العدد 19- آخر تحديثات العدد  

 

انتخابات التجديد النصفي الأميركية والمأزق العراقي

تجارب أميركا في العراق: من الديموقراطية إلى الانقلاب

تسونامي كوريا النووي: اسمعوا نصيحة مجرّب..!

خيارات إنقاذ ماء وجه أمريكا في العراق!

العراق، كوريا الشمالية، والانتخابات التشريعية في الإعلام الأمريكي

روبوتات وكومبيوترات تكتب برامجها.. تغزو العالم خلال 15 عاما

ظاهرة تسييس المجتمع المدني في العراق !

الفضاء يضيق بـ«الفيحاء»!

هل تراجعت أمريكا عن دفع الديمقراطية في العالم الإسلامي؟

 

 

 

 

 

 

 

 

 

انتخابات التجديد النصفي الأميركية والمأزق العراقي

 

جابر حبيب جابر

 

هنالك منهجان في مقاربة الحل للمشكل العراقي، اولهما الاعتماد على الارادة الطيبة والنوايا الايجابية للفاعلين الاساسيين في المشهد العراقي، وهو ما اثبت خطله وعدم نجاحه الى الآن رغم المناشدات والأماني والتمني، والثاني هو استثمار المخاوف والمخاطر المحدقة والأضرار التي باتت ماثلة لدفع اللاعبين الاساسيين للعمل على الخروج من مأزق بات استمراره مصدر ورطة واستنزاف للجميع.

فالإدارة الأميركية التي تتزايد عليها الضغوط بفعل صخب الانتخابات وخوف الجمهوريين من خسارة صدارتهم التشريعية، بجانب ان الديمقراطيين جهدوا على استخدام الورقة العراقية كعامل ترجيح لهزيمة الادارة الحالية مستغلين تبرم الرأي العام من جدوى التورط في العراق، ومستثمرين الأخبار القادمة من بغداد والتي لا تحمل ما يسر فالضحايا الأميركية تتزايد، في تحول تكتيكي يدلل على الأجندة الدولية لحركة العنف المسلح في العراق. فهي قد ركزت في الشهر الأخير على استهداف الأميركيين، بخلاف منهجها للشهور الماضية، هادفة الى رفع معدلات خسائرهم في تزامن مقصود للتأثير على نتائج الانتخابات، كما تتراكم الاحباطات لجهة تواضع أداء الحكومة وتراجع الآمال التي علقت على نجاحها، او ان تثمر حكومة الوحدة الوطنية بالتأثير على معدلات العنف الذي ارتفع على نقيض ذلك، واتجه بمسارات خطيرة بتركيزه على الوجه الطائفي لتقويض وتمزيق البنية المجتمعية، وقد قارب النجاح بوضعه البلد على حافات الحرب الأهلية والعزل الجغرافي والمجتمعي.

ولذا كثفت الادارة الأميركية جهودها في الرد على منتقديها القائلين بفقدانها للرؤية وبالتخبط، وبأن الأوضاع في العراق وصلت الى طريق مسدود، وانعدمت فرص النجاح، بل اصبح المتاح هو البحث عن اقل الحلول ضرراً وكارثية. ولكن وبالاصرار يمكن القول إن الادارة لم تفقد القدرة على الامساك بالخيارات، وان فرص النجاح لا زالت موجودة، وانها تتكيف في تكتيكاتها ولكن تمتلك وضوحاً وثباتاً استراتجياً، وازاء ذلك يجيء التلويح والضغط على الحكومة العراقية بأن عليها اتخاذ القرارات الصعبة، وان تدرك بأن دعم الإدارة الأميركية لها ليس بلا حدود، بل هناك سقوف زمنية لا بد ان تلاقيها الحكومة.

الا ان بعض القوى المحلية يبدو انها فتحت صندوق البريد الذي لا يعود لها، فظنت ان الرسائل الموجهة للداخل الأميركي ولأغراض انتخابية موجهة لها، فمنت النفس بالانقلاب على التحالفات الراهنة، او بسيناريو الاتيان بحكومة اقلية مرحب بها اقليمياً، او باللجوء الى حكومة انقاذ او حكم عسكر مؤقت، الا ان هذه الخيارات رغم سعة وكثافة تداولها فإنها مستبعدة، كونها ببساطة تمثل انقلاباً وتنكراً للديمقراطية التي تكاد تكون المنجز الوحيد الشاخص في المشهد العراقي، فضلاً عن ان ذلك سيثير ويستعدي الغالبية التي ركنت الى العملية السياسية كطريق لتحصيل الحقوق، بجانب ما سيتركه ذلك من اثر مدمر على سمعة الولايات المتحدة وصدقيتها في دعمها للديمقراطية وطعنة لقواها.

إلا أن هذه الحيرة الأميركية لا تعني انها ستتركها مشلولة إذ ان الاوضاع وصلت الى النقطة الحرجة التي لا يمكن احتمال الجمود عندها، او المجازفة بالانحدار الى ما بعدها.

أما الحكومة العراقية فإنها لا يمكن ان تستمر نائمة ومهادنة لقوى الفوضى إذ عليها القيام بجراحات حرجة، وان الزمن لم يعد لصالحها. فهي مطالبة بتحقيق تقدم ملموس وعاجل على صعد الاستقرار والخدمات والتنشيط الاقتصادي الذي يثمر فرص عمل وتشغيل تجفف منابع التجنيد لقوى العنف، وان الائتلاف الحاكم نفسه بات مهدداً اذ لن يستطيع بعد الان الركون الى غالبيته اذ ان الاحتمالات اصبحت كلها مفتوحة بما فيها تلك التي تهدف الى كشف ظهره او تركه يواجه قوى العنف المدعومة خارجياً مع فقدانه المظلة الدولية التي احتمى بها، او المجازفة بتغير التحالفات بعيداً عنه، وهذه المخاوف والضغوطات الأميركية والسقوف الزمنية، على الرغم من انها تمثل قيداً على المالكي، فإنه يستطيع ان يستخدمها تجاه شركائه في الائتلاف طالباً منهم الانخراط بجدية في دعم الحكومة والكف عن اعاقتها وارباكها، كون لا احد سيكون بمنجى عند الفشل.

وفي حين ان القوى السياسية السنية بات وضعها هو الاكثر حرجا من بين باقي النخب الممثلة للمكونات العراقية، ففي الوقت الذي لا احد ينازع الكتلة الكردستانية التمثيل الكردي والوجود المهيمن على ارضها، كما ان الائتلاف الشيعي على اسوأ الفروض سينكفئ الى مدنه واقليمه، فإن النخب السنية تضيق امامها وتنعدم المناورة، اذ تنازعها التمثيل والوجود الفاعل على الارض، القوى المسلحة الاكثر تشدداً التي أعلنت عن مشروعها الهادف لتأسيس «إمارة العراق الاسلامية»، والذي لن يكون فيها حتى وجود مكان أو موضع قدم لقوى الاعتدال السياسي، ناهيك من انها ستكون موضع خيفة وتوجس، بل وعداء من الاطار العربي الذي طالما اعتبره سنة العرق امتداداً داعماً لهم.

أما الاطار العربي وبالأخص منه قوى الاعتدال، فالتعويل عليها بأن تأخذ المبادرة، وأن تعزل من لا ينفع من المتصارعين العراقيين، لأن كل السيناريوهات المتصورة للعراق، عدا الاستقرار، ستكون كارثية ليس على مهندسيها فحسب، بل على المنطقة برمتها. فبعيداً عن جانب العذاب الانساني، فإن احتمالات تجزئة العراق واصطراعات النفوذ فيه واجتياحات الجوار له، او تأسيس منصات للارهاب وملاذات آمنة له، او استمرار وترسيخ التطهير المذهبي والاثني وما يستتبعه من موجات هروب وهجرة جماعية، كل ذلك لا قبل للمنطقة على تحمله او استيعابه، دعك عن كونها لن تكون بمنجى من ارتداداته على نسيجها المجتمعي واستقرارها النظمي.

وأخيراً لم يبق الا تعاظم المخاطر، والوقت الذي لم يعد في خدمة احد، وبعد ذاك يجب عدم انتظار التأريخ لكي يصدر حكمه على من تسبب او تقاعس او حتى تأمر بالصمت، لأن الجغرافية فيما يبدو ستتكفل بذلك الآن.

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصاً و دون تعليق.

المصدر: الشرق الأوسط اللندنية-29-10-2006

 

 

 

 

 

 

تجارب أميركا في العراق: من الديموقراطية إلى الانقلاب

صلاح النصراوي

تتواتر الأنباء من بغداد عن احتمال القيام بانقلاب بهدف إحلال حكومة ذات قبضة حديدية محل حكومة نوري المالكي التي أثبتت عجزا واضحا عن تحقيق الأمن والاستقرار ودفع العملية السياسية التي عول عليها الأميركيون كثيرا بهدف تحقيق نجاح مشروعهم في العراق. ما بدا أنه مجرد شائعات راجت خلال الفترة الأخيرة عن التحضير لمثل هذا الانقلاب أصبح الآن موضع نقاش في مراكز البحث الأميركية ودوائر الاستخبارات وفي المحافل السياسية ولدى المستشارين، وأيضا صناع القرار في واشنطن وتتسرب أخباره عبر أجهزة الإعلام.

فهل أصبح الانقلاب العسكري هو آخر سيناريو أخرج من الجعبة الأميركية التي ظلت تفاجئنا خلال السنوات الثلاث والنصف الماضية بسيناريوهات متتالية كلما فشل واحد منها، بينما تستمر عمليات التجريب سارية في المختبر العراقي البائس؟

فكرة الانقلاب جاءت في سياق الجدل حول البحث عن استراتيجية جديدة، أو ما أصبح يدعى بتغير المسار أو بالاتجاه التصحيحي، بعد أن وصلت العملية السياسية إلى طريق مسدود وتزايدت الشكوك وتنامى القلق داخل أميركا فيما يتصل بالنتائج المروعة للوجود الأميركي في العراق. تقوم هذه الفكرة - كما بدأ يتسرب من واشنطن ومن داخل المنطقة الخضراء في بغداد - على أساس تعطيل الدستور وحل مجلس النواب والمجلس الرئاسي ومجلس الوزراء وتشكيل حكومة طوارئ تأخذ على عاتقها إدارة شؤون البلد بالاستعانة بفرق الجيش العراقي التي شكلت بمساعدة أميركية، على أن تناط بقوات التحالف، وخصوصا الأميركية والبريطانية، مهمة الدعم وتقديم العون في العمليات الكبرى ضد كل من سيحاول التصدي للحكومة الجديدة. الغطاء الذي سوف يستخدم في تبرير هذا السيناريو هو إحلال أولوية تحقيق الأمن والاستقرار محل تحقيق الديموقراطية، الذي كان مسوغ الاحتلال وهدف المرحلة التالية له، مثلما قيل حينها. المنظرون لهذا الاتجاه يسوقونه باعتبار أن خيار الانتخابات الذي فرضه الشيعة بإصرار من آية الله علي السيستاني على إدارة الاحتلال كان خاطئا ولابد من العودة إلى الخطة الأصلية للاحتلال التي كانت تفترض إنشاء إدارة بحكومة ذات أسنان ومخالب، طبعا مع بعض التعديلات.

