العدد19- الصفحة السادسة

  

 

 

 

النفط والاستراتيجية الاقتصادية العراقية(1)

 

 

د. صبري زاير السعدي*

 

 بينما هو معروف الدور الاقتصادي الاستراتيجي للنفط في العراق، إلا أن السياسة النفطية بعد سقوط النظام السابق أصبحت مثيرة للجدل في جانبين. الأول، الملكية العامة في مقابل الملكية الخاصة للصناعة، والجانب الثاني، نمط توزيع الإيرادات النفطية بين الاستخدامات المختلفة(2). فالدعوة المبكرة لخصخصة الصناعة النفطية أثارت مخاوف العراقيين من احتمال ضياع ثروتهم النفطية وتسليمها إلى الشركات الأجنبية العملاقة، ولكنها تضاءلت فيما بعد تحت تأثير الضغوط السياسية المحلية والهجمات الإرهابية على البنية الأساسية للصناعة النفطية. ولذلك، يصبح ضرورياً أن تتخذ أية حكومة جديدة موقفاً واضحاً فيما يتعلق بخصخصة الصناعة النفطية والذي يجب أن تكون جزءاً من استراتيجية التنمية البعيدة المدى. كذلك، يكون من الضروري على الحكومات أن تعلن التزامها بالسياسة البعيدة المدى الخاصة بتوزيع الإيرادات النفطية من أجل تحييد قوة النفط السياسية. ولأسباب واضحة، فإن سياسة زيادة إنتاج وتصدير (الإيرادات) النفط قد كسبت دعم جميع الأطراف المعنيين.

منذ تأسيس العراق الحديث في عام 1921، ركزت الحكومات المتعاقبة على الاستفادة من الإيرادات النفطية في تمويل مشاريع التنمية العامة. ولكن، حتى عام 1953، لم تكن قيمة الإيرادات النفطية ذات أهمية في المالية العامة. ومنذ عام 1953 حتى عام 1959، تم تخصيص نسبة 70% من الإيرادات النفطية لتمويل مشاريع البنية الأساسية في البلاد. وخلال الفترة (1960ـ1973)، كانت الإيرادات المصدر الرئيسي للميزانية السنوية ولتمويل مشاريع البنية الأساسية وموزعة بينهما بنسبة (50%ـ50%). ثم شهدت الفترة (1974ـ1980) الفرصة الذهبية للإسراع بالتنمية الاقتصادية والاجتماعية حيث كانت الموارد المالية الحكومية المتأتية من النفط بصورة أساسية والمطلوبة للاستثمار وللاستهلاك وللواردات المتزايدة غير محدودة. ومنذ عام   1980، أدت حرب الثمان سنوات المدمرة مع إيران وما تبعها، غزو الكويت في عام 1990 ونتائجه حرب الخليج في عام 1991 والحصار الاقتصادي الذي استمر 13 سنة، وكذلك الإدارة السيئة للإيرادات النفطية من قبل النظام السابق، أدت إلى التدهور الاقتصادي السريع والبطالة العالية والانخفاض الكبير في مستوى المعيشة وانتشار الفقر(3).

عوامل تاريخية

إن نظرة سريعة على تاريخ العراق الحديث تلقي الضوء على عامل خارجي رئيسي في المشاكل السائدة. فمنذ أوائل القرن الثامن عشر، كانت المنافسة ظاهرة بين القوى الكبرى حول العراق الخاضع للإمبراطورية العثمانية بسبب المصالح الاستراتيجية والتجارية. ومع نهاية القرن، أصبح النفط، المصدر الجديد للطاقة، عنصراً استراتيجياً إضافياً في المصالح الأجنبية بالعراق. وبعد الحرب العالمية الأولى، تأسست الدولة العراقية الحديثة، استمرت المنافسة الأجنبية بين القوى المنتصرة في الحرب: بريطانيا العظمى، فرنسا، هولندا، والولايات المتحدة الأمريكية للحصول على امتياز استغلال واستكشاف النفط الخام العراقي. في عام 1925، وبينما كان العراق تحت الانتداب البريطاني، انتهت المنافسة الأجنبية الحادة حينذاك بعقد أول اتفاقية نفطية بين الشركة الممثلة لمصالح تلك القوى الكبرى وبين الحكومة العراقية. ولكن حتى عام 1950، لم تكن الإيرادات النفطية تشكل مصدراً مهماً للمالية العامة. ومنذ عام 1953، ازدادت الإيرادات النفطية بصورة كبيرة بحيث أصبحت مصدراً مهماً في المالية العامة وعاملاً رئيسياً في التنمية الاقتصادية والاجتماعية(4).

في الانتفاع من الإيرادات النفطية كانت الحكومات العراقية آنذاك واعية لأهمية وجود ميزانية منفصلة لمشاريع التنمية العامة. وخلال الفترة (1927ـ1980)، تم تنفيذ العديد من برامج الأشغال العامة، وبرامج الإعمار، وخطط التنمية الاقتصادية والاجتماعية(5).

وفي الوقت الحاضر، ومع أن الحكومة العراقية تحت ضغط شديد من المشاكل الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، فإن عليها تطبيق سياسة واضحة لتخصيص الإيرادات النفطية بين النفقات الحكومية التشغيلية وبين الاستثمار في البنية الأساسية. ويجب أن يكون هذا متسقاً مع السياسات المالية والنقدية. وبصورة خاصة، لابد من فرض ضرائب على إنتاج النفط والغاز، ولابد من إتخاذ الإجراءات القانونية للسماح بمشاركة أكبر للقطاع الخاص الوطني والشركات الأجنبية في صناعة تصفية منتجات النفط وتوزيعها على أن لا تقل ملكية الدولة فيها عن 51% منها. جميع هذه السياسات يجب أن تصمم في ضوء الاستراتيجية الاقتصادية البعيدة المدى التي يتمثل هدفها الرئيسي بتقليل الاعتماد الكبير للاقتصاد على الإيرادات النفطية بمقياس مساهمة قطاع استخراج النفط في الناتج المحلي الإجمالي وإيرادات التصدير في المالية العامة وفي تمويل الإستيرادات(6). إن مساهمة القيمة المضافة للنفط الخام في الناتج المحلي الإجمالي يجب أن لا تزيد على 20%، بينما الإيرادات غير النفطية يجب أن تكون على الأقل 80% من ميزانية الحكومة السنوية. ويمكن تحقيق هذا الهدف من خلال ثلاث مكونات من السياسات:

أولاً:  تنويع الفعاليات الاقتصادية، وزيادة الاستثمار الخاص، والصادرات غير النفطية.

ثانياً: تنفيذ مشاريع مكثفة للتنمية البشرية وبرامج لإعادة التأهيل لغرض تحسين مهارات القوى العاملة والإنتاجية.

ثالثاُ: يجب على الدولة أن تنشط لتسهيل التكيف للتكنولوجيا المتقدمة في الإنتاج، وفي الاتصالات، وفي المعلومات، ونشرها.

وبشكل موازٍ لهذه السياسات، فإنه من الضروري للعراق أن يكون لديه نظام جديد للضمان الاجتماعي من أجل تعزيز الديمقراطية والتنمية الاجتماعية معاً. ويجب أن يستند نظام الضمان الاجتماعي الجديد على التجربة القائمة في تقديم خدمات التعليم الأساسي والصحة والخدمات الاجتماعية. وفي هذه المجالات يجب تشجيع مشاركة القطاع العام والخاص. هنا، علينا ملاحظة أن برنامج النفط مقابل الغذاء الحالي وما يتكرر اقتراحه عن شبكة الأمان الاجتماعي من قبل البنك الدولي ومنظمات الأمم المتحدة الأخرى يجب أن لا يكون بديلاً لنظام الضمان الاجتماعي. فالعراق يملك قاعدة للبنية الأساسية الاجتماعية، ولديه الثروة النفطية، وأن العراقيين لديهم الوعي الاجتماعي بحقوقهم في وجود نظام للضمان الاجتماعي يكون مناسباً، ودائماً، وغير متحيز. إن إصلاح الرفاهية الاجتماعية هو شرط ضروري آخر لتشجيع الديمقراطية في العراق.

السوق والسياسات الاقتصادية: براغماتية وليس إيديولوجية جامدة

تبرهن التجربة العراقية خلال الفترة (1960ـ1980) على أن المركزية العالية في التخطيط الاقتصادي وهيمنة المشاريع العامة لم تكن كفوءة في الانتفاع من الموارد المتاحة وسببت مشاكل اقتصادية هيكلية بالرغم من تحقيق معدلات عالية في النمو وارتفاع هام في مستوى المعيشة. لقد كان التدخل الاقتصادي الحكومي الواسع آنذاك يتم من خلال الاستعمال السيئ للميزانيات العامة السنوية، ولمناهج الاستثمار السنوية، ولاحتكار التجارة الخارجية التي كانت تمول من الإيرادات النفطية بصورة رئيسية. بينما كانت الإيرادات غير النفطية تساهم مساهمة قليلة في المالية العامة. ولقد ساعدت عمليات إتخاذ القرارت الشديدة المركزية على احتكار الحكومة لاستغلال قوة النفط لتحقيق أهداف سياسية والتي خلقت في النهاية الظروف المواتية لظهور نظام صدام الدكتاتوري.

لذلك، العراق اليوم بحاجة لدور فعال للقطاع الخاص الوطني ولمبادرات الريادة، وكذلك لدور الدولة لخلق بيئة الأعمال والاستثمار الملاءمة. وبتفصيل أكثر، العراق في هذه المرحلة بحاجة لمشروع وطني للتغيير الاقتصادي الجذري يشمل رؤيا بعيدة المدى، واستراتيجية وسياسات للتحرير الاقتصادي. كذلك العراق بحاجة لجهاز غير سياسي جديد تابع للدولة بهدف مواصلة العمل في إعادة إعمار البنية الأساسية. إن مبادرات مجتمع الأعمال وبناء الطاقات الحكومية هي ضرورية، ولكنها غير كافية، لتنفيذ مثل هذه التغييرات. كذلك من الضروري أن يقدر جميع الأطراف المعنية أهمية وجود العناصر الاستراتيجية الثلاثة التي تؤثر في مستقبل البلاد: النفط والديمقراطية والتنمية.

