئة، ولم نجد باباً أو فصلاً أو جزءاً اسمه علم الاجتماع، ولم نجد بابا باسم الاقتصاد، ولم نجد أي نوع من هذا التناغم والتلائم والانسجام الطبيعي بين موضوعات الفقه باعتبار أن الفقه يحدد تصرف الإنسان المسلم وسلوكه تجاه كل مفردة من مفردات الحياة؛ فما من واقعة إلا ولله فيها حكم، وإذا كنا بهذا الحكم، بأبعاده الوضعية والتكليفية وبأبعاده المختلفة، يلزمنا أن نعرف الحلال والحرام والواجب والمحظور والمندوب والمكروه وما هو مباح وسائغ، ثم نعرف سلم الأوليات، فهذا ما يعنى به الفقيه المجتهد.

وبحق أقول: كلنا نرى كتابا مستقلا عن النظام السياسي في الإسلام، لا على أنه فصل في الفقه، ونرى دراسات للمشكلة المعاصرة والمشكلة الاجتماعية ومعاناة الإنسان المسلم تجاه هذه المشاكل، وفي كتاب آخر وفي دراسة مستقلة، أما الفقيه الوحيد الذي ألحق أبواب الاقتصاد والاجتماع والسياسة والحكومة والبيئة وكل هذه النماذج بأصول الفقه، فإن ذلك من مزايا ومختصات الإمام الراحل الذي نؤبنه في هذه الليلة.

نعم، منهجيته كانت منهجية الإنسان الموضوعي؛ ولذلك لا يقتصر على فن دون فن، وكما قلت، حينما يتناول أي مفردة، فإنه يبحث عن جوانبها المختلفة؛ ولذلك قد ترى شيئا نشازاً في تصورك في هذه المجموعة. مثلا، تسأل ما علاقة البيئة بالفقه، وما علاقة الفقه بالبيئة، لماذا يأتي فقيه ومجتهد ليكتب كتابا عن البيئة؟ لكنك حين ترى أن نفس الأسلوب الذي يعالج به الفقيه المجتهد أية مفردة أخرى في العبادات والمعاملات، في العقود والإيقاعات، في القصاص والديات، في أي مجال آخر، تجد نفس النَفَس ونفس الأسلوب ونفس المنهج في معالجة الأدلة والمصادر، سواء القرآنية منها أو الحديث.

وأحيانا في تصورك أن الصلة بين هذه المفردة التي يستشهد بها المؤلف في بحثه، قد يتصور الباحث أن الصلة ضعيفة، ولأننا نحترم رأي المؤلف وتخصصه مادام يربط بين هاتين القضيتين ويرى رأيه فيها ويعطي حكم الإسلام في هذه المفردة. وباب الاجتهاد والمنافسة والتعليق لا يزال مفتوحا.

مثلا، حينما يؤلف السيد آية الله العظمى محمد كاظم الطباطبائي اليزدي (العروة الوثقى)، ويذكر آراءه في ذلك الكتاب، متناولا الأبحاث المختلفة، ولا يزال هذا الكتاب محوراً لكثير من الأبحاث العليا التي نسميها بالبحث الخارج في حوزاتنا العلمية. حيث درج الأساتذة في البحث الخارج على أن يجعلوا محور البحث كتاب (العروة الوثقى)، ثم يبدون من آرائهم واستنباطاتهم ما يرون.

أقول: كتاب (العروة الوثقى) ألفه هذا العالم الجليل، وهذا لا يعني أن القضية قد انتهت. يأتي عالم آخر، يبيّن موارد اختلاف النظر بينه وبين صاحب العروة. ولهذا قد تجد الان في مكتبات قم، أو مكتبات النجف الأشرف، ما لا يقل عن 120 حاشية على العروة الوثقى، فيها من اختلاف النظر والاجتهاد ما يوضح لك الصورة.