أما وسائل تحقيق الانقلاب فهي طبعا تقليدية، مثلما يجري دائما في البلدان غير الديموقراطية، أي الاستعانة بالجيش باعتباره طرفا يمتلك بعض أوجه الشرعية لإنجاز المهمة، وهي تعطيل الدستور والبرلمان والحكومة وفرض إدارة عسكرية مباشرة وحالة طوارئ يتم على ضوئها فرض الأمن والاستقرار. ولكن بسبب هزال عود الجيش العراقي الجديد والذي يتكون من ثمانية فرق، لم يستكمل تدريبها وتجهزيها بعد، ولا يمتلك دبابات ينزل بها إلى الشوارع أو طائرات يقصف بها مقرات الحكومة، فإن الجيش الأميركي الذي يقوم بإعداد هذه الفرق، والتي ترتبط معه بقواعد تنسيق وتعاون مشترك، سيتحمل الوزر الأكبر في عملية تنفيذ الانقلاب ووضع الانقلابيين في السلطة وحمايتهم ومساعدتهم في قمع المعارضة التي سيواجهونها، وخصوصا من القوى المقاومة الجديدة المتوقع أن تنشأ من القوى التي في السلطة الآن، وخصوصا الشيعية. ما لم يقل أو ينشر، ولكن يتردد، أن خطة الانقلاب تتضمن كذلك عمليات اغتيال وتصفيات للرموز الكبيرة التي تقف الآن في قيادة الجماعات المتناحرة في الطرفين الشيعي والسني بهدف عزلها عن قواعدها وبث الرعب والاضطراب في حركتها وفي ردود أفعالها المتوقعة.

وعلى عادة الانقلابات التي تحدث، فإن من المتوقع أن تدعي الحكومة المعلنة في بيانها الأول بأنها «حكومة إنقاذ وطني»، وهي فكرة وردت كإحدى المقاربات التي درستها لجنة جيمس بيكر للخروج من الورطة العراقية، والتي تقوم على مبدأ «المحافظة على الاستقرار» وإعادة نشر القوات والاحتواء وعلى أساس إقامة نظام حكم «أقل ديموقراطية لكنه أكثر استقرارا ومركزية». المهم في هذه الصيغة وكما وردت أيضا في توصيات لجنة بيكر المسربة هو «إشراك المسلحين الذين يحاربون لأغراض وطنية في العملية السياسية واستبعاد الجماعات الأصولية»، وهو الأمر الذي يجري تفسيره على انه السعي لإعادة ادماج قيادات بعثية سنية، وخصوصا من ضباط جيش صدام حسين ومخابراته، والاستعانة بهم في التصدي لأية قوى تعارض الحركة الجديدة. هذا الأمر يعبر عنه الغزل الآخير المتبادل بين الأميركيين وبين قيادات بعض جماعات التمرد في المناطق السنية التي أعلنت استعدادها لحوار مع الأميركيين في الوقت الذي بدأ حزب البعث ينشط علنا، في رسالة جلية على استعداده لمرحلة الانقلاب القادمة، خصوصا أنه الحزب الذي تقوم أيديولوجيته أساسا على النهج الانقلابي.

الكلام في المنطقة الخضراء عن السيناريو الانقلابي يتجاوز الشكل والإجراءات إلى اختيار الأشخاص الذين سيتصدرون المشهد الانقلابي. إذ لا انقلاب من غير انقلابيين، وهي مهمة سيجد أصحاب السيناريو أنها لا تقل خطورة عن فكرة الانقلاب ذاته.

هناك أسماء يتم تداولها لسياسيين رعتهم الأجهزة الأميركية لسنوات طويلة بغية تقديم الخدمات المطلوبة منهم، وممن يعرف عنهم ولعهم السابق بفكرة الانقلاب والتي طالما حاولوا تسويقها للأميركيين قبل الحرب، إضافة إلى ضباط من جيش صدام أقاموا علاقات في الظل مع الأميركيين وقوى محلية وإقليمية، يعتقدون جميعهم أنهم إذا ما تم وضعهم في السلطة ومُنحوا الدعم الأميركي والتفويض اللازم فإنهم سيستطيعون وضع الأمور في نصابها. غير أن المشكلة في هؤلاء هو أنهم أوراق محروقة، وستكون محاولة وضعهم بالقوة في السلطة التي لم يحصلوا عليها من خلال صناديق الاقتراع فضيحة أخلاقية مدوية، لن تنجو منها الولايات المتحدة الأميركية، حتى بافتراض أن ذلك سيكون مخرجا مشرفا لها من مستنقع العراق.

في الحسابات العادية هو أن يقوم بالانقلاب ضباط من الجيش، وبما أن الجيش الجديد أقيمت هيكليته على أساس المحاصصة الطائفية والقومية فإن من العسير التصور أن يتمكن وزير الدفاع السني ورئيس الأركان الكردي وقادة وحدات شيعة من الاتفاق مع ضباط سنة آخرين يراد ضمهم من دون إدخال الجيش نفسه في صراعات مذهبية وعرقية جديدة. واذا ما عرفنا أن وحدات الجيش هي في تشكيلاتها الحالية ليست بجيش وطني موحد، بل أقرب إلى ميليشيات رسمية، لم تزج بعد في المعارك الطائفية، مثل ميليشيات الجماعات والأحزاب، فإن هناك شكوكا جدية في أن يصبح الانقلاب جزءا من المشكلة بدلا من الحل. إن أي نظرة بسيطة على ما يمكن أن يجري ستبين أن الفرق العسكرية التي شكلها الأميركيون على أساس مناطقي، وبالتالي طائفي، ستنحاز في اللحظة التي سيبدأ فيها الصراع بعد الانقلاب، إلى طائفتها وستبدأ بقتال الطوائف الأخرى. بل، ولأن التصور الأدق لاحتمال تولية توليفة طائفية - قومية عبر الانقلاب، هو تعميق الشرخ داخل كل طائفة فإن الاحتمال الأكبر هو اندلاع قتال شيعي - شيعي ولربما سني - سني مع احتمال تورط كردي، بسبب الموقف من موضوع الفيديرالية وخصوصا كركوك، مما يعني صيغة أكثر دموية للحرب الأهلية تشق بدورها طريقا أقصر للانفصال.

هل هناك شعبية لفكرة الانقلاب قد يستند عليها مخططوه ومنفذوه لتسويقه بين العراقيين؟ من المؤكد أن هناك حالة من اليأس والقنوط لدى العراقيين الذين يشعرون أن عملية التغيير من الاضطهاد إلى الحرية لم تحقق شيئا، سوى أنها استبدلت نظاما دمويا بوضع أشد دموية. لقد جلبت النتائج المتحققة من الحرب والاحتلال إحساسا بالخراب والدمار والسير نحو الهاوية على المستويين الانساني والوطني، مما قد يجعل العراقيين يتشبثون بأي طوق للنجاة يمنحهم الأمل بالبقاء، وهو الأمر الذي سيستخدمه الانقلابيون لتسويغه تحت شعار الإنقاذ الوطني. لكن تلك ستبقى، أميركيا، مهما حاولوا تجميلها، مجرد مغامرة بلهاء جديدة في التلاعب بمصائر العراقيين وخيانة للمثل والقيم التي ادعوا أنها كانت وراء الحرب والاحتلال. اما عراقيا، فسوف تكون مثالا آخر على الانتهازية الرخيصة المجردة من أي مبادئ أخلاقية سوى اللهاث وراء السلطة حتى لو كان ذلك على أنقاض العراق.

ليس سيناريو الانقلاب لعباً بالنار كما قد يبدو، فالنار مشتعلة في العراق منذ أن حولت هذه الإدارة الأميركية العراق مختبرا لتجاربها البائسة، لكنه مشروع لكتابة النهاية وإهالة التراب على هذا البلد المنكوب. من يقف وراء هذا المشروع هم طبعا بالدرجة الأولى خليط من مجموعات أميركية داخل الإدارة وخارجها، لاهم لها سوى العثور على استراتيجية خروج، أقل كلفة من الاستمرار في احتلال العراق على الأصعدة الداخلية والدولية. أما على الجانب العراقي، فيقف مع هؤلاء بعض حلفائهم من العراقيين الذين غادروا الحلبة في وقت مبكر من الاحتلال، ويحاولون الآن العودة اليها بأي ثمن من خلال تحريضهم على خوض المغامرة الجديدة، في الوقت الذي ينتظر البعثيون فرصتهم للوثوب مجددا على السلطة من خلال إدخالهم اليها عبر الانقلاب.

انها نهاية الرحلة الأميركية في العراق، من الديموقراطية إلى الانقلاب.

* كاتب عراقي.

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصاً و دون تعليق.

المصدر: الحياة اللندنية-29-10-2006

 

 

 

 

 

 

تسونامي كوريا النووي: اسمعوا نصيحة مجرّب..!

 

كيم داو يونغ

 

مضت أخيرا كوريا الشمالية بتجربتها النووية مؤخرا، تاركة وراءها ظلا كبيرا ومعتما من الخوف والخطر الذي أصبح مخيما فوق شبه الجزيرة الكورية، فيما كنا قد عارضنا بقوة امتلاك كوريا الشمالية للاسلحة النووية. والى ذلك جاء تصرفها بالتفجير النووي ضد «التصريح المشترك لنزع الأسلحة النووية في شبه الجزيرة الكورية» والذي تمت الموافقة عليه بشكل مشترك من قبل الكوريتين عام 1991. وباعتبار أن ذلك الموقف حق مشروع بالنسبة لنا، فإننا نطالب بقوة من كوريا الشمالية التخلى عن برنامج أسلحتها النووية. ومع ذلك، ولأن كوريا الشمالية تبدو بعيدة عن التخلي عن أسلحتها النووية بسهولة، فإن علينا أن نتدارس أفضل الإجراءات كي نحل هذه القضية حلا حازما.

من جانبي، وفي هذا السياق أرى أن هناك ثلاثة خيارات لحل المسألة النووية المتعلقة بكوريا الشمالية. الأول هو استخدام الإجراءات العسكرية للانتقام منها. لكن الدول الجارة ستعارض هذا الحل، وهناك أيضا المقاومة من كوريا الشمالية في حالة مواجهتها بإجراءات من هذا النوع، وقد تكون العواقب كارثية على شبه الجزيرة الكورية ككل، بما في ذلك قابليتها لأن تقود الى تدميرها بالكامل وإبادة سكانها البالغ عددهم 70 مليون نسمة. كذلك فإن اليابان لن تبقى غير متأثرة، ولذلك، فنحن كشعب كوري ضد استخدام الإجراءات العسكرية كوسيلة لحل هذه المسألة.