لأكثر من ثلاثة عقود، لم يسمح نظام صدام الشمولي والقمعي بقيام أية مشاريع اقتصادية كبيرة الحجم للقطاع الخاص. أما المشاريع الصغيرة والمتوسطة في البلاد فقد أدت أدواراً ضعيفة ومحدودة كانت مقيدة باستغلال نفوذ مسؤولي النظام لها. في الماضي، لقد خدمت المشاريع الخاصة دوراً تابعاً للصناعات الكبيرة المملوكة للدولة، ومنحت حقوق إقامة المشاريع كامتيازات لأتباع صدام. أما الآن، فالتنمية الاقتصادية بحاجة لموارد قطاع الأعمال ولمبادرات الريادة الخاصة. والتحدي هو كيف يمكن الحفاظ على الظروف الاقتصادية والتنظيمية التي تسمح بالمبادرات الطوعية الجديدة لقطاع الأعمال تحت شروط السوق الحرة والمنافسة وحكم القانون.

لقد سبق التوقع بأن القطاع الخاص بعد سقوط نظام صدام سيساعد في تعبئة الموارد لزيادة النمو الاقتصادي والتشغيل. ولكن، ولسوء الحظ، تلاشى هذا الأمل بسبب مشاكل الأمن والسياسات الاقتصادية والمالية السيئة والفساد. وحتى بالنسبة للقطاع غير المنظم، لم تتم رعاية خبراته وقدراته وتطويرها لإيجاد جيل جديد من الرياديين والمشاريع الاستثمارية. ومع ذلك، فإن القطاع الخاص الوطني قادر على المشاركة بفاعلية في تعبئة الموارد اللازمة للاستثمار، إذا ما تحسن المناخ الاقتصادي والسياسي.

التحرير الاقتصادي

صحيح أن دور القطاع العام كان مرتبطاً بشكل وثيق مع الزيادة في الإيرادات النفطية والإنفاق الحكومي. ولكن، ولأجل التعريف بالبديل، فإنه من الضروري جداً وجود رؤيا تثير الأمل واستراتيجية وسياسات واعدة  التي سوف يحقق تنفيذها، ومن بين أهداف أخرى، التحرير الاقتصادي بدون انهاء آفاق تنمية القطاع الخاص الوطني والصناعات المحلية الفتية. وفي نفس الوقت، فإن التنفيذ المتوالي والمتتابع لإصلاحات اقتصادية هيكلية شاملة، أي النظام الضريبي، والبنوك والتأمين، وسوق الأسهم والخدمات المالية، والإدارة العامة، والخصخصة، وإصلاحات الضمان الاجتماعي، وكذلك تجهيز البنية المادية والاجتماعية والبيئية الأساسية هي من الشروط الضرورية لزيادة استثمارات القطاع الخاص.

ولقد أظهرت التجربة أيضاً، أنه لأجل تفعيل آلية السوق، يجب على الحكومة أن لا تعتمد على الإيرادات النفطية للحصول على القوة السياسية. وينطبق هذا أيضاً على حكومة كردستان الفدرالية كما يكشف تنفيذ برنامج النفط مقابل الغذاء في منطقة كردستان خلال الفترة (1996ـ2003) نظرياً، ليس هنلك موضع خلاف حول إمكانية الوصول إلى الكفاءة الاقتصادية بواسطة آلية السوق الحرة. ولكن، استهداف الكفاءة الاقتصادية وحدها قد لا يعزز طاقات القطاع الخاص الوطني. وأيضاً، قد لا يؤمن العدالة الاجتماعية المتعلقة بتوفير الخدمات الصحية والتعليمية الأساسية والمرافق العامة، وكذلك التوزيع الأفضل للدخل والثروة الناجم عن الإيرادات النفطية والفعاليات الاقتصادية. لذلك، يجب الحفاظ على دور حكومي محدود يتم تعريفه بعناية. ولهذا الغرض، يمكن تصنيف السياسات الاقتصادية العراقية في ثلاث مجموعات متكاملة. أولاً، السياسة الاقتصادية المالية والنقدية الكلية التي تستهدف الحفاظ على الاستقرار الاقتصادي الداخلي ومع الاقتصادات الخارجية من خلال نظام مرن للصرف الخارجي للعملة. ثانياً، الإصلاحات الاقتصادية الهيكلية التي تستهدف توفير متطلبات السوق الحرة. وثالثاً، أن على الحكومة القيام بتنفيذ برنامج واسع النطاق لإقامة البنية الأساسية الاقتصادية (المادية) والاجتماعية والبيئية.

المجلس العراقي للتنمية وإعادة الإعمار: جهاز وطني

منذ أوائل الخمسينات، جرب العراق برمجة التنمية الاقتصادية والاجتماعية على نحو مؤسسي بشكل جيد. ففي عامي 1951 و1953، تأسس مجلس الإعمار ووزارة الإعمار، وكلاهما كانا مسئولين لإعداد وتنفيذ برامج الإعمار. وفي عام 1959، حلت وزارة ومجلس التخطيط محل وزارة ومجلس الإعمار. منذ ذلك الحين، تغير مفهوم تخطيط التنمية في ثلاثة أوجه:

أولاً: تبدلت البرمجة والتنفيذ المركزي الذي كان سائداً في الخمسينات بتخطيط الاستثمار المركزي ولامركزية تنفيذ المشاريع العامة.

ثانياً: خلال الفترة (1951ـ1959) كانت للسلطات الحكومية تدخل محدود في عملية اتخاذ قرارات الاستثمار لمجلس الإعمار بالمقارنة مع الفترة اللاحقة.

ثالثاً: اتجه التخطيط الاقتصادي منذ عام 1964 لأن يكون أكثر شمولاً من حيث المفهوم والممارسات. أي بمعنى الأهداف والفعاليات والمضامين الاقتصادية والاجتماعية والسياسية. وعلى المستوى الفني، شهد العراق خلال النصف الأول من السبعينات أكثر مشاريع التخطيط الاقتصادي تحدياً وجدية. وفي النصف الثاني من السبعينات، تمتع العراق بنموذج للنمو الاقتصادي اتصف بوجود موارد مالية غير محدودة. وبعدها، تدهور دور المؤسسات الاقتصادية العراقية سريعاً كنتيجة لأهداف نظام صدام السياسية الرجعية والمدمرة(7).

منذ بداية الخمسينات، كان العراق رائداً في تنفيذ برامج الإعمار(8). وحتى أوائل السبعينات، كانت المؤسسات الحكومية العراقية كفوءة على قدر معقول في تنظيم الميزانية السنوية والاستثمار الحكومي في البنية الأساسية المادية، والتعليم والخدمات الصحية، وتوفير خدمات المنافع العامة. ولكن، مع زيادة تدخل الحكومة الاقتصادي ـ بدأ في عام 1964 ـ ازدادت أهمية برامج التنمية الحكومية أيضاً. وعلى نحو موازٍ لهذا التطور، كانت السياسات الاقتصادية الحكومية لا تتم من خلال القواعد والإجراءات الدستورية والمؤسسية المتعارف عليها، الأمر الذي نتج عنه المشاكل الاقتصادية والمالية السائدة قبل سقوط النظام السابق.

بعد مرور أكثر من ثلاثة عقود من الاضطهاد السياسي والفساد، وحرب الثمانية سنوات المدمرة مع إيران، وثلاثة عشر عام من تبعات الحصار الاقتصادي والتجاري الكارثة بعد غزو الكويت في عام 1990، فإن العراق في حاجة ماسة لبرنامج شامل لإعادة الإعمار والتنمية. وفي الوقت الحاضر، إن الانهيار الكامل للمؤسسات الاقتصادية، وتنفيذ السياسات غير الرشيدة، وعدم الاستقرار السياسي، والهجمات الإرهابية بعد الاحتلال يجعل هذه المهمة صعبة أكثر. وبصورة خاصة، تظهر تجربة العراق بعد الحرب أن مؤسسة صندوق التنمية للعراق المفروضة من الخارج، لم تكن كفوءة في إنجاز مهام إعادة التعمير بالرغم من توفر الموارد المالية ونصائح الخبراء الدوليين. كذلك، تبرهن التجربة بأن وزارة التخطيط والتعاون الإنمائي ليس لديها الطاقة على التكيف للتعامل مع المناخ الاقتصادي الجديد بدلاً من الاستمرار في ممارسات العراق القديمة مع زيادة التأكيد على الموارد الأجنبية. إن البديل المناسب هو في تأسيس المجلس العراقي للتنمية ولإعادة الإعمار كجهاز وطني مستقل ومهني لتحمل مسؤولية صياغة وتنفيذ برامج إعادة الإعمار المطلوب.

بالاستناد إلى خبرة العراق، فإن من الممكن تعريف أهداف المجلس العراقي للتنمية وإعادة الإعمار ليشمل التالي:

أ) تشخيص فرص الاستثمار في البنية الأساسية العامة على النطاق الوطني.

ب) تحضير توجيهات ومعايير الاستثمار لتقييم المشاريع العامة على النطاق الوطني.

ت) اختيار المشاريع الاستثمارية الرئيسية العامة.

ث) تعبئة وتخصيص الموارد المالية.

ج) التحضير لخطط التنمية الوطنية التأشيرية.

ح) تنفيذ برامج معينة للإصلاح الهيكلي.

خ) المبادرة في حث الفكر العراقي على صياغة رؤية مستقبلية للعراق.

لتحقيق هذه الأهداف، فإن على المجلس العراقي للتنمية ولإعادة الإعمار القيام بالفعاليات التالية:

أ) الدعوة لإعداد دراسات الجدوى الخاصة بمشاريع البنية الأساسية العامة على النطاق الوطني.

ب) قيادة المفاوضات والمؤتمرات الخاصة بالترويج للاستثمار.

ت) قيادة برنامج بناء طاقات الاستثمار.

ث) متابعة تنفيذ برنامج الاستثمار العام.

ج) تقديم تقرير سنوي عن تقييم التقدم إلى الحكومة.

وسوف تتكون المصادر المالية للمجلس العراقي للتنمية ولإعادة الإعمار من الإيرادات النفطية، والمشاريع العامة، والقطاع الخاص العراقي، والمؤسسات المالية الدولية والإقليمية والعربية.

ومن المناسب أيضاً، الاقتراح في هذه المرحلة أن المجلس العراقي للتنمية ولإعادة الإعمار سوف يتكون من أربع دوائر رئيسية هي: مجلس اتخاذ القرارات، والسكرتارية الفنية، والدائرة المالية، ودائرة الإدارة (9).