إن المحاولة في أن يبحث في 400 صفحة عن شيء اسمه البيئة أو يبحث في 600 صفحة موضوعات علم الاجتماع، أو يعالج المسائل الاقتصادية. وهنا لا أغبن رائد المدرسة التجديدية الإسلامية الإمام الشهيد السيد محمد باقر الصدر في محاولاته الرائعة في كتاب (اقتصادنا)، لكن كتاب (اقتصادنا) لا يمثل محوراً فقهياً خالصاً، إنما دراسة مقارنة بين المدارس الرأسمالية والاشتراكية والمذاهب الأخرى، ومعالجة نظرية فائقة القيمة ونظائر ذلك. على أنني أتذكر أن شقيق الإمام الشيرازي الإمام السيد حسن الشيرازي(رحمه الله)، في تلك الفترة المقاربة لأطروحة البنك اللاربوي في الإسلام من قبل الشهيد الصدر، كتب كتابا عن البنك اللاربوي في الإسلام أيضاً. وفي الفترة المتقاربة مع كتابة (اقتصادنا) كتب كتابا في الاقتصاد الإسلامي.

لا أريد أن أعدد المحاولات التي أتت في هذا المجال، ولكن بودّي أن أقول بأن معالجة الأبحاث الاقتصادية والاجتماعية، كالحكومات والواجبات والمحرمات والسنن والآداب ونظائر ذلك، وجعلها جميعا تعامل وتعالج بنفس الأسلوب الذي تعالج به مسائل الفقه الأخرى، كان هذا مبادرة خاصة بالشخصية العظيمة التي نؤبنها هذه الليلة.

وأذكر لكم ذكرى خاصة بي؛ كنت لا أتجاوز الخامسة عشرة من العمر، حينما بلغنا نبأ وفاة الفقيه الجليل المرجع العظيم آية الله العظمى السيد ميرزا مهدي الشيرازي (رضوان الله تعالى عليه) في آخر شعبان من سنة 1380 هـ.. أمرني والدي آنذاك - وقد كان صائماً - بأن أذهب إلى كربلاء للمشاركة في التشييع، فاعتذرت بأني أقل من أن أمثل شخصاً لصغر سني. ولعل الحياء كان يستولي عليّ والخجل يغلبني، رغم أني كنت معمّماً.

ذهبت إلى كربلاء وشاركت في التشييع، وكنت في المغتسل عند مقام الإمام المهدي(عج)، ثم في التشييع الذي صار في اليوم التالي، وكان تشييعاً منقطع النظير، حيث امتلأ الصحن الشريف، وامتلأت الشوارع المحيطة بجموع بشرية هادرة شاركت في تـأبين السيد الميرزا مهدي الشيرازي (رضوان الله تعالى عليه). وأتذكر في ذلك اليوم بالخصوص أن الفقيه العظيم الذي نؤبنه هذه الليلة رُشّح وعُرّف خلفاً للمسيرة العظيمة التي قادها والده من قبل.

في خلال هذه الفترة من (1380 هـ إلى 1422هـ) اثنان وأربعون عاماً من الجهاد المتواصل الذي لم ينقطع لحظة واحدة عرفناه من هذا الرجل، وكان نشاطاً بأبعد ما نتصوره من إنسان ينشط من أجل هدف. فرأينا هذه الحياة التي بدأت بعزم ومسيرة كلها نضال وعزيمة، منذ 1380 هـ إلى يوم تلقاه الباري جل وعلا إلى رحابه الواسعة، وإلى رحمته غير المنقطعة.

كان كل يوم من أيام هذا الرجل عطاء؛ فتأسيسه للمدارس المختلفة، مدارس حفّاظ القرآن الكريم والحافظات، ومجلة الأخلاق والآداب ومجلات أخرى، وينابيع الثقافة الإسلامية، والمكتبة المتجولة السيارة.. هذه كلها من المشاريع التي كان يهتم بها ويدعمها ويقترح على تلامذته الاهتمام بذلك من أجل تثقيف الشعب، ومن أجل تنويره.