الخيار الثاني هو فرض العقوبات الاقتصادية. وبالتأكيد ستلحق هذه العقوبات أذى كبير بكوريا الشمالية وتؤول بما ستقود اليه من معاناة لسكانها برغم أنهم تعودوا على الحرمان الاقتصادي. في لمقابل يمكن لكوريا الشمالية ان تحصل على مساعدة من الصين ودول حليفة أخرى. فكوريا الشمالية تحصل حاليا في كل سنة على مليار دولار من تصديرها للصواريخ. وإذا أضافت إلى قائمة صادرتها الأسلحة النووية، فإن بإمكانها تحقيق أرباح مالية كبيرة أخرى، لذلك فإن هناك حدودا لما يمكن للعقوبات الاقتصادية أن تحققه. والسؤال هنا وهل لدينا خيارات أخرى؟

أما الخيار الثالث الذي اقتراحه فهو حل المشكلة دبلوماسيا بين الولايات المتحدة وكوريا الشمالية. فالأخيرة أعلنت أنها مستعدة للتخلي عن سلاحها النووي إذا وافقت الولايات المتحدة على إجراء حوار مباشر وقدمت ضمانات أمنية ونشاطات اقتصادية غير مقيدة لكوريا الشمالية. بل ان كوريا الشمالية أكدت استعدادها للقبول بالتفتيش المباشر من قبل الولايات المتحدة. وتقول بيونغ يانغ في هذا لاتجاه: «لماذا نحن بحاجة إلى سلاح نووي إذا أمننا مضمون؟ نحن سنتعاون بالكامل من أجل تجريد شبه الجزيرة الكورية من الأسلحة النووية».

ومن الطبيعي ان البعض يقولون اننا لا نستطيع الثقة بكوريا الشمالية. ولكنني أعتقد انه من الضروري اعطاء كوريا الشمالية فرصة. واذا ما التزمت كوريا الشمالية بوعدها فإن ذلك سيكون هو الأفضل. ولكن اذا ما تخلت عن وعدها فإن الدول الأخرى في محادثات الأطراف الستة سوية مع دول أخرى في العالم يمكنهم، بالتالي، أن يتخذوا اجراءات مضادة شاملة ضد كوريا الشمالية. ونحن نأمل حقا ان تتخذ الولايات المتحدة قرارا جريئا لتغيير موقفها الحالي، وتتابع الحوار مع بيونغ يانغ.

أما البلد الذي يمكن أن يتأثر بأكثر المستويات خطورة بهذه القضية النووية لكوريا الشمالية، فهو وبلا جدال كوريا الجنوبية. ذلك لأن القضية النووية الكورية الشمالية تشكل تهديدا لكوريا الجنوبية اكثر من أي بلد آخر في العالم. وبالتالي فإننا ملتزمون تماما بمنع هذه الأزمة من التحول الى كارثة ونتمنى حل القضية سلميا. ويتعين على الولايات المتحدة هنا ان تحترم احتراما كاملا رأي كوريا الجنوبية، وهي، وكما هو معلوم، حليف وثيق للولايات المتحدة، عند التعامل مع القضية النووية لكوريا الشمالية. والرغبة الحقيقة للشعب الكوري تتمثل في حث كوريا الشمالية على التخلي عن برنامج أسلحتها النووية سلميا عبر الحوار.

وفي هذا السياق أذكر أني كنت قد قلت للرئيس بوش عام 2002 عندما كنت رئيسا لجمهورية كوريا ان المصلحة القومية تتطلب الحوار اذا كان ضروريا حتى مع الشيطان. وكان الرئيس ايزنهاور قد اجرى حوارا مع كوريا الشمالية عام 1953 خلال الحرب الكورية، وتوصل الى اتفاق هدنة مكن السلام من ان يمد جذوره في شبه الجزيرة الكورية خلال الخمسين عاما الماضية. وذهب الرئيس نيكسون الى الصين التي كانت قد أدينت قبل ذلك باعتبارها «مجرم حرب» بسبب مشاركتها الهائلة في الحرب الكورية، وأجرى حوارا مع ماو تسي تونغ. ولعب دورا حاسما في فتح الطريق أمام الصين لتحقيق الاصلاح والانفتاح. وأدان الرئيس ريغان الاتحاد السوفييتي باعتباره «امبراطورية الشر»، ولكنه مع ذلك اجرى حوارا مع الاتحاد السوفييتي. ولم يفلح الضغط والاحتواء ابدا في تغيير الشيوعية في مجرى التاريخ. وحتى كوبا، الجزيرة الصغيرة على الساحل الأميركي، لم يكن ممكنا تغييرها خلال 50 عاما من الاحتواء. غير أنه ليست هناك قضية واحدة يمكن النظر اليها يشكل آحادي مع بيونغ يانغ، فالتشجيع على الانفتاح والإصلاح لم يفعل فعله في الماضي. فقد تغير الاتحاد السوفييتي والكتلة الشرقية والصين. بل ان الولايات المتحدة ذهبت الى الحرب مع فيتنام، ولكنها الآن تتمتع بعلاقات جيدة مع فيتنام عبر الحوار. ويجب على الولايات المتحدة ان تتعلم عبر النجاحات والإخفاقات التي نتعلمها من التاريخ. وآمل أن يتمكن الرئيس بوش من اتخاذ القرار الصائب.

* رئيس كوريا الجنوبية السابق والحائز جائزة نوبل للسلام، مقابل دبلوماسية الشمس المشرقة التي دشنها إبان رئاسته مع الشطر الشمالي، والمقال من حوار لخدمة «غلوبال فيوبوينت» خاص بـ«الشرق الأوسط».

و كل ذلك بحسب المصدر المذكور نصاً و دون تعليق.

المصدر: الشرق الأوسط اللندنية-26-10-2006

 

 

 

 

 

 

خيارات إنقاذ ماء وجه أمريكا في العراق!

 

محمد ماضي

فيما تصاعَـد معدّل الخسائر في العراق وانهارت ثقة الشعب الأمريكي في استراتيجية بوش وقادته العسكريين، وفيما أصبحت انتخابات التجديد النصفي للكونغرس في أوائل الشهر القادم استفتاءً على كيفية الخروج من المأزق العراقي..

بدأت موجة الخيارات المطروحة أشبه ما تكون بتقليعة أمريكية تستَـند إلى أسلوب التجربة والخطأ الذي وقعت فيه إدارة بوش في تعامُـلها مع عراق ما بعد الحرب، وكان أخطرها قرار تسريح الجيش العراقي الذي اتّـخذه بول بريمر، أفشل حاكم عسكري في تاريخ مغامرات الاحتلال الغربية، ويقضي هذا الخيار الذي ينسبه البعض في واشنطن إلى الجنرال جون أبي زيد، أعلى القادة العسكريين الأمريكيين في الشرق الأوسط، بأنه طالما أن الحكومات العراقية الأربع التي تعاقبت على الحكم الشكلي للعراق تحت الاحتلال منذ أغسطس 2003 قد أثبتت فشلا ذريعا في أدائها، وسيكون من الصّـعب تشكيل حكومة مدنية خامسة لمواجهة انزلاق العراق إلى أتُـون الحرب الأهلية، فإن الملاذ الوحيد هو السماح لجنرالات عراقيين أقوياء بتشكيل مجلس عسكري يتولّـى إدارة العراق.

وبدأ السفير الأمريكي في بغداد زالماي خليل زاد في جسّ نبض الزعماء العراقيين، واعترف لهم بأن مثل ذلك الخيار سيجلُـب انتقادات واسعة للولايات المتحدة، التي ستبدو وكأنها تُـناهض الديمقراطية وتخرج على مبادئها المعلنة، وستتحمّـل الولايات المتحدة هذه الانتقادات على أمل أنها ستنحسر تدريجيا، إذا نجحت الحكومة العسكرية العراقية المنشودة في تخفيف الاحتقان الطائفي وحلّ الميليشيات وتقليص العنف والاقتتال.

ولكن الروايات اختلفت حول كيفية تشكيل حكومة الجنرالات العراقيين، فقد تحدّثت الروايات الواردة من العراق عن أن المجلس العسكري العراقي سيضُـم الفريق نصير العبادي، الذي كان يشغل منصبا قياديا رفيعا في هيئة الأركان العراقية في عهد صدام حسين، واللواء محمد الشهواني، المدير الحالي للمخابرات العراقية، وقائد الطيران العراقي اللواء طيار كمال برزنجي، بالإضافة إلى ستة أعضاء آخرين يتم ضمّـهم للمجلس العسكري للإشراف على الوزارات العراقية.

وتتفق الرواية العراقية مع ما كشفت عنه بعض وسائل الإعلام الأمريكية، من أنه سيتم التمهيد لاستيلاء المجلس على الحكم في العراق بانقلاب عسكري، تُـسانده قوات الجيش الجديد الذي درّبته القوات الأمريكية على أن تغمض الولايات المتحدة عينيها عنه حتى يتم نجاحه، ثم تصدر بيانات علنية تُـدين الإطاحة بحكومة عراقية منتخبة ديمقراطيا! ولكنها تبدي الاستعداد لمواصلة مساندتها للعراقيين في محاولاتهم إطفاء جذوة التمرد والعنف.

ويدافع عن هذا السيناريو الكولونيل المتقاعد روبرت كيلبرو، محلل شؤون الأمن القومي الأمريكي، الذي يرى أن الوضع في العراق لا يتطلّـب نظاما ديمقراطيا، بل نظام حكم مُـستقر لا يناصب الولايات المتحدة العداء، كما أن عودة بعض قادة جيش صدام إلى القوات المسلحة سينزع فتيل أحد المظالم الرئيسية، التي تحرّك التمرّد المسلّـح منذ قرار تسريح الجيش الذي اتّـخذه بريمر، فيما سيوفر الحكّـام العسكريون الأمل لمُـعظم العراقيين في إبقاء العراق موحّـدا تحت قبضتهم.

خيار الطيب والشرس والقبيح

خيار أكاديمي طرحه الدكتور أنتوني كوردسمان، الخبير العسكري بمركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن يمزج فيه بين ثلاثة أنواع من الخيارات المتاحة أمام الولايات المتحدة في العراق، على أن يتم استخدام معايير فن الممكن في السياسة، وليس استنادا لأيديولوجية المحافظين الجُـدد في الأخذ بها ومع مراعاة رغبات وقيـَم الشعب العراقي، لكي تنجح تلك الخيارات وهي:

أولا، خيارات أمريكية منفردة: تزداد فرص نجاحها بالتفاوض مع العراقيين والدول الصديقة للولايات المتحدة وتشمل، مساعدة العراقيين على تحقيق المصالحة الوطنية بدون إملاء، وبمشاركة دول الجوار المعنية، وخاصة تركيا وإيران، وكذلك، زيادة حجم القوات الأمريكية في العراق لتوفير الأمن والتدريب للعراقيين، وزيادة حجم المساعدات المدنية الأمريكية لتشجيع التوصل إلى حلول سياسية وسط توفّـر الاستقرار داخل العراق مع تحسين خطة المساعدات للجيش والشرطة العراقية والالتزام باستمرارها لعام 2010 أو بعد ذلك الموعد.

كما يلزم أن يُـعلن الرئيس بوش التزام الولايات المتحدة بعدم الاحتفاظ بقواعد عسكرية لها في العراق، ولا أي وجود عسكري يزيد عمّـا تطلبه الحكومة العراقية، والتعهُّـد بالانسحاب الفوري للقوات الأمريكية وباقي قوات التحالف، إذا طلبت الحكومة العراقية ذلك. وقد تشمل الخيارات الأمريكية المُـنفردة، مواجهة الولايات المتحدة وحدها بعض السيناريوهات القبيحة، مثل إغراءات تشجيع تقسيم العراق أو دَفعه باتّـجاه الاتحاد الفدرالي وتشجيع إقامة حكومة وحدة وطنية قوية، وإن كانت غير منتخبة، وكذلك تشجيع انقلاب عسكري يأتي برجل قوي قادر على حُـكم العراق.