الاستنتاجات

سيستمر قطاع النفط في فرض تأثيره الكبير على التطور الاقتصادي والاجتماعي في المدى البعيد. ولكن، للحفاظ على الحريات الاقتصادية وتحييد قوة النفط السياسية في السياسة المحلية، فإن السياسات المجزأة والمتباينة الحالية يجب أن تتغير. ويمكن تحقيق هدف إعادة البناء وتحويل الاقتصاد الراكد إلى اقتصاد سوق كفوء (حيث تسود ثقافة المشاريع ويساهم القطاع الخاص أكثر من قطاع النفط الخام في الناتج المحلي الإجمالي وفي تمويل المالية العامة) بالتطبيق الفعال لسياسات متسقة موجهة باستراتيجية اقتصادية ورؤية مستقبلية وطنية بعيدة المدى لتعيد الآمال والوعود بالفرص. وفي المدى القصير، يجب إتخاذ إجراءات عاجلة للتخفيف من مشكلة البطالة والفقر الحادة، كما في تنفيذ برنامج للأعمال العامة يشمل مشاريع كثيفة العمل.

كما يحتاج العراق إلى مجلس للتنمية وإعادة الإعمار كجهاز وطني تابع للدولة لإقامة البنية الأساسية العامة من أجل تعزيز التنمية الاجتماعية والبيئية ولتسهيل فعاليات القطاع الخاص أيضاً. ولهذا الغرض، يجب تخصيص معظم الإيرادات النفطية لميزانية مجلس التنمية، بينما يجب تخصيص نسبة أقل من هذه الإيرادات لتمويل الميزانية الحكومية السنوية. إن الانتفاع من الإيرادات النفطية بصورة مستقلة عن السيطرة المباشرة للحكومة المركزية وللحكومات الفدرالية (حكومة كردستان)، سيساهم أيضاً في تحقيق الاستقرار السياسي، ومحاربة الفساد وضمان الثقة لدى الشركات الأجنبية.

وكما تكشف التجربة، ليس جميع السيئات في العراق تتأتى من الثروة النفطية، ولا جميع فضائل المستقبل سوف تنشأ من الثروة النفطية.  ولكن، لا يمكن فصل الجهود الناجحة للترويج للديمقراطية، وللحفاظ على الحريات المدنية والحرية الاقتصادية عن التوزيع الرشيد للإيرادات النفطية. وإذا استمر تمويل الإنفاق العام المتزايد بدون توسيع الطاقات الإنتاجية المحلية غير النفطية، فإن " فايروس" لنوع جديد من الشمولية والفساد الاقتصادي سوف "يولد". إن على الحكم الاقتصادي في العراق منع وقوع الاقتصاد في فخ النفط.

مستشار إقتصادي وموظف سابق في الأمم المتحدة، وشغل قبلها مناصب إقتصادية عليا في العراق.

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور.

المصدر:http://www.althakafaaljadeda.com/317/17.htm

 

................................

 

الهوامش:

1) الترجمة العربية للنص المنشور باللغة الإنجليزية:

Sabri Zire Al-Saadi, "Oil and Iraq's Economic Strategy", MEES 48 No.51 19 Dec. 2005.

2) خلال فترة النظام السابق (1967ـ2003) لم يسمح بحوار عام أو مناقشات عامة بين الوزارات والمسئولين الحكوميين حول السياسة النفطية. لقد كانت هذه السياسة موضوع مناقشات صدام اليومية المدعمة فنياً بعدد محدود من المهنيين.

3) حول بيانات الناتج المحلي الإجمالي للعراق، راجع:

Sabri Zire Al-Saadi, "Oil Wealth and Poverty in Iraq: Statistical Adjustment of Government GDP Estimates (1980-2002), MEES 48: 16 17 April 2005.

4) عن التفاصيل المتعلقة بين المنافسة الطويلة بين بريطانيا العظمى والقوى الأجنبية الكبرى حول استغلال النفط العراقي والاتفاقيات النفطية مع الحكومات العراقية وكذلك حول المصالح السياسية والمضامين الاقتصادية المتعددة، راجع المصدر السابق:

Penrose, Edith, & H.F. "IRAQ: International Relations and National Development", ibid.

5) حول التفاصيل الخاصة بالفترة السابقة لعام 1950، راجع:

Sassoon, Joseph. "Economic Policy in Iraq 1932-1950", Frank Cass & Co. Ltd, London, England 1987.

أما تقييم التطور والتفاصيل ذات العلاقة الخاصة بالفترة اللاحقة لعام 1950، فهي من بحث المؤلف المعتمد على الوثائق الحكومية.

6) قدمت المؤشرات الكمية لهذه المعايير في المصدر السابق:

Sabri Zire Al-Saadi,  "Economic Liberalization and Oil Policy: Vision and Priorities", MEES 46 21 July 2003.

7) قدمت خلاصة تحليلية وإحصائية للأزمات الاقتصادية خلال الفترة (1980ـ2003) في دراسة غير منشورة للباحث، راجع:

Sabri Zire Al-Saadi," Economic Project For Change: Economic Policies and a Program of Action for the New Democratic Regime", presented to the economy and infrastructure group, Future of Iraq Project, US Department of State, 23 October 2002.

8) راجع المصدر السابق:

Penrose, Edith & H. F, "IRAQ: International Relations and National Development”, ibid.

9) قدم مقترح المجلس العراقي للتنمية وإعادة الإعمار لأول مرة في كانون الأول عام 2002. راجع:

Sabri Zire Al-Saadi, "The Iraqi Development and Reconstruction Council" paper presented to the economy and infrastructure group' meeting, 2-3 Dec.2002, Future of Iraq Project, US Department of State.

 

مواضيع ذات علاقة:

 

معوقات التنمية الاقتصادية في الدول العربية النفطية

التحديات الإقتصادية لعملية التحول الديمقراطي

الإستقرار السياسي؛ حجر الزاوية في إنعاش الإقتصاد العراقي

الـتحديات الاقـتـصادية الـتي تـواجـه الـحـكـومـة العراقية المـقـبـلـة

نجاح الاقتصاد الريعي في دول الخليج يشكل حجر عثرة أمام الإصلاحات الشاملة  

اللجنة الاقتصادية الأميركية العراقية تسعى إلى إنعاش الاقتصاد العراقي

دعوة لاعادة النظر: مضمون صناعة النفط كما وردت في الدستور العراقي

 

 

 

 

 

أبعاد العولمـة ومسـتوياتها

 

 

د. علي وتوت*

 

 

تبدو العولمة بوصفها أنموذجاً للتحولات الكبرى التي تمرُّ بها المجتمعات. وهي بهذا التوصيف تبدو حداً فاصلاً بين مرحلتين حضاريتين، لكل منهما تصوراته ودلالاته للظواهر والأشياء التي اكتسـبت علاقاتها الجديدة في ضوء هذا التحول([1]). ولأنَّ العولمة لم تكن سـوى حصيلة طبيعية للتطور البشـري متعدد المسـتويات (المسـتوى التقاني Technical Level يليه المستوى الاقتصادي Economic Level ثم بعده المسـتوى الثـقافي Cultural Level ثم يأتي المسـتوى السـياسي Political Level أخيراً) فإنها أخذت شـمولها الحالي وتأثيرها الواضح بسببٍ من تواجد عوامل موضوعية، من أهمها :-

1. ثورة المعلومات.

2. التدفق الإعلامي المذهل.

3. التقدم التقاني.

هذه العوامل التي أدت بمجموعها إلى تصغير العالم، وسـهولة إطلاع أي ّ جزء منه على تجارب وهموم واهتمامات وقيم وسـلوك ونشـاط الأجزاء الأخرى إطلاعاً عميقاً وكثـيفاً وسـريعاً. ولمّـا كانت معظم هذه العوامل أو الشـروط بحوزة المجتمعات الغربية الرأسمالية المتقدمة، وتحديداً مجموعة من المؤسـسات أو الشـركات الرأسـمالية الأمريكية والأوربية الكبرى، فقد تمكّنت من الاسـتحواذ على انتبـاه الأفراد والجماعات في مختلف مجتمعات العالم، عبر سـيطرتها على وسـائل الاتصال والإعلام ومراكز المعلومات، فانتهزت الفرصة لتشـكيل وعي الأفراد والجماعات في باقي أجزاء العالم، وذلك بنشـر أنماطٍ ثـقافية مرغوبة تدعمها هذه المؤسـسات والشـركات الرأسـمالية، وذلك لأنها تؤكد علاقـات اقتصادية واجتماعية وثـقافية بعينها تؤدي إلى زيادة أرباح هذه الشـركات وإدامة سـيطرتها على أسـواق العالـم، وبالضرورة على مجتمعاتـه([2]). وعليـه فقد حلَّ تـنميط مجتمعات العالم، كجوهرٍ للعولمة وأطروحةٍ أسـاسـيةٍ في أطروحاتها، بديـلاً للأنماط الثـقافية المتعددة التي تزخر بها مجتمعات العالـم. ولكن ما الذي يعنيه تنميط المجتمعات ؟

لنـا أن نتصور أخيراً ـ وكما يشـاع ـ بأن نمطاً ثـقافياً واحداً سـيكون ذائعـاً بسـلوكياته وقيمه ومعايـيره وأخلاقياتـه وتقاليـده ونظمـه. إنّ آليـة هذا التصور ـ الذي ينادي بـه دعـاة العولمة ـ تؤكد بأن العولمة بمسـتوياتها هي الحلّ الأمثل لجميع مشـكلات العالم، وهي تضع الولايات المتحدة الأمريكية مثـالاً لمجتمع العولمة، وكأنه مجتمع بدون مشاكل !!!، على الأقل في المسـتويين الأول (التقاني) والثاني (الاقتصادي). فهي في هذين المسـتويين سـتغدق على الأفراد ما سـيفيض عن حاجاتهم من الإشـباع الجسـدي([3]). لكن ماذا عن المسـتويين الثالث (الثـقافي) والرابع (السـياسـي) ؟

تقترح العولمـة على البشـرية اليوم نمطاً ثـقافياً واحداً، ومما لاشـكّ فيه أن هذا النمط ارتبط بدرجةٍ كبيرة بالتراث الثـقافي للمجتمعات الرأسـمالية الغربية والذي تبلور خلال عشـرات ومئـات السـنين، وهو وإن كان نتاجـاً فكريـاً وثـقافيـاً طبيعيـاً للواقع الاجتماعي لتلك المجتمعات([4])، فإنه يكون مفروضاً من أعلى أو من خارج النسـق الاجتماعي لمجتمعات الدول الأخرى ( النامية أو المتخلفة أو دول الجنوب كما تسـمّى) ، ولابد من أن ذلك سـيولّد تناقضاً خطيراً ، إذ سـتنشـأ في وعي الأفراد ثـقافة وقيم ومعايـير وأخلاقيات ثـقافية ، بل وحتى سـلوكيات ، لا تمّت بصلةٍ إلى الواقع الاجتماعي الذي ينتمون إليه.