وأتذكر جيداً، أنه كان في مقدمة العلماء الذين ذهبوا إلى بغداد ليلقوا الحجة على عبد الكريم قاسم، وليناقشوه في الكثير من القضايا، وحين كان يتردد الكثيرون من المحاولة وجدوى محاولة من هذا القبيل، كان يركز السيد الشيرازي (رضوان الله عليه) على أن من واجبنا أن نذهب، وكان يصطحب معه بعض العلماء والشخصيات اللامعة في كربلاء، وكانوا يرجعون وهم في منتهى الجرأة والشهامة لأنهم أدّوا واجبهم؛ لأن أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر.

اشترك مع العلماء في النجف الأشرف في محاربة الشيوعية، وكان له الدور الفعال في ذلك، وحينما انتقل إلى الكويت بعد ذلك التاريخ الذي تعرفونه من ملاحقة السلطة الغاشمة في العراق له ولأخيه السيد حسن (رضوان الله تعالى عليه) ولأقربائه، انتقل إلى الكويت ليكون مشعلاً وضّاءً هناك، وليحدث تحولاً ونقلة نوعية في ديوانيات الكويت، فقد كانت ديوانيات الكويت قبل ذلك مجالس يتداول فيها الناس حديث اليوم وحديث الإخوانيات، لكن السيد الشيرازي غيرها إلى مدارس ومحاور للثقافة وتبادل الأفكار، ولجعلها مناطق لتزويد الناس بالثقافة والفكر النير.

وحينما انتقل إلى إيران بعد الثورة الإسلامية المباركة، كان من الداعين إلى إقامة النظام الإسلامي العادل في البلاد، وكان له الدور الفعال في هذا المجال؛ فلهذا، لم يفتر في جهاده ومحاولاته وفي جهوده المباركة؛ فكان مثالا للعالم الرباني الذي يحرق نفسه شمعة لتضيء الدرب للآخرين.

لست بصدد بيان جميع جوانب هذه الشخصية العظيمة التي فقدناها هذه الأيام، وإنما لأكرر قول أمير المؤمنين (صلوات الله وسلامه عليه): (قيمة كل إمرئ ما يحسنه).

فكان ما يحسنه السيد الشيرازي (رضوان الله عليه) النظر بنفسه إلى العلم والفقاهة والاجتهاد، وللجهاد في سبيل إعلاء كلمة الحق، ولقول الحق، وللقلم الذي لم ينقطع حتى في المراحل الأخيرة من حياته الشريفة. وكانت بعض أصابعه أصيبت بحالة من الفتور وعدم القدرة على الكتابة، ومع ذلك استمر يكتب ويكتب ويكتب.. ويحث الآخرين على الكتابة.

وكشاهد على ذلك، حينما توفي والدي (رضوان الله تعالى عليه)، وانتقلنا من مشهد إلى طهران لإقامة مجلس الفاتحة، ثم ذهبنا إلى قم المقدسة لإقامة مجلس الفاتحة هناك، ولرد الزيارة للسيد الشيرازي (رضوان الله تعالى عليه) كان كلامه يتلخص في جملتين: التأكيد على أن نكتب ونؤلف وننشر عن الإسلام وثقافته، وكان يدهشنا بمحاولته وطموحه بأن يكتب الواحد منا ما لا يقل عن 100 مجلد أو مائة كتاب، وكان هو المقدام في هذا المجال، فأعطى الكثير.

رحم الله السيد الشيرازي (رضوان الله تعالى عليه) وحشره مع الأئمة الطاهرين، وجعله مشعلاً وضاءً للذين يريدون السلوك في الدرب اللائق، والذين يريدون أن يتعلموا من الإسلام كيف يدافعون عن الإسلام، ومن الحق كيف يدافعون عن الحق.. نسأل الله تعالى أن يتغمده بواسع رحمته وأن يحشره مع الأئمة الطاهرين، وأن يلهم أهله وأولاده وعشيرته الصبر والأجر الجزيل والثواب الجميل.. ونخص أخيه المعظم آية الله السيد صادق الشيرازي بخالص العزاء، ولأخيه المعظم العلامة الحجة السيد مجتبى الشيرازي.. راجياً من الله تعالى طول العمر لهم جميعاً، وأن يتغمد الماضين منهم برحمته الواسعة.