ثانيا، خيارات ثُـنائية أو متعدّدة الأطراف، وتنطوي فيما يتعلّـق بالمصالحة الوطنية، بين الفئات العراقية على تشجيع قيام الحكومة العراقية بدور رائد في مؤتمر يحضره ممثلون عن الأمم المتحدة وبمشاركة القوى الإقليمية الرئيسية التي لها مصالح في العراق، مثل إيران وسوريا وتركيا، وبرعاية قوى إقليمية مُـحايدة مثل، مصر والسعودية، بحيث لا تُـكرر الولايات المتحدة سيناريو كامب ديفيد الذي سيعود عليها باللّـوم، إذا فشلت جهود المصالحة.

غير أن الخبير الاستراتيجي الأمريكي وضع خيارات عديدة أخرى للخروج الأمريكي من العراق دون أن يبدو هُـروبا من المأزق منها، أن تطلب الحكومة العراقية ذلك الانسحاب أو أن تظهُـر بمظهَـر مَـن طلب من القوات الأمريكية الانسحاب، كما يُـمكن أن تُـعلن الولايات المتحدة قرارها سحب قواتها من العراق على مراحل بدون أي ظروف عراقية تدفعها إلى ذلك، ووضع العراق والعالم أمام أمر واقع هو جدول زمني ثابت للانسحاب، ولكنه حذّر من أن ذلك السيناريو قد يُـشجع تصاعُـدا خطيرا في الصراع الأهلي داخل العراق، ولذلك، ينصح بمنح العراقيين فُـرصة لملأ الفراغ.

ويعتقد الدكتور كوردسمان أن من أفضل استراتيجيات الخروج الأمريكي من العراق، توضيح أن الولايات المتحدة مُـضطرة للتخلّـي عن جهودها العسكرية لمساعدة الحكومة العراقية وستُـواصل دعمها بالمعونات والاستشارة.

أما فيما يتعلّـق بما يجب عمله، إذا قرر العراقيون استبدال الحكومة الحالية بحكومة وحدة وطنية قوية، يرى الدكتور كوردسمان أنه يتعين أن تكون الولايات المتحدة مستعدّة لتأييد أي تغيير في الحكومة العراقية ينتج عن عمل يقوم به العراقيون بشكل مستقل، بشرط أن يكون قادرا على توحيد العراق وخدمة مصالحه كدولة وليس لمجرد توفير الاستقرار بالقوة أو بالسيطرة على مُـعظم أنحاء العراق على حساب طرف رئيسي، مثل العراقيين السنة مثلا.

ونبّـه الدكتور كوردسمان إلى أنه إذا حدث وتمكّـن قائد عراقي قوي من القيام بانقلاب عسكري ناجح، فيجب ألا تتعاون معه القوات الأمريكية وتسرع في الانسحاب مع باقي قوات التحالف على أن تستمر المساعدات، بشرط وصولها لكافة الأطراف العراقية دون تدخل الحكومة العسكرية.

وفيما يتعلق بنقل عمليات المحافظة على الأمن للعراقيين، يقترح الخبير الأمريكي أن تعمل الولايات المتّـحدة مع العراقيين والدول الحليفة والقوى الخارجية على وضع برنامج مُـتكامل، لنقل سلطة العمليات العسكرية إلى الحكومة العراقية مع مساعدتها على استيعاب العناصر الجيّـدة من أفراد الميليشيات العراقية داخل قوات أمن مركزية، بحيث يمكن حلّ الميليشيات على مدى أبعد على أن يتم ربط تقديم المساعدات الدولية وانسحاب القوات الأمريكية وقوات التحالف الدولي بتوصّـل العراقيين إلى حلول وسط ومصالحة تجعل من الممكن تقليص التدخل الخارجي والشروع في بناء عراق جديد مستقر.

ثالثا، خيارات الانسحاب وتخفيض القوات، نظرا لأن الصراع الأهلي داخل العراق قد وصل إلى مستوى يتحتّـم معه عمل خطّـة بديلة ليس للقوات الأمريكية، فحسب وإنما لقوات التحالف كذلك، بحيث تكون مستعدّة مع الدول الصديقة في المنطقة لتنفيذ خُـطة إعادة نشر للقوات، وكذلك سحبها جُـزئيا أو انسحابها كليا، يرى الدكتور كوردسمان أنه، إذا اضطرت الولايات المتحدة لسحب قواتها، فيجب بذل كل جُـهد ممكن للعمل مع العراقيين على تقليص الآثار الناجمة، وخاصة أي سوء فَـهم قد يقُـود إلى شنّ هجمات على تلك القوات، كما يجب أن يساعد العراقيون في وضع خطة الانسحاب، أما إذا كان الانسحاب مُـستندا إلى تسوية أو مصالحة بين العراقيين، فسيُـوّـر ذلك خيارا طيبا للولايات المتحدة، يمكن من خلاله للعراقيين تحديد الانسحاب التدريجي للقوات الأمريكية وقوات التحالف.

توصيات بيكر وشركاؤه

أما أهم خيارات البحث عن وسيلة لخروج أمريكا من المأزق العراقي بشكل يحفظ ما يُـمكن من ماء الوجه، فكان من نصيب مجموعة دراسة الوضع في العراق، التي شكّـلها الكونغرس الأمريكي من عشرة أعضاء ومسؤولين سابقين، ينتمون إلى الحزبين الديمقراطي والجمهوري برئاسة وزير الخارجية الأسبق جيمس بيكر والنائب الديمقراطي الأسبق لي هاملتون، الذي شارك في إجراء التحقيق في قُـصور أجهزة المخابرات الأمريكية قبل هجمات سبتمبر.

ونظرا لأن حملة انتخابات التجديد النصفي للكونغرس يوم 7 من الشهر المقبل قد تحوّلت بالفعل إلى استفتاء على استراتيجية بوش المتعثّـرة في العراق، فقد قرّرت المجموعة نشْـر توصياتها بعد انتهاء الانتخابات، غير أن ما تسرّب منها ركّـز على أن هناك بدائل، بين الإصرار على الاستمرار في استراتيجية لم تُـفلح وبين الهروب من مواجهة الموقف في العراق.

غير أن جيمس بيكر أكّـد أن التوصيات، التي سترفعها اللجنة لن تطالب بالانسحاب الفوري، لأن ذلك سيُـسفر عن نُـشوب أعنف حرب أهلية في المنطقة، حيث لن تقتصر على الداخل العراقي، وإنما ستتدخل كل دولة مجاورة لتفعل ما يخُـص مصالحها.

ونفي بيكر أن تكون توصيات المجموعة قد دعت إلى تقسيم العراق، وإنما طرحت عددا من الأفكار لترتيبات مُـشاركة الفئات العراقية في السلطة بشكل يمنحها مزيدا من الحكم الذاتي.

وفيما يتعّـق بتغيير الاستراتيجية الحالية، ذكرت مصادر قريبة من المجموعة أنها ستُـوصي باتخاذ مجموعة من الخطوات التي تُـسهم في التركيز على تحقيق الاستقرار وتحسين معيشة العراقيين اليومية، بدلا من التركيز الدعائي على نشر الديمقراطية بدءا من العراق، ثم البدء في إعادة انتشار القوات الأمريكية خارج التجمّـعات السكانية والمدن الكبرى، مع توفير أدوات لاحتواء العنف والتمرد من خلال استيعاب القوميين الوطنيين في الحياة السياسية وانتشالهم من صفوف التمرد، ومن ثم التوصّـل إلى حكومة وحدة وطنية لإنقاذ العراق، وفي مرحلة لاحقة يبدأ الانسحاب التدريجي للقوات الأمريكية من العراق على أن يكون في مراحله الأولى إلى قواعد قريبة في المنطقة يمكن أن تنطلق منها لمساعدة الحكومة العراقية إذا لزم الأمر.

وتبقى كل هذه الخيارات حبْـرا على ورق، إذا واصل الرئيس بوش ونائبه ديك تشيني إصرارهما على القول بأن ما يبحثان عنه، ليس استراتيجية للخروج من العراق وإنما تحقيق النصر هناك.

 و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في  المصدر المذكور نصاً و دون تعليق.

المصدر:swissinfo-23-10-2006

 

 

 

العراق، كوريا الشمالية، والانتخابات التشريعية في الإعلام الأمريكي

 

  

ركزت وسائل الإعلام الأمريكي هذا الأسبوع على عدة قضايا، أهمها التهديدات الإرهابية المزعومة ضد إستادات كرة القدم الأمريكية، وتقارير عن رغبة عناصر المقاومة العراقية في التفاوض مع الولايات المتحدة، إضافة إلى حالة الترقب لتجارب نووية جديدة من كوريا الشمالية، والتوقعات حول نتائج انتخابات الكونغرس في أوائل الشهر القادم. وفيما يلي نظرة سريعة على أهم المقابلات والفقرات التي بثتها وسائل الإعلام المرئي بالولايات المتحدة هذا الأسبوع.

باراك أوباما: الديمقراطيون سيفوزون بمجلس الشيوخ

أجرى برنامج لاري كينغ لايف Larry King Live على قناة سي إن إن الإخبارية CNN  مقابلة مع السيناتور الديمقراطي باراك أوباما من ولاية ألينوي. وجاءت هذه المقابلة في وقت تكثر فيه التكهنات عن توقعات بأن أوباما سيرشح نفسه للرئاسة في انتخابات 2008 ومن المعروف أن العديد من الشخصيات المرموقة مثل الإعلامية المشهورة أوبرا وينفري وديفيد بروكس أحد الكتاب الأمريكيين المحافظين شجعت أوباما على خوض الانتخابات الرئاسية القادمة في تصريحات علنية. وتجنب السيناتور الإجابة عن تساؤل كينغ حول رغبته في المشاركة في الانتخابات الرئاسية لعام 2008 من عدمه، معلقا أن كل تركيزه في الوقت الحالي مخصص للانتخابات التشريعية في الشهر القادم. وصرح السيناتور بأنه متفائل عن نتيجة الانتخابات، متوقعا أن يحصل الحزب الديمقراطي على أغلبية في مجلس الشيوخ. وعن الحرب بالعراق، ذكر أوباما أنه كان معارضا للحرب منذ البداية. "ولكني لست معارضا لكل الحروب، فإني أعتقد أن الحرب في أفغانستان كانت مبررة ومناسبة. ولكننا انشغلنا بالعراق وأخذنا قرارات مبنية على استخبارات خاطئة...والآن نرى النتيجة بنفسنا." وأعرب أوباما عن تأييده لفكرة الانسحاب التدريجي. "لقد حان الوقت لنقول للعراقيين إنهم مسئولون عن بلادهم وعليهم أن يتخذوا قرارا للعيش سويا بسلام."  وأعرب عضو مجلس الشيوخ عن رأيه بأن واشنطن يجب أن تشرك سوريا وإيران في جهود تثبيت الاستقرار بالعراق.