فحين يتبـنى الأفـراد والجماعات منظومات من الأفكار والقيم التي لم تخرج من رحم تنظيماتهم الاجتماعية ـ وذلك بتأثير التدفق الإعلامي اليومي الذي يفرض عليهم والذي يكون صوراً في معظم الأحيان ـ فليس هناك ثمة ما يدعو إلى الدهشـة إذا ما أدى ذلك التباعد الثـقافي والاجتماعي بين أفكار الأفراد أو الجماعات في المجتمع وبين واقعهم الاجتماعي إلى أنواعٍ أخرى من الخلل في البنى والأنسـاق الاجتماعية، الأمر الذي يعرضُّها إلى تشـويهٍ مضاعف، يضاف إلى التشّـوه الأصلي الذي نشـأ عن عمليات التحديث الرث التي شـهدتها هذه البنى دون مقدماتٍ وتمهيد.

يضاف إلى هذا، أن المضامين التي تصّدرها الدول والمؤسـسات الغربية، والتي تعمل بعـد ذلك على صياغة الأنماط والنماذج في الدول النامية والمتخلفة، تنتج في الأساس للأسواق المحلية للدول والمؤسـسات الغربيـة، وهي تمثل التقاليد والأنماط والقيم الاجتماعية والروحية والثـقافية والفكرية والأخلاقية لتلك المجتمعات وتعكسـها أيضاً، الأمر الذي يجعل الطرف الآخر أو المسـتورد ( الدول النامية أو المتخلفة ) يقـع في ارتباكٍ شـديد، ذلك أنّ الأنماط كلها ليسـت سـيئة، ولأنّ بعضها أو الكثير منها يمكن الاستفادة منه بشـكلٍ أو بآخر، بمعنى أنه صالحٌ للتطبيق، مع إجراء بعض الإزاحات النوعية بما يوازي قيم وثقافات المجتمعات والدول المستوردة([6]).

انطلاقـاً من هـذا التصـّور، يمكن أن نتبيّن الجوانب الايجابية للمسـتوى السـياسي للعولمـة في خضم مسـتوياتها الأخرى ( والذي يضم مفاهيم وسـلوكيات مثل الديمقراطية وحرية الرأي وحريـة المعتقـد والتعدديـة الحزبيـة و... ما إلى ذلك ) فمعظم المجتمعات الناميـة والمتخلفـة تبدو بحاجةٍ ماسـة إلى التنظيرات السـياسـية للعولمـة، إلاّ أنها تُعّدُ من المحرمات taboo في هذه المجتمعات، وهذا المسـتوى غالبـاً ما يغفـله مَن يرفضون العولمة. وسـنفترض مضطرين أن هؤلاء الرافضين لدعوات العولمـة ذوي نوايـا طيبـة، فهم يودّون كل ما هو صالح لمجتمعهم ، معتبرين أن العولمة هي شـّرٌ برمتـها.

تأسـيسـاً على ما سـبق، يمكن للعولمـة أن تحمل النفع للمجتمعات الإنسـانيـة، لـو أنهـا عملت على إيجاد مناخٍ صحيٍّ متكافىء لحوار ثـقافات هذه المجتمعات، والسـعي لتبادل الخبرات والتجارب فيما بينهـا، والابتعاد عن التنميط القسـري ( من خلال شـروط مفروضة مثالها القروض والمنح المشـروطة ) واحترام الخصوصيات والهويـّات الثـقافية للشـعوب، والكفِّ عـن الهيمنـة بكل وحشـيتها ... فلـو تحقق هذا لكانـت العولمـة تكامـلاً وتعاونـاً وتـثاقفـاً وغنىً وتـنوعّـاً للمجتمعات الإنسـانيـة جمعـاء([7]).

 

.....................

 

الهوامش

 

* كاتب وباحث في سوسيولوجيا السياسة: قسم علم الاجتماع- كلية الآداب / جامعة القادسية

([1]) خير الدين حسيب: العرب والعولمة، بحوث ومناقشات ندوة مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت ، ط3، 2000، ص15

 ([2]) حسين العويدات: العولمة ووسائل الثقافة والإعلام، الشارقة، مجلة الرافد، العدد 81، ص35

 ([3]) رسول محمد رسول: فضائياتنا العربية، العولمة والصورة والجسد، عمان، صحيفة الرأي، السبت، 1 أبريل 2000

 ([4]) أشـرف الصباغ: صناعة النمط المحلي لمواجهة تنميط المجتمعات، الشارقة، مجلة الرافد، العدد 81، ص 30

([6]) نفسه

 ([7]) نفسه

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور.

المصدر: http://me.friendsofdemocracy.net/default.asp?item=101837

 

مواضيع ذات علاقة:

 

الصياغة الجديدة للعولمة للإمام الشيرازي الراحل

العولمة: التحديات ومقومات النجاح

هلْ العالم يشهد تحولاً متصلاً بالعولمة؟

بدائل إفلاس العولمة

الهوية في مواجهة العولمة

ثوابت الديمقراطية والتنمية في أزمنة العولمة.

الصراع بين الديمقراطية والعولمة

 

 

 

 

 

الشركات عابرة القارات

 

 

علي حصّين الأحبابي 

 

لا يخفى على أي باحث أو مهتم بموضوعات العلوم السياسية وبالذات المختصين في حقل العلاقات الدولية مسألة وجود فاعلين يلعبون أدواراً مهمة ومؤثرة في تسيير إدارة شؤون النظام الدولي.

ولقد اهتم حقل العلاقات الدولية بدراسة العلاقة على جميع مستوياتها بين الدول العالمية في النظام الدولي، ولهذا الحقل أهمية كبيرة جداً حيث انه استطاع أن يفهم انطباعات الدول وأن يفسرها، واستطاع أن يميز بين السياسة الرسمية والسياسة غير الرسمية بين الدول وعلاقاتها بالأطراف الدولية في النظام الدولي. كما أن هذا الحقل استطاع أن يميز بين العلاقات الدولية والسياسة الدولية وبيّن اختلافها من حيث المفاهيم والمضمون.

واستطاع أيضاً أن يميز بين الفاعلين في النظام الدولي فمثلاً: هنالك فاعلون دوليون وهم الدول في النظام الدولي، وفاعلون دوليون من غير الدول وهم الذين برز دورهم بعد الحرب العالمية الثانية، ويتمثل شكل هؤلاء الفاعلين في شكل منظمات دولية مثل: الأمم المتحدة وصندوق النقد الدولي، وهذه المنظمات الدولية تشترك الدول في عضويتها وتعمل بتنسيق معين تحت مظلة المنظمة الدولية المنتسبة إليها.

وهنالك أيضاً فاعلون غير الدول قد يكونون محدودي الحجم، ولكن بالرغم من ذلك إلا أن لهم تأثيراً كبيراً على النظام الدولي ككل مثل: منظمة الدول المنتجة للنفط «أوبك» والشركات المتعددة الجنسية.

بدأ ظهور الشركات المتعددة الجنسية في أعقاب الحرب العالمية الثانية، وقد وجدت هذه الشركات في هذا الزمن المعولم التربة الخصبة والبيئة الصحية كي تنمو وتتسع على مستوى العالم. فمع نهاية القرن العشرين احتلت 53 شركة متعددة الجنسية مكانتها من بين قائمة 100 أكبر الاقتصادات على مستوى العالم.

وباتت هذه الشركات الضخمة تنافس الدول وفي بعض الأحيان نجد أن ناتج بعض هذه الشركات العملاقة يفوق الناتج القومي لكثير من دول العالم. فمثلاً نجد أن شركة ميتسوبيشي اليابانية وصل دخلها لعام 2001 إلى 126 مليار دولار أميركي. كذلك الحال مع شركة محلات وول مارت التجارية التي وصلت عوائدها في عام 2002 إلى 247 مليار دولار، وإذا ما قورنت هذه العوائد الضخمة لهذه الشركات العملاقة بالناتج القومي لبعض الدول فإننا نجدها تفوقه بدرجات.

 وبالنسبة لتعريف الشركات متعددة الجنسية فقد ظهر الكثير من التعريفات والمفاهيم بعدد الذين حاولوا الاجتهاد في هذا الموضوع أو ربما أكثر من ذلك، ولقد اختلفت هذه التعريفات من عالمٍ إلى آخر فمثلاً: يرى البعض أنها أي مؤسسة ذات فرع أو شركة منتسبة أو شركة تابعة أجنبية واحدة أو أكثر وتنخرط في الاستثمار في أصول إنتاجية أو مبيعات أو إنتاج أو تشغيل الفروع والتسهيلات الأجنبية. ما هذا إلا تعريفٌ واحد من أصل عدة تعريفاتٍ أخرى للشركات متعددة الجنسية والتي تضمنها الأدب الاقتصادي بكثرة.

 وتصوغ الشركات متعددة الجنسية معظم خططها واستراتيجياتها وسياساتها في المركز الرئيسي لها ويكون ضمن مجال قومي معين (دولة معينة) تدعى بالدولة الأم. وبالرغم من ذلك فإن حجم نشاطات الشركة مثل: النشاط الصناعي أو التجاري أو المعلوماتي قد يتجاوز الحدود السياسية والوطنية والإقليمية لهذه الدولة التي تعمل على أرضها (الدولة الأم) ويتوسع هذا النشاط حتى يصل مداه إلى دولٍ أخرى تسمى بالدول المضيفة.

ومن الأهمية بمكان أن نشير إلى أن كلاً من الدول المضيفة والشركات متعددة الجنسية تربط بينهما علاقة منفعة متبادلة، ولكنها تكون متفاوتة على حسب قدرة كل طرف في جلب المنفعة المثالية إليه.

فالشركات ذات النشاط العالمي تسعى لتحقيق مصالحها من خلال امتداد نشاطاتها في الدول المضيفة الأخرى، فهي تهدف إلى تخفيض نفقات عناصر الإنتاج قدر الإمكان، إضافةً إلى كونها تحاول تخفيض تكاليف نقل السلع التي تنتجها، كما أنها ترمي إلى الاستفادة القصوى من الأسواق الاستهلاكية الضخمة الموجودة في الدول الأخرى.

وبطبيعة الحال ليست الشركات عابرة القارات هي وحدها التي تسعى لتحقيق مصالحها. كذلك الدول المضيفة لها تسعى جاهدةً لتحقيق الاستفادة من النشاطات التي تمارسها على أرضها، فنشاطات الشركات العابرة للحدود القومية توفر فرص عمل للقوى العاملة المحلية وبالتالي فهي تساهم في تخفيض نسب معدلات البطالة في الدول المستضيفة، كذلك تحقق الدول المستضيفة مورد دخل لاقتصادها المحلي من خلال فرض الرسوم أو الضرائب على نشاطات هذه الشركات أو على أرباحها التي تحققها.