الهوامش:

(*) هذه المحاضرة ألقيت في المهرجان التأبيني للإمام الراحل(قده) في حسينية الرسول الأعظم(ص) في لندن.

 

 

 

 

 

 

 

الراحل الكبير ومرارة التجربة

 

غالب الشابندر

 

الحديث عن الفقيد الكبير يمتد إلى أفاق بعيدة متشعبة وعميقة، لان هذه الشخصية خاضت غمار تجارب قاسية في كل مجالات الحياة، بفعل انتمائه الوطني للعراق، الذي ما انفك يلح عليه باعتزاز منقطع النظير، بل كان العراق أمله البعيد، ليس لأنه ولد في النجف الأشرف، بل لأنه غرس هناك شجرة الخير، ولأنه من هناك تذوق طعم الوجود الحي، ولذا لا نستغرب إذا بقي هذا الرجل المثالي وفياً لأبناء الرافدين في محنتهم حتى توفاه الله تعالى، فيما باع آخرون العراق وأهله وأبناءه قبال إغراءات تافهة، لقد كان العراق بالنسبة له مسؤولية وطنية وأخلاقية ودينية، فلم يتخل عن هذه المسؤولية وهو طريح الفراش أو نزيل الحجز، وتلك شهامة دينية رائعة تشهد له بالأصالة و النظافة، خاصة إذا قمنا بعملية مقايسة بسيطة بمواقف أولئك الذي يدعون الانتماء إلى هذا الوطن، فيما تحولوا إلى جلادين وسفكة دماء لقاء عروض تافهة، لا تتعدى كرسيأ مهزوزا أو حفنة مال.

تتأكد مرارة الحياة في تاريخ الفقيد الكبير إذا عرفنا إنه كان سباقاً لاكتشاف الوقائع قبل زمنها، فتحولت هذه الموهبة بلاء وشقاء، لأن الناس لا ترتاح لإعلان الحقيقة قبل حلول أوانها، فيما هي ضرورة ملحة لاستيعاب التاريخ ومواصلة الطريق بنجاح، وقد كان الفقيد لا يخاف كلام الأخرين، ولا يبالي بالتشهير والسجن والمطاردة والتضييق، يقول ما يراه بقوة وشجاعة وأيمان، وهدفه بعد رضا الله الحقيقة قبل كل شيء، ومن هنا قال بالحرية المطلقة مهما كان الثمن، وعلى ذلك رتب فكرة شورى الفقهاء، التي لمسنا اليوم الحاجة إليها بكل جوارحنا وقلوبنا، وقد كلفه هذا الموقف الحرمان من حق الحياة بالمعنى الطبيعي، ولم يساوم أو يتساهل بل ما زال يصر ويؤكد: لا للمرجعية الواحدة ! فأي عزيمة كانت تعتمل في وجدانه وأي ثقة كانت تركن في فكره؟ وقد كان بإمكانه أن يشتري الحرية الزائفة بتنازل شكلي، كما فعل الكثيرون، ولكن قوة الفكر وقداسته كانتا فوق كل إعتبار وفوق كل حساب.