جون ماكين: الجمهوريون سيفوزون بمجلس الشيوخ

قام كريس ماثيوز مقدم برنامج هارد بوول Hardball with Chris Matthews على قناة أم إس أم بي سي MSNBC بإجراء مقابلة مع السيناتور الجمهوري عن ولاية أريزونا جون ماكين، وهو أحد الأسماء التي تتكرر في استطلاعات المرشحين المتوقعين لخوض انتخابات الرئاسية عام 2008 من جانب الحزب الجمهوري. وعن المواجهة الدائرة بين واشنطن وبيونغ بانغ حول تجارب كوريا الشمالية النووية أبدى ماكين قلقه من الموقف الحالي معلقا "أتفهم بالكامل تردد الشعب الأمريكي عن الخيار العسكري للتعامل مع كوريا الشمالية. ولكنها دولة خطيرة للغاية، دولة بحكومة فاشلة failed state يديرها رجل مصاب بجنون العظمة، وهذا أمر خطير. لقد باعوا صواريخ لدول أخرى للحصول على أموال، كما تعلم. وأخشى إن استحوذوا على سلاح نووي أن يبيعونه لمنظمة إرهابية. هذا الأمر خطير جدا. وأنا اعتقد أن الرئيس يقودنا نحو السياسية السليمة بالذهاب إلى الأمم المتحدة للحصول على قرار تطبيق عقوبات ضد كوريا الشمالية."

وأضاف السيناتور أن للصين دورا كبيرا في الجهود القادمة لحل أزمة كوريا الشمالية، حيث أنها تمتلك القدرة على حصار اقتصاد كوريا الشمالية في فترة وجيزة. وقال السيناتور إنه لا يعتقد أن كوريا الشمالية ستوجه أية هجمات عسكرية ضد الولايات المتحدة نظرا لضخامة العواقب التي ستواجهها في تلك الحالة. وأوحى ماكين بأن واشنطن يجب أن تنظر في الخيار العسكري في التعامل مع هذه الأزمة إذا لم تنجح سياسة العقوبات. "في رأيي هناك عدد من الخطوات التي يجب أن نتخذها قبل أن ننظر إلى الخيار العسكري، وعندما ننظر في الخيار العسكري يجب أن نشرحه جيدا للشعب الأمريكي."

وتحدث السيناتور عن الحرب بالعراق، قائلا إن نجاح الجهود الأمريكية بالعراق سيتطلب زيادة في عدد الجنود الأمريكية في البلاد، مكررا تصريحاته السابقة عن زيادة اعداد الجنود من 140 ألف إلى 240 ألف. وعن رأيه في أداء وزير الدفاع دونالد رامسفيلد، أعترف عضو مجلس الشيوخ انه لا يثق فيه، ولكنه اشار الى اعتقاده بأن إقالته أمر يخص الرئيس بوش.

وعن التشريع الأخير المعني بطرق معاملة المعتقلين في "الحرب ضد الإرهاب" أكد ماكين أن القانون الجديد لا يعطي الحكومة الأمريكية صلاحيات لاستخدام التعذيب ضد المعتقلين. "أمريكا أفضل من أية دولة في العالم. نحن أفضل من أعدائنا، فإذا عذبناهم، فستختفي الفروق بيننا وبين أعدائنا."

كما صرح ماكين أنه سيقرر إذا سيرشح نفسه للرئاسة في 2008 في نهاية شهر نوفمبر.

جيمس بيكر: رفضت العمل في إدارة بوش

كما أجرت قناة أم إس أم بي سي MSNBC مقابلة مع وزير الخارجية الأمريكي الأسبق جيمس بيكر وعضو مجلس النواب السابق لي هاملتون، وهما يرأسان سويا "فريق دراسة العراق" Iraq Study Group وهي مجموعة من الشخصيات السياسية المرموقة التي ستقدم للحكومة الأمريكية تقريرا عن الوضع بالعراق بهدف طرح توصيات للإدارة الأمريكية في تعاملها مع التحديات الراهنة بالعراق. وأكد بيكر أن ليس هناك أية قيود حول مجال التوصيات التي سيقدمها، كما أشار إلى أن تدخل الإدارة الأمريكية في جهود الفريق تقتصر على توفير وسائل السفر والتنقل بالعراق نظرا لحساسية الوضع الأمني هناك في الوقت الحالي. كما صرح وزير الخارجية الأسبق أنه لم يتحدث مع الرئيس بوش عن مهمته بالعراق إلا عندما كلف بالمهمة. "لقد نظر إلى وسألني إن كنت راغبا في أن أقوم بالمهمة. وذلك كان حواري الوحيد معه." وقال بالرغم من صداقته بعائلة بوش، نفى بيكر أن تقريره للحكومة الأمريكية سيتأثر بتلك العلاقة.

ومن ناحيته رفض لي هاملتون أن يجيب على سؤال مقدم البرنامج إذا كان يظن أن قرار شن الحرب كان صائبا أم لا، مشيرا إلى أن مهمته هي البحث والعمل للمستقبل وليس النظر في الماضي والقرارات السابقة. وتساءل مقدم البرنامج عن كيفية جمع معلومات كافية وشاملة عن الموقف بالعراق في ظل الموقف الأمني الخطير بالبلاد. وقال بيكر أنهم تقابلوا مع كل المسئولين في الحكومة العراقية ومع بعض المواطنين العراقيين والمنظمات الخيرية الخاصة وزعماء القبائل والزعماء الدينيين. ورد مقدم البرنامج "ولكن كيف تتعرفون على رأي المواطن العادي هناك؟" وأجاب هاملتون "من خلال ممثليهم. لا نستطيع أن نتجول في شوارع العراق. هذا واضح. لقد أمضينا أربعة أيام ببغداد ورأينا كل الأفراد الذين نرغب في مقابلتهم وكل خبير وجدناه. أعتقد أننا تقابلنا مع أكثر من 200 في العراق وفي الولايات المتحدة." وأكد بيكر أنه لم يتحدث مع "إرهابيين"، ورد مذيع القناة "إذا لن نستطيع أن نستمع إلى وجهة نظرهم" وقال بيكر "نعرف خطتهم ولكننا لم نتحدث معهم. خطتهم هي زعزعة البلاد واستخدامها كقاعدة للعمليات الإرهابية العالمية. وقال بيكر إن "العراق ربما لم تكن محل مواجهة للإرهاب عندما دخلنها ولكنها أصبحت كذلك اليوم بدون شك."

وتعليقا على مزاعم كتاب بوب وودوارد الحديث "حالة إنكار" أن جيمس بيكر كان أحد المرشحين الأساسيين لتولي وزارة الدفاع الأمريكية بدلا من دونالد رامسفيلد، صرح بيكر أنه لم يكن على علم بذلك قبل صدور الكتاب. ولكنه أعترف أنه تحدث مع الرئيس بوش ونائبه ديك تشيني حول احتمال عودته للعمل في الإدارة الأمريكية. "وقلت إنه شرف عظيم ولكن نظرا لسني ولهذه الفترة من حياتي لن أستطيع أن افعل شيء مثل هذا."

و كل ذلك بحسب المصدر المذكور نصاً و دون تعليق.

المصدر:تقرير واشنطن-العدد80

 

 

 

 

 

 

 

روبوتات وكومبيوترات تكتب برامجها.. تغزو العالم خلال 15 عاما

 

 

عددها يصل إلى 10 % من السكان.. وتقنيات «الجلد النشط» ستوصل جسم الإنسان بالإنترنت مباشرة

يتعقب ايان بيرسون عالم المستقبليات او «المنظّر المستقبلي» في شركة «بريتش تيليكوم» BT البريطانية احدث التطورات التقنية والأجتماعية بهدف تسجيل التنبؤات ووضع التوقعات المستقبلية. وهو يطرح رؤى باهرة للمستقبل القريب، بعضها قد يثير الجدل أحيانا، والآخر معتم مقبض للقلب، نتيجة لكل هذا التقدم التقني الذي نشهده اليوم، ومضاعفاته. وفي حوار اجراه موقع «امباكت لاب» الإلكتروني تحدث العالم البريطاني عن المستقبل.

حول سؤال عن كيفية وضعه مع فريقه للتوقعات والتنبؤات، يقول بيرسون: إنه يقوم بتعقب تقنيات المستقبل التي تلوح في الأفق حالما يعلم أن بعض الباحثين ينفذون أبحاثاً في مجال معين.. ثم يقوم فريقه بعدها بوضع الأمور سوية مع نتائج ومسارات الأبحاث الأخرى التي يقوم بها باحثون آخرون، محاولين معرفة كيفية استخدامها من قبل هؤلاء وأولئك، ولماذا ولأي سبب يمكن تحويلها الى تقنية فعلية خلال عقد أو أكثر.

مع تطور التقنية بهذه السرعة الكبيرة كيف يستطيع مجاراة ذلك، وكيف يستخلص التقنية الجيدة من السيئة؟

يجيب بيرسون انه، على صعيد مجاراة تطور التقنية، لا يستطيع القول إنه يستطيع ذلك، وانه قد توقف منذ العام 1993 أو 1994 عن فعل ذلك. ومنذ ذلك الحين والأمور تسير بسرعة فائقة بحيث لايمكن مجاراة ذلك. كل ما يمكنك فعله هو ان تتمنى أن لا تتخلف عن الركب كثيرا. «أنا لا أتظاهر بأنني أتعقب التقنيات الجديدة اليوم مائة في المئة، بل إنني أحاول تعقب المهم منها فقط، ومع ذلك هناك بعض المفاجآت». ولكن إذا تمكن المرء من تعقب غالبية المهم منها، يمكنه الخروج ببعض التوقعات والتنبؤات.

في التقرير الذي شارك بيرسون في وضعه بعنوان «ذي بي تي تكنولوجي تايم لاين»، توقع أن تشكل الروبوتات المسماة أندرويدس androids الانسان الآلي القريب من الشكل البشري المسمى، 10 في المئة من تعداد السكان خلال السنوات ال 10 ـ 15 المقبلة. ألم يكن هذا نوعا من أفلام الخيال العلمي؟

يجيب بيرسون انه إذا نظرت الى السوق اليابانية ستجد أن كلاً من «هوندا» و«سوني» يقومان بتصنيع إنسان آلي صغير، وهما يفعلان ذلك ليس لمجرد التسلية، بل لانهما يعتقدان جديا إنهما قد يبيعان ملايين منها في الأسواق المحلية لسببين: الأول للقيام بالأعمال الصغيرة في المنزل، والثاني لكي تشكل رفيقا للتسلية والترفيه، والشركتان تعتقدان أن هناك سوقا كبيرة لذلك.

يذكر بيرسون في تقريره أيضا أن أجهزة الكومبيوتر ستبدأ بكتابة برمجياتها بنفسها، كما أن طلاباً آليين يصممون بنظم الذكاء الصناعي سيحصلون على درجة الماجستير، كل ذلك أيضا خلال 10 الى 15 سنة. فهل هذا سيقودنا الى مرحلة تنتفي فيها الحاجة تماما الى وجود علماء كومبيوتر ومعاهد للتعليم العالي؟

يقول العالم البريطاني إنها فعلا نقطة مثيرة للسخط لكون حقل الذكاء الصناعي منقسم على نفسه في ما يتعلق بما إذا كانت هذه الأشياء يمكن تحقيقها أم لا. ولكنني اقف في صف المعسكر الذي تبلغ نسبة مؤيديه 30 الى 40 في المئة الذين يعتقدون إنه لايوجد أي شيء سحري في ما يتعلق بالدماغ البشري.