كما أن النشاطات التي تمارسها الشركات متعددة الجنسية على أراضي الدول المضيفة يكسبها فرصة ثمينة تكمن في اكتساب الخبرات والمهارات الصناعية للعمالة المحلية، إضافة إلى انتقال التقنية المتقدمة إلى هذه الدول وهذا في حد ذاته مكسب مهم.

وتتمتع هذه الشركات العملاقة الحجم بعدة صفات فهي شركات عالمية النشاط وبالتالي تمثل إحدى السمات الأساسية للنظام الاقتصادي العالمي الجديد. كما أنها شركات ذات قدرات تمويلية هائلة.

إضافة إلى كونها تلعب دوراً مهماً يصل إلى دور القائد في الثورة العلمية التكنولوجية من خلال دعمها للبحوث والتنمية التكنولوجية. ومما لا شك فيه أن هذه الشركات العملاقة تمتلك قوة كبيرة تخولها أن تؤثر بشكلٍ أو بآخر في كثيرٍ من المجالات، فمثلاً يستطيع هذا النوع من الشركات التأثير على مجريات الحياة الاقتصادية في أي دولةً كانت. وهذا يحدث عندما تقوم هذه الشركات بتحريك مبالغ ضخمة من الأرصدة النقدية، وبالتالي فإن ذلك يكسبها قدرة التأثير على مركز العملة في البلد المعني.

وبما أن هذه الشركات تمتلك قوة اقتصادية هائلة لا يستهان بها فمن الطبيعي أن نجد قوة تأثيرها تصل إلى مستوياتٍ أعلى مثل: التأثير على مراكز صنع القرار السياسي، ولقد بات هذا التأثير القوي للشركات الضخمة يهدد الاستقرار السياسي في كثير من دول العالم، ففي عام 1976 تسببت الشركات الأميركية بسقوط الحكومة الإيطالية وإعلان الانتخابات العامة بسبب أزمة الليرة وافتضاح ارتشاء الأحزاب السياسية الحاكمة. ليس هذا فحسب بل إن كثيراً من الحروب الصغيرة والانقلابات العسكرية أثبتت كثيرٌ من التحقيقات أن الشركات متعددة الجنسية كانت وراء مثل هذه الحالات.

وفي حقيقة الأمر إن دور هذه الشركات متعددة الجنسية يتعاظم ويقوى يوماً بعد يوم، فهذه الشركات تسيطر على جزءٍ مهم من حركة التجارة الدولية من خلال ضخامة قدرتها التسويقية والإنتاجية، فحوالي 80% من مبيعات العالم تتم من خلال هذه الشركات عالمية النشاط، إضافةً إلى إسهامها في زيادة نسبة الاكتشافات التكنولوجية الحديثة.

 جامعة الإمارات قسم العلوم السياسية

ali_alahbabi@hotmail.com

 و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور.

المصدر: جريدة الصباح- 19-9-2006

 

 

 

 

 

العمـل المصرفي والاستثمار مــن أجـــل التنميـة في العالم العربي عامة و في العراق خاصة

 

 

أســـار فخري عبد اللطيف البياتي

 

 

المقدمـــــة

أن القطاع المصرفي اليوم يعتبر دعامة أساسية لبناء أي اقتصاد حر يقوي من دعائم إي دولة ويدافع بها نحو عملية النمو الاقتصادي والاجتماعي إذا كانت الأسس في بناء هذا القطاع قوية ومتينة وقائمة على التخطيط العلمي وزاخرة بالكفاءة والخبرة والثقة خاصة إذا استطاع هذا القطاع أن يساهم في خطط التنمية والاستثمار على صعيد البناء والنمو الاقتصادي للدول والمجتمعات .

أن المصارف والأستثمارصنوان متلازمان لصنع عملية النمو والتنمية على أساس مستدام خصوصاً وان القطاع المصرفي يشكل المنصة التمويلية الأولى والرئيسية للأنشطة الأستشمارية في الدول العربية وان المرحلة الراهنة تتطلب اليوم أكثر من إي يوم مضى فتح الأسواق العربية – العربية إمام حركة التجارة والاستثمار والمصارف بكل يسر وفعالية وحيوية لأن التجارة والاستثمار والمصارف تشكل الأقطاب الحقيقية لعجلة النمو والتطور والتعاون الاقتصادي العربي الحقيقي كما وان العالم العربي بحاجة الى مواصلة الجهود الرسمية والخاصة من اجل تحديث وتطوير القوانين والأطر العلمية والآليات الثقيلة على الاصعدة الاقتصادية والمالية والمصرفية بحيث تجاري متطلبات العصر دائماً حسب خصوصيات البيئة العربية.

المبحث الاول: دور القطاع المصرفي والمالي في تعبئة الاستثمارات العربية لأغراض التنمية.

أن القطاع المصرفي العربي* يحقق أداء جيداً منذ عدة سنوات وان المصارف العربية بحاجة الى مواصلة عملية تطور بنيانها الداخلي على كافة الصعد الرأسمالية والبشرية والإدارية والتكنولوجية وأيضا مواكبة معايير العمل المالي والمصرفي الدولي في كافة المجالات.

أن عمليات أعادة هيكلة القطاع المصرفي في بعض الدول العربية التي بدأت طريق الاقتصاد الحر حديثاً هي مسألة في غاية الأهمية نظراً للأهمية الأستراتيجية لهذه العمليات في تطوير القطاع المصرفي وتهيئتة للاندماج بشكل اكبر في الأقتصاد الوطني ولعب دوره المصرفي والاستثماري والاقتصادي المنشود .كما أن قيام البنك المركزي بمسؤولياتة* في ضمان هذا التحول المصرفي والمالي الهادف الى اقتصاد السوق وذلك من خلال وضع وتطبيق السياسات النقدية والمصرفية المناسبة مع ضرورة توافر التنسيق التام بين السلطتين النقدية والمالية تحقيقا لأهداف السياسة الاقتصادية العامة لأي دولة لذا يجب التأكيد على أهمية توفير الاستقلالية للبنك المركزي في تأدية مهامه ومسؤولياتة الوطنية ولا سيما المحافظة على استقرار الأسعار وأسعار الصرف والقطاع المصرفي والاستقرار الاقتصادي عموماً وخلق البيئة المناسبة لعملية النمو والتنمية ، وان السوق تواجه اليوم عدة تحديات مالية واقتصادية علماً أن البنك المركزي لا يوفر أي جهد في سبيل ترشيح وإرساء الاستقرار النقدي والاقتصادي وتطوير القطاع المصرفي ساعياً بأ ستمرار الى تحديث تطوير التشريعات النقدية والمصرفية وتطوير البنية التحتية المالية المحلية.

 ألمبحث الثاني : تطوير الصناعة المصرفية لتشجيع الاستثمار*.

أن النهضة الاستثمارية التي نصبو إليها جميعاً يجب الاتكتفي بمراجعة وتحليل العوامل والاعتبارات المسؤولة عن ضعف حركة الاستثمار بين الدول العربية فقط وإنما ينبغي أن تراجع وتدرس الأسباب الكافية وراء تدني حصة الوطن العربي من مجمل الاستثمارات الأجنبية المباشرة والتي لاتزيد على ( 1% - 2%) على أحسن تقدير كما أن تفعيل التعاوني المالي العربي لتحقيق الحجم المأمول من الاستثمارات العربية البيئية من خلال عدة محاور منها :-

1- تسريع وتائر التصحيح في البلدان العربية عن طريق تبنيها لسياسات اقتصادية كلية.

2- تفعيل دور المصارف العربية في دعم الاستثمار البيني العربي ومطالبتها بلعب دور رئيسي في مجال تمويل الاستثمارات العربية بشكل آخر أو باستخدام القروض المصرفية المجمعة أو من خلال مساهمتة بالملكية في المشاريع العربية ذات الجدوىالاقتصادية .

3- تعميق أسواق المال العربية بهدف حشد المواد المالية العربية طويلة الأجل وجذب  رؤوس الأموال العربية المهاجرة التي تبحث حالياً عن بيئة استثمارية جاذبة وأكثر أمنا علاوة على تشجيع تدفق رؤوس الأموال الأجنبية الى المنطقة العربية.

أن هناك تسلسلاً لابد أن تتبعه التكتلات الاقتصادية المزمع أنشاؤها يبتدئ في إنشاء التجارة الحرة كمرحلة أولى ثم قيام اتحاد جمركي كمرحلة ثانية ومن ثم الانتقال الى المرحلة الأخيرة وهي الوحدة الاقتصادية التي تستند الى صيغه للعمل العربي المشترك تكون واضحة وواقعية وتستند الى ضمان مصالح جميع الأفراد.

المبحث الثالث: مناخ الاستثمار في العراق*.

أن  الاقتصاد العراقي يحتاج الى ستراتيجية للتنمية ترتكزعلى معايير الكلفة وحساباتها، فالمؤسسات الاقتصادية الحكومية منها والخاصة تحتاج الى الكفاءة لانجاح مشاريعها كما تحتاج الى جهاز أداري غير بيروقراطي ، كما أن هنالك ترابط بين الحرية السياسية والحرية الاقتصادية فالنظام الذي يعمد الى قمع حرية الرأي يحول دون التحرير الاقتصادي ويعيق نمو الاقتصاد وازدهاره عبر ألامساك بالمؤسسات التابعة للدولة للهيمنة عبرها على الحياة الاقتصادية كما أن هنالك شريكا آخر في الحياة الاقتصادي الخاص لذا يجب العمل على تنمية هذا القطاع ليأخذ دوره في التنمية الاقتصادية.