وتتأكد مرارة الحياة في تاريخ الفقيد الكبير إذا علمنا إنه كان من أبرز مناهضي منطق العنف، حتى على صعيد النضال ضد الاستعمار وعلى صعيد قيام الحكم الإسلامي وعلى صعيد ممارسة الإسلام كنظام حكم، وعلى صعيد التعامل مع الأعداء، هذا الاتجاه اختطه الفقيد ليس من منطلق الضعف أو التهاون أو المزاج، بل هو فكر نابع من سيرة الرسول الأكرم والأئمة الطاهرين الذين ذاب في حبهم، كان فكراُ وتجربة، والمعروف عن الفقيد إنه كان حريصاً على الاستفادة من التجربة إلى أبعد الحدود، وتلك من مميزاته الشخصية الفذة.

كان الفقيد حريصا على منطق الدعوة بالحسنى، يؤمن بالكفاح المدني، وهذه هي وصيته للفصائل الفلسطينية كما ينقل عنه، وقد أختلف مع كثير من منظري العمل الإسلامي في هذه القضية، بل كان ذلك من أسباب عزله ومحاربته ومضايقته، وها هي التجارب تؤكد صواب الاتجاه الذي اختطه الفقيد الكبير، فلم تجني التجربة الإسلامية من العنف إلا الانحسار والشك.

 

الفقيد كان علماً أخلاقياً، حقيقة يشهد بها الكبير والصغير، العدو والصديق، شهادة تغني عن كل الكتب وعن كل الادعاءات، يعفو عمن يسيء له، ويغض النظر عمن يسبه ويشتمه ويشنع عليه، ولم يعجزه عن الرد القاطع الحاسم لسان ولا قلم ولا أعوان، ولكنها السجية الأخلاقية تغلغلت في أعماق روحه، ورثها تربية، واستوحاها فكراً وخبرها تجربة، وهو ا لذي كتب منذ نعومة أظفاره الفضيلة الإسلامية في ثلاث أجزاء، وكان كتاب فضيلة في مضمونه الجميل وكتاب فضيلة بأسلوبه الفطري الهادئ.

كان الفقيد آية في الأخلاق، ولا أستبعد أن تكون نظرياته في الفقه والسياسة والعمل السياسي والاجتماع والتاريخ متأثرة بسلوكه الأخلاقي الجميل، وقد أثبتت الدراسات الحديثة إن الفكر لا ينفصل أبداً عن مجمل السلوك الأخلاقي للشخص.

لقد قال الفقيد (لا) للظلم باسم الدين.. و(لا) للديكتاتورية باسم الإسلام.. و(لا) للفردية باسم الفقه.. و(لا) لاحتكار الحقيقة باسم الفكر.. و(لا) للحزب الواحد باسم العمل للإسلام..

قال : لا!.

بقي مستمرأ على لاءاته حتى النفس الأخير، وهذا دليل إخلاص وإيمان.

هذا الفقيد الكبير نظّر للعمل الحزبي منذ نعومة الأظفار، ولكنه كان ضد الديكتاتورية الحزبية، وهذه هي الموضوعية الرائعة!.

هذا الفقيد نظّر للدولة الإسلامية منذ أن كان شاباً، ولكنه كان ضد كل محاولة تعسفية لفرض هذه الدولة، وتلك آية على عمق الفكر ودقة التشخيص في مسيرة العمل الإسلامي.

هذا الفقيد نظّر لحركة المرجعية كقيادة سياسية واجتماعية، ولكنه رفض رفضاً قاطعاً كل محاولة لاحتكار المرجعية باسم الأعلمية وباسم الأسرة العريقة، وتلك علامة الرؤية البعيدة النظر.

كان الفقيد يؤمن بالأمل، كان كله أملاً، يحدوه في ذلك إيمانه، ولأنه طبع على إرادة شجاعة، ولم يكن يؤمن بأي علاقة موضوعية بين الإرادة والتكوين الجسمي، ولذا كان يذكر بقدرة الشيرازي الكبير على تفجير الثورة العراقية الكبرى رغم ضآلة جسمه، كذلك غاندي وغيره من القيادات التاريخية.

هذه الإرادة لم يفلها سجن أولاده ولا تشريد عائلته ولا حجزه واعتقال تلامذته ولا تطيير الإشاعات ضده.