لقد شرعنا، يقول بيرسون، نتفهم علوم الأعصاب وإدخال بعض هذه الافكار والمبادئ في أساليب عمل الكومبيوترات، لأنه لايوجد سبب لأن تظل هذه مجرد علب رمادية مليئة من الداخل بشرائح السيليكون، وأن لاتستطيع استخدام المواد العضوية إذا ما دعت الضرورة. من هنا لا يوجد ما يمنع أن نفعل الشيء ذاته الذي يفعله الدماغ. وهذا ما قد يحصل بحلول العام 2015 عندما نبدأ في الحصول على النماذج الأولية لأجهزة الكومبيوتر الأولى التي سيضاهي ذكاؤها ذكاء البشر. أما بالنسبة الى قوة المعالجة المبدئية، فنحن لسنا بعيدين عن ذلك الآن. ولكن هذا ليس بالطبع مسألة اختيار شريحة إلكترونية وجعلها تعمل بشكل أسرع.

أما بالنسبة الى كتابة البرمجيات، فنحن نملك سلفا العديد من البرمجيات التي تقوم الآلات بكتابتها مستخدمين التقنيات التي تعتمد على التطور والارتقاء، بحيث يجري تقديم حساب عشري أساسي للكومبيوتر وتدعه يقوم بتطويره إلى أن يخرج بنتيجة للعمل بشكل افضل. وقد جرى استخدام مثل هذه الأساليب والتقنيات في السنوات الخمس، أو العشر الأخيرة، ونفعت فعلا في بعض الحقول، مما جعلنا نتفهم هذه التقنيات والأساليب تدريجيا.

وحالما تشرع الكومبيوترات في اللحاق بالتعابير الخاصة بالذكاء وفهم الأشياء بالأسلوب ذاته الذي نتفهمه نحن، فإنها ستتمكن من فهم أسلوب كتابة البرامج الكومبيوترية تماما مثل الشخص الذي يدرس للحصول على شهادة في علوم الكومبيوتر، وليس فقط اعتمادا على الأساليب التطويرية فحسب، بل اعتمادا على الذكاء الإنساني أيضا، وفي تلك المرحلة، أي في حلول العام 2015 ـ 2020 يمكننا القول إننا لن نحتاج الى الأشخاص لكتابة البرامج، بل يمكننا فقط شرح ما نريده للكومبيوتر ليقوم هو بذاته بكتابته لك، وبالتالي لا يوجد أي سبب أن يكون هناك أشخاص يعملون على هذا العمل.

تقنيات بيونية

هل يُتخيل زمن يكون فيه الناس جميعا متصلين مع بعضهم البعض عبر الإنترنت؟ «نحن ننظر في تقنية تدعى «الجلد النشط» الذي يتيح طبع الإلكترونيات مباشرة على سطح الجلد، وحتى إطلاق كبسولات إلكترونية على سطح الجلد لتغوص عميقا بما يكفي للاتصال بالنهايات العصبية ومراقبة كيمياء الدم» يقول بيرسون. ويضيف «نحن لسنا الوحيدين في هذا المجال، فهناك العديد من الشركات الأخرى التي تنظر في مثل هذا النوع من التقنية أيضا. وهناك العديد من الأسباب للقيام بمثل هذه الأمور وأكثرها وضوحا هو المراقبة والاشراف الطبي، إذ أن هناك الكثير من المصابين بمرض الرعاش العصبي (باركنسون) والأمراض المشابهة له الذين زرعت في أكتافهم شرائح إلكترونية من شأنها إعادة تشغيل النظام العصبي كل ثانيتين لايقاف التحول الذي يحصل. ونحن مهتمون بالتقاط الاشارات العصبية من الأعصاب وتسجيلها، وربما إعادة حقنها في وقت لاحق بحيث يمكن تسجيل الاحساسات بشكل فعال.

عندما تقوم بلمس شيء ما فإنه يولد إشارات كهربائية في أعصابك التي ما هي سوى نوع من الأسلاك. ونحن نرى في ذلك أيضا نوعا من الذكاء الصناعي، ذكاء صناعي بيولوجي، لذا نحن بحاجة الى التحدث مع بعض الشركات البيولوجية للقيام بمثل هذه المهمة بالذات، وحالما نحصل على هذه الإمكانية، أي لمس الاشارات الكهربائية بهذا الاسلوب، يصبح الأمر من اختصاصنا.

وسيكون بمقدورنا أيضا بث مثل هذه التقنيات تلك عبر الشبكة، أو بالامكان تخزينها في القرص الصلب أو تشييدها وتبييتها في الألعاب الكومبيوترية. وكل ما نطمح اليه هو أن يكون بمقدورنا صنع خبرات وتجارب واقعية مقنعة تماما خلال 20 الى 25 سنة من الآن، عندما يكون في مقدورنا أن نطور فيديو ثلاثي الأبعاد مباشرة داخل العدسات اللاصقة النشيطة مع إدخال تجارب احساسية على صعيد اللمس. ولكننا لسنا متأكدين ما إذا كنا قادرين على تطبيق ذلك على الشم والذوق، بيد إنه على صعيد المبدأ فإنه بالامكان فعل ذلك أيضا. وهكذا سيمكن إتاحة الفرصة للأشخاص للمس الأشياء في الواقع الافتراضي والشعور بما يلمسون والتفاعل معها تماما. وأعتقد ان الناس راغبون في هذه الأمور التي هي عبارة عن طبع الدارات الكهربائية مباشرة على سطح الجلد التي تمكنهم من التفاعل بشكل أفضل مع الكثير من الأشياء، كألعاب الكومبيوتر التي تجعل من بيئات الواقع الافتراضي على الشبكة أمرا أكثر إقناعا، وتجعل الاتصالات الحميمة بين الاشخاص والأصدقاء القاطنين في مدن مختلفة أكثر وقعا وتأثيرا.

كل هذه هي أسباب تجعل الناس راغبين في الاتصال مع بعضهم البعض، غير انه سيكون هناك دائما أشخاص يرفضون ذلك ولايرغبون في وصل أجسادهم الى الشبكة بأي شكل من الأشكال، أو دخول أشخاص مباشرة الى نظامهم العصبي. بيد أنه في أي حال ستظل هناك شريحة كبيرة من الناس الراغبين في القيام بذلك، وأنا أقدر أن نسبة الراغبين الى غير الراغبين ستكون مناصفة، أي 50 في المئة الى 50 في المئة، وقد تكون 40 الى 60، لكنه في اي حال سيكون هناك العديدون الراغبون في ذلك.

لكن، قد يكون الناس حذرين ومتخوفين من إجراء مثل هذا الاتصال، خصوصا وان الكثير من الأفلام السينمائية تتحدث عن ذلك، كما تنتشر الكثير من نظريات المؤامرة عن إمكانيات الحكومات السيطرة على الأشخاص بهذا الأسلوب؟ يجيب عالم المستقبليات انه يعلم ذلك من اعداد الرسائل الإلكترونية التي يتسلمها حول هذه الامور.

مستقبل الإنترنت

السؤال المحير هو انه، إذا ما حصل ذلك وأصبح نصف السكان متصلين بالشبكة بهذا الأسلوب، والنصف الآخر غير متصلين، ماذا سيكون تأثير ذلك على المجتمع والتجارة؟ يقول بيرسون اننا نتحدث عن.. ؟؟؟؟؟؟ لقد شرعنا في إعطاء هذه الأشياء أسماء، وهذه التقنية الجديدة أسميناها «هومو سايبرنوتيكس» Homo Cyberneticus، أي «فضاء هومو المعلوماتي» (كلمة هومو تشير الى الانسان). ولكن على سبيل المزح والتسلية لا بد من القول أن مثل هذا الأمر لا يحدث بمعزل عن التطورات الأخرى، فهو يحصل في الإطار الزمني ذاته الذي شرعنا نكتشف فيه الكثير عن التعديلات والتغييرات الجينية التي يمكن إحداثها لدى البشر، والحديث عن الأخلاقيات حول قيام الرياضيين والمتحمسين لممارسة رياضات محددة، بتغيير جيناتهم ليتمكنوا من العدو بشكل أسرع، أو حمل أثقال أكثر وزنا، أو ممارسة أنواع أخرى من الرياضة بشكل أفضل، ومطالبة البعض بالتعامل مع ذلك، بالأسلوب ذاته الذي يجري التعامل مع تعاطي المخدرات، أي تحريم ذلك ومنعه قانونيا.

وفي الاطار الزمني ذاته سيقوم الناس بزرع الشرائح الإلكترونية المفيدة محاولين زيادة الذكاء، أي أن الأمر يتعدى مسألة تخزين الاحساسات وممارسة الألعاب، ولكونهم يفعلون ذلك، بات الأمر مسألة منافسة ليس إلا.

والمؤكد إنه للطرفين حجج جيدة كالسؤال مثلا: لماذا المطلوب هو زيادة ذكاء الناس؟، كما يمكن إبراز المسائل الأخلاقية التي تنطوي على ذلك. إن القضية تشبه مسألة التدخين، فالبعض يقول ان الناس لها الحق في التدخين، في حين يقول الآخرون ان لهم الحق في تنفس الهواء النظيف، فأنت لا تستطيع الجمع بين الاثنين.

وعن التجول في الفضاء المعلوماتي والقضايا الأمنية التي يتخوف منها الكثيرون، كسرقة الهويات الشخصية والصيد الاحتيالي اضافة الى الارهاب، كيف سيتطور أمن الإنترنت والأمن بشكل عام؟ يقول بيرسون ان هذه المسائل ستختفي. قد يكون ذلك تصريحا جريئا ربما، «لكنني ارى أننا شرعنا نواجه تقنيات صعبة ومعقدة فعلا. لقد كان هناك دائما سباق للتسلح. ونحن اليوم في مواجهة المتسللين والمخربين، لذلك نحاول اليوم استقطاب الأشخاص الجيدين الى جانبنا. بصراحة، كنا محظوظين حتى الآن، لكون القليل جدا من الأشخاص هم على مستوى تعليمي كاف ليقوموا بمثل هذه الأعمال التخريبية.

والتقنية بحد ذاتها لا يمكنها أن تساعد على محاربة التسلل، فقد وصلنا اليوم الى نقطة بحيث أن الجيل المقبل من صناديق الألعاب الإلكترونية ستملك واحدا في المائة من قوة التحليل والمعالجة التي يملكها العقل البشري. فإذا قمت بوصل هذه الصناديق معاً، وهي مصممة منذ البداية لأغراض الوصل هذه، فإنك ستملك القدرة على وصل ملايين الصناديق معا. ولكون الاشخاص لا يهتمون كثيرا بالقضايا الأمنية في ما يتعلق بمثل هذه المنصات، فإنها ستشكل شبكات مثالية جدا لتحويلها الى وحوش آلية. وإذا ما حصل ذلك سيمكن جمع كل الطاقة الكومبيوترية هذه في محاولة لفك رموز الرسائل والدخول الى الحسابات المصرفية واستخدام كل هذه الطاقة لاطلاق هجوم مدمر. لكن هذا لن يحصل اليوم لأنه لا تتوفر طاقة كومبيوترية كافية. والأكثر من ذلك يمكن ترميز هذه الهجمات بحيث لا يمكن معرفة مصدرها بسهولة، وسيكون من الصعب جدا التعامل مع مثل هذه الأمور.