أن العراق يعتبر في الوقت الحاضر حالة متميزة للأستثمار على الرغم من وجود ارتباك في ذهنية المستثمر سببه الحالة الأمنية علما أن دراسة عادلة لحالة العراق تؤكد أن (85%) من الرقعة الجغرافية للبلد هي في حالة أمنية مستقرة وتشكل مناخا استثماريا مثاليا للباحثين عن الاستثمار وبناء المشاريع، أن حجم الاستثمارات الكبيرة المطلوبة لتحقيق التنمية يتطلب جهدا تمويليا وتصنيعيا وتنفيذيا متعدد الاختصاص ولا يمكن أن يقتصر على مصدر دون الآخر ، أن العراق كما هو معروف بلد غني وجاذب للاستثمار بفضل كوادره العلمية والفنية وثروته الطبيعية والإجراءات الإدارية والتشريعات القانونية التي تكفل تسهيل عمليات الاستثمار وتجيز الدخول الى السوق العراقية وتتيح فرصا متكافئة الاستثمارات العربية والأجنبية مع وجود آليات لتحويل ونقل العملة من والى العراق ، ومن التشريعات القانونية التي صدرت بشأن الاستثمار هو قانون قيود الاستثمار رقم(33) الصادر عن سلطة الائتلاف المؤقتة وينص على ما يلي*:

1 -  يكون محظورا ًعلى أي مصرف وبدون موافقة مسبقة من البنك المركزي العراقي أن يستثمر في الأسهم أو سندات مرتبطة باسهم أو أي مشروع وبمبلغ يتجاوز(20% ) من رأس المال والاحتياطيات السليمة للمصرف

والى المدى الذي يسبب فيه تحويل أيـة أسهم أو سندات مرتبطة بأسهم الى المصرف في إطار عملياته المصرفية تجاوز حيازته لمثل هذه الحدود ، يقوم المصرف بالتصرف في مثل هذه الأسهم والسندات المرتبطة بأسهم حالما يصبح ذلك عمليا وليس بتاريخ ابعد من ذلك والذي قـد يحدث فيه مثل هذا النوع من التصريف دون تحمل خسارة وفي أيـة حال وخلال سنتين من الحصول عليها على الأقل  وبناءً على طلب المصرف يمكن تمديد هذه المدة لفترة قـد تصل الى سنة واحدة وبقرار من البنك المركزي العراقي.

2 -  يكون محظوراً على أي مصرف وباستثناء ما يتعلق بمنح قروض عقارية وفي إطار إدارة  عملياته المصرفية ، امتلاك عقارات باستثناء العقارات الضرورية لأداء عملياته وإيواء موظفيه والعاملين فيه0 ولا يمنع هذا الشرط قيام المصرف بتأجير الحصة الزائدة من عقاره الذي يستخدمه لعملياته المصرفية شرط أن يحصل على موافقة مسبقة من البنك المركزي العراقي  ويحق للمصرف الذي تؤول إليه ملكية أي عقار وفي أطار عملياته المصرفية باستثناء القروض العقارية وفي اقرب وقت عملي ممكن وفي غضون عامين من حيازته له على اقل تقدير 0 ويمكـن تمديد هــذه الفترة لمرتين ولغايـة سنتين بقرار من البنك المركزي العراقــي .

 3 - يكون محظوراً على المصرف أن يكتسب مساهمة في مصرف آخر او مؤسسة مالية دون الحصول أولا على موافقة خطية مسبقة من البنك المركزي العراقي دون الإيفاء بالشروط التي ينص عليها البنك المركزي العراقي.

4 -  يكون محظوراً على أي مصرف أن يمتلك أسهما في مصارف أخرى أو مؤسسات مالية دون الحصول على موافقة مسبقة من البنك المركزي العراقي الا اذا كانت تلك الأسهم آلت الى المصرف كسداد لدين 0 وفي هذه الحالة يقوم المصرف ببيع الأسهم بأقصى سرعة عملية ممكنة وليس ابعد من تاريخ تصرفه بتلك الأسهم ودون تحمل خسارة في أيـة حال ، وفي غضون سنتين من حيازته لها كأقصى موعد الا إذا وافق البنك المركزي العراقي على احتفاظ المصرف بتلك الأسهم .

5 -  يكون محظوراً على أي مصرف أن يمتلك أوراقا مالية أو حصصاً في شركة مؤسسة خارج العراق دون الحصول أولا على موافقة خطية مسبقة من البنك المركزي العراقي باستثناء كون تلك الحصص او الأوراق المالية قـد آلت إليه في أطار سداد ديونـه.

أما بالنسبة للاستثمار الأجنبي في العراق فنلاحظ تطورا جديدا يختلف تماما عن السياسات السابقة فقد صدر قانون جديد للشركات أجاز تملك  غير العراقي لكامل رأس المال وبشكل مباشر في الشركات المؤسسة حديثا ، كما صدر بشأن ذلك قانون جديد للاستثمار رقم(36) وقانون ضريبة الدخل وتخفيض الرسوم الجمركية  كما وجاء في  القسم(12) من قانون الاستثمار رقم(36)  فيما يخص المعاملات الضريبية*(( يجوز للمدير الإداري أن يصدر أوامر أخرى بخصوص المعاملات الضريبية للدخل الناتج عن الاستثمار الأجنبي الذي يعاد استثماره في كيان تجاري في العراق)).

أن فتح باب الاستثمار الأجنبي هو قرار لارجعة عنه و كما مبين في  القسم(14) من قانون الاستثمار رقم(36) بخصوص معاملات المستثمرين الأجانب  ما يلي* :

1-  يكون للمستثمر الأجنبي حق الاستثمار في استثمارات أجنبية في العراق بموجب شروط مؤاتية لا تكون دون الشروط المؤاتية على المستثمر العراقي ، الا إذا ورد في هذا الأمر ما ينص على خلاف ذلك.

2-  لا تفرض القيود على حجم الاستثمار الأجنبي في الكيانات التجارية المستحدثة أو القائمة في العراق ما لم يرد في هذا الأمر نصا صريحا بخلاف ذلك.

وان العراق يشهد حاليا اتجاها لخصخصة نحو (190) شركة ومصنعا مملوكا للدول ونتوقع أن تمتد الخصخصة في السنوات المقبلة الى قطاع النفط والمعادن.

المبحث الرابع: مناخ الاستثمار في الدول العربية والبيئة المناسبة لاتخاذ القرارات الاقتصادية.

أن الحياة الاقتصادية هي سلسلة من القرارات الاقتصادية التي تتخذ للتعامل مع المستجدات، فالاستثمار ليس قرارا وحيدا بالاستثمار في بلد معين وإنما هو التزام بالتعامل مع اقتصاد معين لفترة مستقبلية قد تطول الى سنوات أو حتى عقود أن لم يكن أكثر من ذلك وعلى المستثمر خلال هذه الفترة أن يتخذ العديد من القرارات لمواجهة مختلف الاحتمالات .

لذلك فان الشرط الأول لدخول الاستثمار الى أية دولة هو أن يتوفر الحد الأدنى المقبول للفترة على اتخاذ القرارات الاقتصادية في المستقبل وبما يضمن سلامة المستودع وحماية مصالحه، وفي ظل التحديات والتغيرات الجديدة التي يشهدها العالم على مستوى العلاقات الاقتصادية والتجارية الدولية* وما صاحبها من تحرير للسلع ورؤوس الأموال وإطلاق قوى السوق والمنافسة لتحقيق التوازنات المطلوبة على كافة المستويات فأصبحت الاستثمارات الخاصة تعد من أهم المحركات الرئيسية للاقتصاد العالمي وأصبح جذب الاستثمار الخاص المباشر يمثل أسبقية بالنسبة للدول النامية والمتقدمة على السواء نظرا للدور الحاسم الذي يلعبه الاستثمار الخاص في تحقيق النمو الاقتصادي والاجتماعي فيها.

كما أن مناخ الاستثمار في العالم العربي اليوم لا يزال تشوبه عدة عراقيل ومعوقات على الصعد التشريعية والعلمية بالرغم من تواصل سياسات وبرامج الإصلاح الاقتصادي والتحرر التجاري الاستثماري والمالي وان السياسة النقدية والمالية في بعض الدول لا تتفق تماما مع أهداف السياسات الاقتصادية الأمر الذي يولد خللا في بيئة الأعمال والاستثمار والبيئة الاقتصادية عموما.

المبحث الخامس:   العراقيل التي تواجه الاستثمار والتحديات الواجب توافرها لمواجهه هذه العراقيل.

ان مشاكل الاقتصاد العربي على صعيد عملية النمو والتنمية واستقطاب الاستثمار معروفة كما أن  الحلول لهذه المشاكل معروفة أيضا لكن المشكلة الأساسية تكمن في التطبيق السليم والفعال لهذه الحلول أي أن هناك عمقاً في تنفيذ السياسات الاقتصادية والاستثمارية المالية التي تكفل عملية التنمية الصحيحة والاستقطاب الفعال للموارد المالية الداخلية والخارجية الى اقتصاديات البلدان العربية كما أن عدد من المشكلات الاقتصادية والمصرفية المعاصرة في المنطقة العربية ومن أبرزها (ضعف عملية النمو وعمليات الخصخصة وانتشار الفساد الإداري واشتداد تحديات المنافسة الخارجية وضعف التعاون الاقتصادي والمصرفي العربي –العربي وضعف نشاط الإدماج المصرفي وانتشار حالات الديون المتعثرة وضعف المادة المصرفية في بعض الدول العربية.

أن إحداث تدفق تدريجي فـي الموارد المالية الخارجية العربية منها والدولية* الى المنطقة العربية نظرا لحاجة هذه المنطقة الى استثمارات مباشرة وغير مباشرة في اقتصادها الـذي يتطلع الى فرص أفضل للنمو والتنمية خلال السنوات القادمة ،كما أن حجم السيولة المالية كبير في المنطقة الاان السيولة لا تجد دائما ًفي كافة الدول العربية مجالات وفرصاً اقتصادية واستثمارية جذابة لذا تتوجة الموارد المالية العربية في جزء كبير منها الـى الخارج.

أن أهم التحديات التي تواجه القضاياالاستثماريه في الدول العربية عولمة الاقتصاد والتجارة وبروز تكتلات اقتصادية دولية وإقليمية كبرى بجانب الثورة التكنولوجية في مجال الاتصالات والمعاملات رغم أن الدول العربية زاخرة بالفرص الاستثمارية لذا يجب أن تتوفر عدة عناصر لكي تدخل الدول العربية الى نادي الأقوياء وهي :-

- بناء تكتل اقتصادي عربي يستطيع أن يتلاءم ويتوازن مع الساحتين الدولية والاقليمية.

- التوجة نحو تأسيس مؤسسة عربية لتشجيع اللأستثمار.

- بناء تكتل مصرفي عربي قادر على مجارات التكتلات المصرفية العالمية.

أن أهمية زيادة التكامل بين الأسواق الاقتصادية العربية وعدم التركز على خلق قطب واحد آو بعض الأقطاب الجذابة في المنطقة العربية وأهمية زيادة وخلق قنوات استثمار متعددة ومتنوعة في المنطقة العربية يؤدي في النهاية الى تنشيط حركة الاستثمار الوطنية والقومية والتغلب على مشكلات الاستثمار.

الاستنتاجات والتوصيات:

أن المصارف والاستثمار صنوان متلازمان لدفع عملية النمو والتنمية في الدول العربية على أساس مستدام خصوصا وان القطاع المصرفي يشكل المنصة التمويلية الأولى والرئيسية للأنشطة الاستثمارية في هذه الدول , كما أن المنطقة العربية تزخر هذا اليوم أكثر من إي وقت مضى بالكثير من المشاريع الاستثمارية والفرص الاقتصادية المجدية سواء على المستوى الوطني أو على المستوى القومي  والتي تتطلب تمويلات بأشكال تقليدية وأخرى بأشكال عصرية وفق تطورات صناعة التمويل العالمية 0

ومما سبق نوصي بما يلي :-

1- أن النهضة الاستثمارية البينية العربية تتطلب بالمقام الأول تسريع وتيرة الإصلاح الاقتصادي وتنشيط التمويل المصرفي البيني وتطبيق أنظمة استثمارية متماثلة أو منسجمة فيما بين الدول العربية وتحسين بيئة المعلوماتية حول فرص الاستثمار في هذه الدول وتأمين اكتمال الأطر القضائية والقانونية المتخصصة للبت في المنازعات المرتبطة بالإعمال بسرعة الى جانب إزالة الحواجز التنظيمية المتصلة بأمور الشحن والنقل والقيود الإدارية والجمركية أيضا.

2- بالنسبة للمناخ الاستثماري في العراق فلا بد من حملة لتثقيف المواطنين وزيادة وعيهم الاقتصادي بهدف الخروج من حالة الفوضى السائدة حاليا في تناول الوضع الاقتصادي والمخاوف التي تثار في وجه الاستثمار الأجنبي كما أن شراء أسهم عراقية بمليون دولار من مستثمرين أجانب يؤدي في الحال الراهنة الى إسقاط الحكومة لذا يجب الاستفادة من تجارب الآخرين الاقتصادية كتجربة أميركا وألمانيا وما إذا كان يمكن تطبيق مثل هذه التجارب في العراق كما لابد من أيجاد حل لموضوع الضرائب بغية توفير مصدر تمويل عراقي والى التدرج في الخصخصة والبدء بالاستثمار بشكل هادئ ومدروس والى خلق سوق استثمارية عبر منح قروض مصرفية وبفوائد تتراوح بين (1 %-5%) من أجل خلق مناخ اقتصادي يساهم في عملية التنمية الاقتصادية.

3 ـ من الضروري تفعيل المصارف العربية ودورها في دعم الاستثمار البيني العربي من خلال المشاركة بشكل اكبر في برامج الخصخصة وتمويل مشاريع البنية التحتية والمشاريع الاستثمارية المشتركة في الوطن العربي وتوفير التمويل المباشر للمشاريع العربية بشكل أنفرادي أو باستخدام صيغ القروض المصرفية المجتمعة أو من  خلال مساهمتها بالملكية في المشاريع العربية ذات الجدوى الاقتصادية 0

4-يجب تفعيل دور المصارف العربية في تنشيط حركة الاستثمار بين الدول العربية يتطلب أجراء المزيد من التطوير والتحديث في الأجهزة المصرفية المحلية سواء في مجالات التشريعات أو السياسات أو الأدوات ومواكبة التطورات المؤسسية والمستجدات التقنية العالمية في هذا الشأن الأمر الذي من شأنه التصدي لتحدي عدم كفاية التمويل المصرفي لتلبية الاحتياجات المطلوبة في المنطقة العربية سواء من حيث حجمه أو شكله 0

5- التأكيد على استقلالية السياسة النقدية وضرورة تنسيقها مع السياسة المالية والسياسات الاقتصادية الأخرى من اجل تأمين استقرار الاقتصاد الكلي الذي يشكل احد المتطلبات الأساسية لاغناء الاستثمار العام وتالياً تعبئة الاستثمار المحلي واستقطاب الاستثمارالاجنبي.

6- تحرير العمل المصرفي والاستثماري والتجاري غير الحدود ضمن المنطقة العربية  يعتبرمقدمة أساسية لبناء اتحاد كمركي عربي

ثم البناء عليه لإقامة السوق العربية المشتركة التي أكدت القمة العربية الأخيرة في الجزائر على أقامتها في عام (2010) بحيث يتممعها فتح الحدود العربية – العربية أمام عناصر الإنتاج الثلاثة :- الأموال والعمالة والموارد وكذلك أمام المنتجات والخدمات ذاتها.

الخاتمـــــة

أن المرحلة الراهنة باتت تتطلب اليوم أكثر من أي يوم مضى فتح الأسواق العربية – العربية أمام حركة التجارة والاستثمار والمصارف بكل يسر وفعالية وحرية لان التجارة والاستثمار والمصارف تشكل الأقطاب الحقيقية لعجلة النمو والتطور والتعاون الاقتصادي العربي الحقيقي.

أما بالنسبة للعراق فلا بد من التعايش والقبول بالرأس المال الأجنبي وبالاستثمارات الأجنبية في أسواق الأوراق المالية وهو ينطلق في ذلك من التجربة المصرفية في العراق حيث أنشئ نحو (17) مصرفا خاصا باتت جميعها بحاجة الى الشراكة مع رأس المال الأجنبي أو بيعها الى مستثمرين أجانب وان التجربة المصرفية في العراق تجربة فاشلة وكان يمكن أن تلعب دورا في البناء والتنمية لو أحسنت التعاون مع المصارف العربية والأجنبية  ألا أن أساليب العمل مختلفة  فخدماتنا المصرفية هزيلة وخطوط إنتاجنا معطلة وغير كفوءة كما أننا لم نقبل التعايش مع رأس المال الأجنبي خصوصا في ظل استمرار هروب الأموال العراقية الى الخارج،  كما أن عدم الاستقرار القانوني في العراق وتناقض في القرارات التي تتخذ وتضارب في تعليمات البنك المركزي العراقي في الإجراءات التي يتخذها  حيث يسمح لبعض التجار أو لبعض العائلات بإخراج مليار دينار عراقي وبسرعة فائقة في حين أن تحويل مبلغ مالي بمقدار (30) ألف دولار لأغراض العلاج في الخارج يحتاج الى إجراءات روتينية و معقدة  فان هذا  يدعوا إلى  البدء بالاستثمار وبشكل هادئ ومدروس كما أن خلق مناخ اقتصادي يقوم إلى تكامل ثلاثة معايير هي (المال والأمان والسيادة الوطنية ) من شأنه إطلاق عملية التنمية الاقتصادية.

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصاً ودون تعليق.

المصدر: مجلة علوم انسانية: العدد 26

 

الهوامش و المصــــادر:

× د0 سنان الشبيبي – اتحاد الهيكلة الاقتصادية وتطوير الصناعة المصرفية لتشجيع  الاستثمار – مجلـــة اتحــــاد المصارف العربية – بيروت – نيســـان لعـــــام 2005 – ص21 0 

* د0 سعود البريكان و د0 علي البلبل ود0 إبراهيم الكراسنة ـ تطور القطاع المالي والنمو الاقتصادي – ندوة منعقدة مــــن 7 – 8 ك1 لعـام 2003 – ابو ظبي – ص12 0

د0عاطف الديب –اعاده هيكلة الآقتصاد وبرامج التنميه لدى الصناعة المصرفية لتشجيع الاستثمار –مجاة اتحاد المصارف العربية –بيروت –نيسان عام 2005-ص23.

* مناخ الاستثمار في العراق تساؤلات قلقة – وإجابات غامضة – مجلة الاقتصاد والأعمال – عمان- تموز لعام 2005 – ص72.

* قانون قيودالاستثمار رقم (33) ـ المادة(39) لعام 2004 الصادر عن سلطة الائتلاف المؤقتة ـ ص51 .

*  قانون الاستثمار الأجنبي للمصارف العراقية رقم(36) الصادر عن سلطة الائتلاف المؤقتة – القسم (12) ـ ص125.

*  قانون الاستثمار الأجنبي للمصارف العراقية رقم(36) الصادر عن سلطة الائتلاف المؤقتة – القسم (14) ـ ص121.

* د0 إبراهيم عاكوم والأستاذ محمد يسربرينة – مناخ الاستثمار والبيئة المناسبة لاتخاذ القرارات الاقتصادية – أبو ظبي لعام 2005 – ص178 0

* محمود فهمي القاضي – أهمية مسألة التعاون المالي العربي ودوره في النهضة الاستثمارية والاقتصادية البينية في العالم العربي  ـ المصدر السابق – ص27 0

1-  د0 إبراهيم عاكوم والأستاذ محمد يسربرينة – مناخ الاستثمار والبيئة المناسبة لاتخاذ القرارات الاقتصادية – أبو ظبي لعام 2005 – ص178 0

2-    القطاع المالي فــي البلدان العربية وتحديات المرحلة المقبلة – أبو ظبي لعـــام 2000 – ص2 .

3-  د0 جوزيف طربية – المؤتمر المصرفي العربي بعنوان الشراكة بين العمل المصرفي والاستثمار من اجل التنمية – مجلة اتحاد المصارف العربية – بيروت – نيسان لعام 2005 – ص19 0

4-  د0 سنان الشبيبي – اتحاد الهيكلة الاقتصادية وتطوير الصناعة المصرفية لتشجيع  الاستثمار – مجلـــة اتحــــاد المصارف العربية – بيروت – نيســـان لعـــــام 2005 – ص21 0 

5-  عاطف الديب – أعادة هيكلة الاقتصاد وبرامج التنمية لدى الصناعة المصرفية لتشجيع الاستثمـــار – مجلـــة اتحـــاد المصارف العربيــــة – بيروت ـ نيسان لعــــام 2005 – ص23 0

6- محمود فهمي القاضي – أهمية مسألة التعاون المالي العربي ودوره في النهضة  الاستثمارية والاقتصادية البينية في العالم العربي ـ المصدر السابق – ص27 0

7- قانون قيودالاستثمار رقم (33) ـ المادة39) لعام 2004  الصادر عن سلطة الائتلاف المؤقتة ـ ص51 .

8-   قانون الاستثمار الأجنبي للمصارف العراقية رقم(36) الصادر عن سلطة الائتلاف المؤقتة – القسم (12) ـ ص125.

9 - قانون الاستثمار الأجنبي للمصارف العراقية رقم(36) الصادر عن سلطة الائتلاف المؤقتة – القسم (4) ـ ص121.

10- مناخ الاستثمار في العراق تساؤلات قلقة – وإجابات غامضة – مجلة الاقتصاد والأعمال – عمان- تموز لعام 2005 – ص72.

11 - آفاق الاستثمار والأعمار في العراق - مجلة الاقتصاد والأعمال – عمان- تموز لعام 2005  – ص51.