تقنيات المستقبل

وماذا عن التقنيات المستقبلية الأخرى؟

يجري سلفا استخدام الحمض النووي في أنابيب الاختبار لتجميع الدوائر الإلكترونية التي يجري دفعها وتعليقها في أنابيب كاربونية دقيقة نانوية (النانو جزء من المليار) وفي رقائق من الذهب. ويمكن إقناع الحمض النووي لتجميع الرقائق الذهبية في نهاية الأنابيب الكاربونية الدقيقة لتشكيل دارات كهربائية بسيطة. وكان هذا الأمر قد عرض قبل سنتين قبل أن تحيط الشركة المعنية أبحاثها هذه بالسرية لكونها تعمل حاليا على تطوير دوائر أكثر تطورا وتعقيدا. والفكرة هنا كلها هي في القيام بعملية التجميع من الاسفل الى الأعلى، الذي هو الجيل المقبل من عمليات تجميع الشرائح الإلكترونية عن طريق استخدام الحمض النووي وعناقيد من البروتينات بغية الإمساك بالأجزاء والصاقها معاً عن طريق استخدام الكيمياء الذكية. والنقطة الأساسية هنا انه يمكن القيام بمثل هذه الأمور عن طريق الحمض النووي.

كذلك قد تصبح البكتيريا، فيروس الكومبيوتر في المستقبل. وفي الوقت الحاضر نحن نعتمد على الترميز وبرامج «جدران النار» والإجراءات الأمنية الأخرى لمنع المخربين من سرقة كلمات المرور. لكن في المستقبل كل ما على المخرب أن يفعله هو إطلاق بعض البكتريا في بنايتك التي ستعوم وتحوم عبر نظام تكييف الهواء قبل الاستقرار على لوحة مفاتيح جهاز الكومبيوتر. كل ذلك يحصل وأنت لا تراها ولا تدرك انها موجودة. وتقوم هذه البكتريا بتسجيل كل ضربة على لوحة المفاتيح وإبلاغها للشخص المخرب الذي أطلقها. وإذا كان هذا لا يكفي بحد ذاته، فإنها قد تكون تصغي لحديثك مع الآخرين والتشابك والتداخل مع عقلك إذا ما دعت الضرورة، لا بل من المؤكد انها قد تدخل أيضا الى الفتحات الموجودة في الكومبيوتر للوصول الى الشرائح الإلكترونية داخله.

إذن كيف ستدبر أمر قضايا الأمن في هكذا نوع من المناخ؟ يقول بيرسون إنه لا يوجد أي نوع من الأمن، من عام 2025 فصاعدا، لأنه لا يرى كيف السبيل الى ذلك.

الجوال قطعة صغيرة معلقة فوق الأذن تعرف كل أرقام الأصدقاء وتعمل بنطق اسمائهم

«التقنية الاجتماعية».. ستؤمن تواصل الشباب على مدار الساعة ما هي التقنيات التي ينبغي على الشركات تطويرها لمواجهة احتياجات السكان في المستقبل؟ وفق تصورات بيرسون المستقبلية فإن «التقنية الاجتماعية» باتت أمرا مهما للغاية، لا بل واحدة من الأمور المقبلة التي ستحدث في عالم تقنيات المعلومات. في الاتصالات الهاتفية يكون الاتصال والحديث بين شخص وآخر، وقد يكون بمقدورك عقد مؤتمر صوتي، أو مؤتمر فيديو، لكن كم مرة يحصل ذلك؟ ربما مرة أو مرتين في الأسبوع.

لكننا اليوم نتعامل مع التقنيات التي تتعامل مع المجموعات، يقول بيرسون، وهذا ما يرغبه الناس خاصة المراهقين منهم الذين يودون الثرثرة مع الجميع في وقت واحد، وليس بين فرد وآخر فقط.

أي اننا ننظر الى تقنية تتيح النطق باسم الشخص المطلوب ليجرى الاتصال معه عبر قطعة صغيرة معلقة في الأذن من دون الحاجة الى طلب رقم هاتفه الذي سيصبح أمرا من الماضي بحيث يُجرى الاتصال بمجرد نطق الاسم الأول من الشخص المطلوب. وفي مثل جو كهذا من التقنية الاجتماعية لا يوجد ما يمنع أن يكون هاتفك الجوال الذي لا يتعدى كما قلنا قطعة صغيرة معلقة في الأذن عارفا بمكان جميع أصدقائك للاتصال بهم جماعيا إذا لزم الأمر.

ونحن شرعنا ننتقل الى مجالات أخرى مرئية، فقد اقترحت على ابنتي أن أركب لها على جدار غرفة نومها شاشة عرض من البلازما قياس 50 بوصة وأوصلها بالنطاق العريض بكاميرا إنترنت مركبة الى جانبها، ثم أفعل الشيء ذاته مع غرفة نوم صديقتها التي كثيرا ما تبيت عندها، او العكس لغرض الثرثرة والتسلية معا مما يتيح لهما قضاء الليالي دائما معاً من دون الحاجة الى انتقال الواحدة من بيتها الى بيت صديقتها. ونحن فعلا على أبواب مثل هذه التقنية التي تنفع المراهقين الراغبين في قضاء معظم الوقت معاً، كما قد تفيد ايضا المسنين الذين يعيشون في وحدة بمفردهم والذين هم بحاجة الى مراقبة دائمة.

و كل ذلك بحسب المصدر المذكور.

المصدر: الشرق الأوسط اللندنية-21-10-2006

 

 

 

 

 

 

 

ظاهرة تسييس المجتمع المدني في العراق !

 

 

المحامي جميل عودة

أكاد أجزم أن 90 بالمئة من منظمات المجتمع المدني في العالم مسييسة لمصلحة دولة أو منظمة دولية، تيار أو حزب أو منظمة أو شخصية سياسية؛ واقل ما يقال إن الذي يدير أكثرية منظمات المجتمع المدني من وراء الكواليس هم رجال السياسة والحكم سواء كانوا محليين أم دوليين. وكأننا نؤكد مقولة عزمي بشارة من أن (المجتمع المدني دون سياسية وخارج ساحة المعركة من اجل الديمقراطية هو عملية إجهاض!)، وهذا المعنى ينطبق على دائرة المجتمع المدني في العراق، حيث يتصاعد عدد المنظمات التي تديرها الأحزاب والشخصيات السياسية يوما بعد آخر في الوقت الذي تصدر بين الفينة والفينة إشارات معتبرة عن وزارة الدولة لشؤون المجتمع المدني تؤكد على عدم تسيس منظمات المجتمع المدني! فهل نحن مع ظاهرة تسيس منظمات المجتمع المدني في العراق، أم مع عدم تسيسها، وما هي الأدلة والنتائج التي نحتكم إليها في تبني أحد هذين الرأيين، أو تجاوزهما إلى رأي ثالث؟  يستند الرأي الذي يقول بعدم تسييس منظمات المجتمع المدني إلى أن مؤسسات الدولة العصرية من الناحية السياسية تنقسم إلى ثلاثة مؤسسات هي:

1. المؤسسات الرسمية (الحكومية): وتتصدرها أجهزة السلطات الحكومية الثلاث، التشريع (البرلمان)، والتنفيذ (مجلس الوزراء) والقضاء (المحكمة العليا) وكل ما يتبع هذه المؤسسات من دوائر وهيئات.

2. المؤسسات السياسية غير الرسمية (غير الحكومية): وتنحصر في الأحزاب السياسية، بأنواعها واتجاهاتها المختلفة، وجماعات الضغط (المصالح) التي تسعى - لدى الحكومة - لخدمة مصالح معينة. ويندرج ضمن هذه الجماعات أية مؤسسة تمثل "الرأي العام" - كلياً أو جزئياً.

3. مؤسسات (المجتمع المدني): أو المؤسسات الشعبية، وهي : الجمعيات والمؤسسات التي تنشأ - بمبادرات شعبية - لتقديم خدمة معينة للمنتمين إليها، ولا يكون هدفها الربح المادي... مثل: الجمعيات العلمية، والمهنية، والجمعيات الخيرية، ومؤسسات الدفاع عن حقوق الإنسان... إلخ. .

وهذا يعني أن المؤسسات السياسية الرسمية (الحكومية) والمؤسسات السياسية غير الرسمية (المعارضة مثلا) هي التي يجب أن تمارس الأنشطة السياسية؛ لان السياسية تعني السعي للحصول على مكاسب سياسية مباشرة أو غير مباشرة في السلطة. وهذا ليس شأنا من شؤون مؤسسات المجتمع المدني التي يجب أن يقتصر نشاطها على تلبية حاجات أعضائها غير السياسية. وبالتالي فان افضل مساحة تتحرك بها منظمات المجتمع المدني هي مساحة الخدمات والتنمية والرعاية والمساعدات والتأهيل، وكل ما يمت إلى الخدمة المدنية غير السياسية. هذا الكلام لا تقبل به الكثير من منظمات المجتمع المدني التي ترى أهمية تسييس منظمات المجتمع المدني؛ لان قبوله يعني (عملية إجهاض) لمنظمات المجتمع المدني، فكثير من علماء السياسة يقسمون (مؤسسات) الدولة الحديثة - أي دولة - إلى قسمين فقط هما: المؤسسات الحكومية (وتشمل ما ورد في البند1 أعلاه)، ومؤسسات المجتمع المدني: وتشمل كل ما ورد في البندين 2، 3 وهذا يعني أن لمنظمات المجتمع المدني فسحة كبيرة في تحقيق الديمقراطية وتغيير الأنظمة الشمولية بل الديمقراطية أيضا من خلال الأنشطة السياسية السلمية كالتظاهرات والإضرابات والاعتصامات والاحتجاجات، وهذا ما حدث في أوروبا الشرقية وبلدان أميركا اللاتينية، وبالتالي تذهب بعض التقسيمات إلى اعتبار أحزاب المعارضة جزءا من المجتمع المدني أو أن لأحزاب المعارضة آلية من آليات المجتمع المدني. ومن الجانب الآخر تعمل بعض الأحزاب السياسية المعارضة في ظل ضيق فرص العمل الجماهيري المفروضة عليها إلى الاستعانة بمنظمات المجتمع المدني كمعينات للعمل الجماهيري. وواضح تدخل الأحزاب السياسية خاصة الحاكمة في شؤون مؤسسات المجتمع المدني وهي ليست بدعة، فعلى سبيل المثال أن منظمة فريدريش ايبرت تتبع للحزب الديمقراطي. وان منظمة هنريش بول تتبع لحزب الخضر.

لكن يبقى المحك متعلقا بالمصداقية تجاه المواطن فمثلا هنريش بول كانت تنتقد الحكومة الألمانية مع أن حزب الخضر كان جزءا منها. نحن لا نعتقد بالرأي الذي لا يسييس مؤسسات المجتمع المدني لان السياسية جزء لا يتجزأ من حياة الناس، وكل شيء في الحياة الإنسانية تقدمه السياسية وتخطط له. كما لا نعتقد بذلك الذي يسييس مؤسسات المجتمع المدني، لان تسييس المنظمات المجتمع المدني بمعنى توفير الغطاء الاجتماعي للحزب السياسي سوف يفقد المنظمة غير الحكومية هويتها ويفقدها استقلاليتها.  إن التدخل في الشؤون السياسية بمعنى التأثير في مصدر القرار لتحقيق مكاسب افضل للمجتمع مثل تدخل منظمات نسوية للتأثير والضغط على صناع القرار لإضافة مواد تخص المرأة في الدستور، أو تدخل مؤسسات المجتمع المدني لتوفير حماية لها في الدستور مثل إدراج المادة (45) في الدستور العراقي لا يضر بحياد واستقلال مؤسسات المجتمع المدني، بل هو من صميم نشاطها.  وبالتالي، لابد أن نضع معيارا لظاهرة تسييس منظمات المجتمع المدني، بحيث تكون لدينا القدرة على إدخال بعض الأنشطة السياسية ضمن نشاط منظمات المجتمع المدني أو استبعاد أخرى منها. وهذا المعيار المقترح يستند على قاعدتين: القاعدة الأولى: قاعدة (السياسة من أجل الجميع) أي أن منظمات المجتمع المدني الحقيقية غير معنية بتأييد أو معارضة السلطات أيا كانت، وإنما هي معنية بمعارضة أو تأييد السياسات والبرامج التي تؤثر على المجتمع. وهذا هو النشاط المقبول صدوره مثل تحريض الناس على الاشتراك بالعملية الانتخابية، أو الدعوة إلى إطلاق الحريات العامة وغيرها. والقاعدة الثانية: قاعدة (السياسة من أجل البعض) أي العمل من أجل حزب أو منظمة أو تيار، لان مثل هذا النشاط المنحاز يخل بمبدأ الاستقلال والحياد.  ومما لاشك فيه أن غالبية منظمات المجتمع المدني في العراق هي منظمات مسييسة على قاعدة (السياسة من اجل البعض) وتحصل على دعم دولي أو إقليمي أو محلي، وتقدم خدماتها بقصد الترويج لشخص أو حزب أو تيار، وهذه المنظمات وإن كان وجودها ضروريا في هذه المرحلة لتوفير الخدمات والمعونات التي تعجز الدولة عن تقديمها، إلا أن استمرارها في المرحلة المقبلة سوف يشكل عائقا من عوائق تقدم المجتمع المدني في العراق!. فهل من يتعض؟.

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور.

المصدر: جريدة الصباح-19-10-2006

 

 

 

 

 

 

 

الفضاء يضيق بـ«الفيحاء»!

 

ابراهيم حاج عبدي

أياً كانت الأسباب التي حدت، أخيراً، بالسلطات الإماراتية إلى إغلاق فضائية «الفيحاء» العراقية، وعدم تجديد العقد معها لبث برامجها من مدينة دبي الإعلامية، فإن الإغلاق، بحد ذاته، يثير أكثر من تساؤل حول واقع الإعلام العربي. قد تكون السلطات الإماراتية محقة في هذا الإجراء بالنظر إلى أن أحد الأسباب التي سيقت لتبرير الخطوة الإماراتية هي أن السلطات الإماراتية تلقت التهديدات من جماعات عراقية مسلحة تطالبها بإغلاق القناة! وقيل، كذلك، أن الرئيس اليمني علي عبد الله صالح تدخل، عبر وزارة الخارجية، لدى دولة الإمارات لإغلاق القناة على خلفية برنامج بثته «الفيحاء» انتقدت فيه الرئيس اليمني عقب تصريح للأخير جاء فيه: «أيهما أفضل ديكتاتورية صدام حسين أو ديموقراطية أميركا»! إذ خصصت القناة يوماً مفتوحاً لمناقشة تصريحاته وتلقت اتصالات من عراقيين هاجموا فيها علي صالح.

هذه القناة لم تكتف بالدفاع عن شريحة محددة من الشعب العراقي، بل جاهرت بالدفاع عن العراقيين من دون تمييز، وانتقدت بشدة نظام الاستبداد، وفضحت عمليات إرهابية التي تحدث في العراق تحت اسم «المقاومة»، إلى غير ذلك من الملفات الساخنة التي حاولت «الفيحاء» تسليط الضوء عليها... وإغلاقها، الآن، يعني غياب منبر إعلامي حاول أن يقدم مشهداً بانورامياً لعراق اليوم، مع ميل للتفاؤل بولادة قريبة لعراق ديموقراطي تعددي فيديرالي،فقد ضاق الفضاء على رحابته بفضائية ذات طابع سياسي، على رغم وجود عشرات القنوات الفضائية العربية الهابطة والسطحية والتي تستحق الإغلاق.

كان يفترض أن تكون التجربة العراقية، على الأقل، على صعيد الإعلام، نموذجاً يحتذى، بالنظر إلى كثرة القنوات العراقية، وتعدد أصواتها على نحو مغاير للإعلام الرسمي العربي، غير أن العالم الذي تحول إلى «قرية صغيرة» كما يقول ماكلوهان لم يشمل، على ما يبدو، العالم العربي، الذي لا يزال يحبو في مجال الإعلام. فمن الغريب حقاً، ووسط هذا التطور التكنولوجي الكبير في مجال الاتصالات، أن نشهد إغلاق محطة حاولت أن تقول كلمتها بإمكانات متواضعة إلى جانب إمبراطوريات إعلامية مبهرة لا يستطيع أحد منافستها. ولعل الأمر المهم الذي غاب عن بال من تسبب في إغلاق هذه الفضائية هو أن هذا الإجراء يعبر عن قوة تأثير هذه القناة، وعن دورها الفاعل... وفي هذا عزاء للقائمين عليها.

لكن الدرس الأساس هو أن هذا الإجراء، يشير إلى أن الذهنية العربية التي اعتادت الخبر الرسمي المنمق، لن تقبل، بسهولة، بالرأي الآخر، فهي اعتادت على أن تكون «الرعية» صامتة، وغائبة، ومن الطبيعي أن تقف ضد أي منبر يحاول أن يفسح لتلك «الرعية» الكلام والحضور!

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصاً و بدون تعليق.

المصدر:دار الحياة-18-10-2006

 

 

 

 

 

 

 

 

هل تراجعت أمريكا عن دفع الديمقراطية في العالم الإسلامي؟

 

تراجعت الولايات المتحدة في هدوء عن ضغوطها التي لفتت الانتباه من أجل الديمقراطية في العالم الإسلامي منذ أن باغت فوز حركة المقاومة الإسلامية (حماس) في الانتخابات إدارة بوش وجاء بجماعة متشددة للسلطة.

ورغم استمرار تركيز الرئيس الأمريكي جورج بوش على التحول الديمقراطي في العلن يقول محللون إن صانعي السياسة الأمريكية رأوا أن فوز حماس في الانتخابات التشريعية الفلسطينية جانب لاتجاه من الممكن أن يكون خطيرا وذلك في أعقاب المكاسب التي حققتها جماعة الإخوان المسلمين في مصر وحزب الله في لبنان من الديمقراطية.

وفي كل حالة ينظر إلى الانتخابات على أنها تعزز وضع خصوم “إسرائيل” حليفة الولايات المتحدة وتعمل في صالح حماس وحزب الله اللتين تعتبرهما واشنطن منظمتين إرهابيتين.

وتجربة العراق التي صورها المسؤولون الأمريكيون من قبل كمحفز للتغيير الديمقراطي في الدول العربية تبين انها رمز مزعج للاقتتال الطائفي.

وقال مايكل روبين الباحث المقيم في مركز ابحاث امريكي “بصراحة الإدارة تراجعت حتى عن الضغط السلبي من أجل الديمقراطية”. وتلتزم واشنطن الصمت الآن وبدرجة كبيرة ازاء الإجراءات التي تتخذها أنظمة حكم في الشرق الأوسط لقمع المعارضة.

ووزيرة الخارجية الأمريكية كوندوليزا رايس التي ألقت خطابا مشبوبا بالعواطف عن الديمقراطية في القاهرة في العام الماضي لم تنتقد أساليب مصر القمعية خلال زيارتها التي جرت مؤخرا.

وقال روبين “بدأ كثير من الأنظمة يرصد ضوءا أخضر للعودة إلى الماضي ويقوض ذلك أي نوع من المصداقية تتمتع به الولايات المتحدة ليس الآن فقط وإنما في المستقبل أيضا في أي دعوات للإصلاح”.

ويحذر محللو السياسة من أن تآكل مصداقية الولايات المتحدة في دعم الديمقراطية سيضر بالجهود الأمريكية لاستخدام الإصلاح كسلاح ضد التشدد الإسلامي المتنامي ودعاية تنظيم القاعدة. ويقولون إن الولايات المتحدة تواجه صراعا بين الأجيال في العالم الإسلامي حيث تزيد الممارسات القمعية والفاسدة للحكومات المتحالفة مع واشنطن الشكوك الدفينة في الدوافع الأمريكية.

وجاء في تقرير للمخابرات الأمريكية عن اتجاهات الإرهاب العالمي رفعت عنه السرية مؤخرا “إن قيام نظم سياسية تتمتع بقدر أكبر من التعددية وأكثر تجاوبا في الدول الإسلامية سيخفف بعضا من المظالم التي يستغلها الجهاديون”.

وزاد استخدام بوش لقضية الديمقراطية في خطبه من مشكلة غياب المصداقية التي تعاني منها الولايات المتحدة تعقيدا.

وأشارت ايلين ليبسون النائبة السابقة لرئيس مجلس المخابرات القومي وهو مركز أبحاث حكومي بارز إلى أن البيت الأبيض ربما يتبنى الآن نهجا أكثر براجماتية وأطول أمدا للإصلاح.

وتدعم إدارة بوش الديمقراطية من خلال برامج مثل مبادرة الشراكة مع الشرق الأوسط التي خصصت 300 مليون دولار تقريبا على مدى اربع سنوات للإصلاح والتعليم والتنمية الاقتصادية. لكن مسؤولين سابقين في المخابرات يرون أن مسؤولي الحكومة الأمريكية بما في ذلك الدبلوماسيون لم يتبنوا قط التحول الديمقراطي بشكل كامل ويرجع ذلك جزئيا إلى فشل مجلس الأمن القومي الأمريكي في تأكيده كأولوية.

وأصبحت الجماعات المؤيدة للديقراطية في العالم العربي متشائمة على نحو متزايد ازاء فرص تحقيق إصلاح ذي معنى.

وحتى في أفغانستان التي تباهي بها واشنطن باعتبارها قصة نجاح ديمقراطي يشير المراقبون إلى أوجه للقصور في الانتخابات البرلمانية ومجالس الأقاليم في العام الماضي.

وقالت جوانا ناثان وهي محللة لدى المجموعة الدولية لادارة الأزمات مقيمة في كابول “نحن قلقون بشكل خاص لأنه ليس هناك على ما يبدو جهود متواصلة لبناء أحزاب سياسية... وكذلك لأنه لا يوجد حديث حول انتخابات لمجالس المناطق والمجالس البلدية التي يفترض أن تجرى بموجب الدستور”.

و كل ذلك بحسب المصدر المذكور نصاً و دون تعليق.

المصدر : الخليج الإماراتية-16-10-2006