12- د0 سعود البريكان و د0 علي البلبل ود0 إبراهيم الكراسنة ـ تطور القطاع المالي والنمو الاقتصادي – ندوة منعقدة مــــن 7 – 8 ك1 لعام 2003ـ أبو ظبي ـ ص12.

 

مواضيع ذات علاقة:

 

الاستثمار في ظل معادلة النفط والذهب

البورصات العربية تعاني عجز السياسات الاقتصادية وضعف الثقافة الاستثمارية والمالية

الاستثمار الأجنبي في أسواق المال العربية: المكاسب المتوقعة والأخطار المحتملة

الاستثمار... اشكاله.. مناخه

 

 

 

 

 

الفيدرالية كخيار ؛ لماذا وكيف؟(1)

 



 

إن الفرد في المجتمع العربي لا وجود له كمفهوم مستقل بذاته، فهو يستمد تعريفه ومكانته الاجتماعية والسياسية من خلال ارتباطه بجماعة ما. من الشائع مثلا في العراق (أو في أي دولة عربية أخرى) لدى السؤال عن شخص ما، أن يتجه السائل للاستفسار أولا عن اسم العشيرة أو العائلة أو البيت الذي ينتمي إليه ذلك الشخص، وللأسف تشجع العادات والتقاليد والثقافة المجتمعية هذا المنحى.

لقد عُرف العراق على مر الزمن بتميزه في تعدد أصول وديانات ومذاهب ساكنيه. فبالإضافة إلى العرب

الذين وفدوا إليه ضمن موجات الهجرة المختلفة عبر التاريخ قادمين من شبه الجزيرة العربية، فقد سكنت العراق أقوام أخرى، مثل اليهود والآراميين والآشوريين والأكراد وغيرهم.

ورغم سيادة الثقافة العربية الإسلامية على العراق طوال أكثر من 14 قرنا، فقد تمكن أتباع الديانات والقوميات الأخرى (من يهود ومسيحيين وصابئة وأيزيديين وأكراد وتركمان وآشوريين) من المحافظة على هوياتهم الدينية والقومية.

وبالنتيجة فقد ورثت الدولة العراقية الحديثة التي تأسست عام 1921 هذا التنوع العرقي والديني والطائفي. لكن أنظمة الحكم المختلفة التي توالت على حكم العراق طوال العقود الثمانية الماضية لم تتمكن ( وربما لم تمتلك الإرادة) لإقامة نظام سياسي يقوم على أساس الاعتراف الكامل بحقوق جميع القوميات والأديان والطوائف، ومن ثم المساواة بينهم فيما يتعلق بتوزيع السلطة والثروة الوطنية.

فقد استمر تركز الحكم من جهة في أيدي السنة العرب، ومن جهة أخرى جرى هضم حقوق الشيعة والأكراد، في الوقت الذي عانى فيه أتباع باقي الديانات والقوميات الأخرى من أشكال متفاوتة من التعسف والظلم من جانب الحكومة المركزية.

وقد زادت حدة الاضطهاد ضد الشيعة والأكراد مع مجيء حزب البعث إلى الحكم عام 1968. وشهدت الفترة الممتدة من منتصف السبعينات وحتى نهاية التسعينات، اتساع نطاق عمليات القمع والإبادة ضد هاتين المجموعتين بالذات، وتعتبر مذبحة حلبجة في شمال العراق التي راح ضحيتها أكثر من خمسة آلاف كردي، باستخدام السلاح الكيماوي عام 1988 ، مثالا بارزا على وحشية هذا النظام.

وبلغت هذه الوحشية ذروتها بعد حرب تحرير الكويت في عام 1991، وهزيمة نظام البعث العراقي، وقيام انتفاضة الشيعة في الجنوب والأكراد في الشمال، والتي واجهها هذا النظام بشراسة لا مثيل لها، حيث قتل مئات الآلاف وشرد مثلهم إلى دول الجوار وباقي بلدان العالم.

ورغم هذه المعاناة الرهيبة، فقد حافظت جميع مكونات المجتمع العراقي على رغبتها واقتناعها بضرورة العيش المشترك في إطار عراق موحد، ولم ترفع أي طائفة أو قومية شعار الانفصال. كما ظل المجتمع العراقي متمسكا بمنظومة من القيم والثقافات المشتركة، سواء عبر محور الدين أو محور القومية بيد أن العقود الطويلة من القمع والتمييز الطائفي والقومي، والتي انتهت بإسقاط نظام صدام حسين على يد قوات التحالف التي قادتها الولايات المتحدة في أبريل عام 2003، ولدت لدى معظم العراقيين الرغبة في بناء عراق ديمقراطي تعددي، يحترم حقوق جميع أبنائه ويساوي فيما بينهم.

وطرحت المسألة كالتالي: إذا كان التنوع الديني والقومي والطائفي حقيقة قائمة في العراق منذ القدم، وإذا كان جميع العراقيين راغبين في العيش معا في ظل دولة واحدة، فماهي الطريقة الأنسب لتحقيق ذلك؟ وكيف يمكن ضمان عدم تكرار مآسي الماضي، وبث الشعور بالطمأنينة والأمان لدى جميع العراقيين؟ وكيف يمكن إشراك مختلف المواطنين، وبصرف النظر عن عوامل الدين أو القومية أو الطائفة أو العرق أو الجنس، في إدارة شؤون بلدهم والتمتع بثرواته، على قدم المساواة؟

بالطبع لا توجد إجابات سهلة أو نهائية على هذه الأسئلة، لكن تجارب الدول الأخرى وخاصة تلك التي لديها طبيعة مماثلة للعراق، يمكنها أن تقدم بعض الأفكار والتصورات المفيدة في هذا الجانب.

من هذه الأفكار، على سبيل المثال وليس الحصر، الفيدرالية، التي تطبق اليوم (بشكل أو بآخر) في عدد كبير من الدول، لعل أبرزها كندا وسويسرا وروسيا والهند، في الوقت الذي بدأت فيه بعض الدول تنظم نفسها كإطار فيدرالي في السنوات الأخيرة، مثل بلجيكا وأسبانيا والدانمارك وغيرها. وسوف نعرض ضمن مواد هذا العدد بالتفصيل لهذه القضية، وكذلك تصورا للحل الفيدرالي في العراق – من دون أن يعني ذلك أن الفيدرالية هي الحل الوحيد لمشاكل العراق - بالإضافة إلى شروط نجاح الفيدرالية واسباب تعثرها في البلدان التي فشلت فيها.

ورغم أن جميع الدول الفيدرالية، هي كذلك من حيث التسمية، إلا أن لكل منها تجربتها الخاصة في هذا المجال، إنطلاقا من ظروف كل بلد وطبيعة التركيبة الإثنية للمجتمع فيه. ويتعلق الأمر هنا بمدى الصلاحيات والحقوق السياسية والاقتصادية الممنوحة للأقاليم والمقاطعات، كما يتعلق بنوعية التنظيم الإداري المطبق في كل منها، وطبيعة العلاقة بينها وبين المركز.

وما يمكن قوله هو إن الفيدرالية ليست مقدمة للانفصال، كما أنها ليست محصلة جمع الولايات أو المقاطعات أو الأقاليم في دولة واحدة، بقدر ما هي تنظيم سياسي وإداري اختياري، الهدف منه هو ضمان تحقيق توزيع حقيقي وعادل للثروة والسلطة بين مختلف مكونات المجتمع، والاعتراف المتبادل بالحقوق القومية والثقافية لجميع السكان.

يعيش في الرقعة الجغرافية المعروفة بالعالم العربي، والممتدة من البحرين شرقا وحتى المغرب غربا ومن السودان في الجنوب إلى سوريا في الشمال، مجموعة كبيرة ومتنوعة من القوميات والطوائف والأديان منذ فجر التاريخ.

فدينيا ينقسم سكان المنطقة إلى مسلمين ( غالبيتهم من السنة بالإضافة إلى طوائف الشيعة والدروز والزيدية والأباضية والإسماعيلية والعلويين) وأتباع ديانات أخرى (ينقسم هؤلاء بدورهم إلى مسيحيين بمختلف طوائفهم ، ويهود، وصابئة وأيزيدية وزرادشتية، وديانات قبلية زنجية في جنوب السودان). كما ينقسم سكان هذه المنطقة قوميا إلى عرب وإيرانيين وأمازيغ وأكراد ويهود وقبائل زنجية وأرمن وآراميين وسريان وتركمان وشركس وأتراك ونوبيين.

ورغم أن غالبية السكان في هذه المنطقة (حوالي 80 في المائة) هم من الناطقين باللغة العربية ويدينون بالإسلام دينا، ويتخذون من السنة مذهبا، إلا أن النسبة المتبقية وهي 20 في المائة تضم في ثناياها قوميات وأديان وطوائف مهمة، بعضها يشكل غالبية على مستوى البلد الموجود فيه (الشيعة في كل من العراق والبحرين) وبعضها أقليات مهمة ومؤثرة (الأمازيغ في بعض دول المغرب العربي، والأكراد في العراق والشيعة في لبنان، والقبائل الزنجية في السودان).

وعلى مدى قرون ظل موضوع الأقليات (الدينية أو العرقية) ضمن قائمة المسكوت عنه في البلدان العربية. كما ظل الحديث عن الأقليات وخاصة الدينية منها يحوطه قدر كبير من التحفظ ، مع سعي واضح للتقليل من أهميته أو نفي أي وجود له قائم بذاته. وكان الحل الشائع هو إما إلحاقها بالعروبة أو بالإسلام.

وحتى في الحالات التي طرحت فيها مشاكل لها علاقة بالأقليات نفسها على الجميع بصورة مدوية وعنيفة، فإن النظام الرسمي العربي، ومعه عدد لا يستهان به من النخب الدينية والسياسية المهيمنة، سارع إلى ترحيلها إلى أسباب وعوامل خارجية.

ونحن نرى ذلك اليوم في مشكلة الأقباط في مصر والأمازيغ في الجزائر، مثلما نراه في مناطق عربية أخرى ؛ الأكراد في العراق و، والمسيحيون في جنوب السودان، بالإضافة إلى الأقليات الطائفية على اختلاف في الدرجات والطبيعة.

فما هو حجم مشكلة الأقليات في العالم العربي؟ ولماذا يعرض النظام العربي عن الاعتراف بهذه المشكلة ولا يبادر إلى حلها بنفسه بدلاً من تركها تتسع إلى نطاق لا يستطيع السيطرة عليها فيه؟

تعتبر مشكلة الأقليات جزءا من مشكلة أكبر يواجهها نظام الحكم في البلدان العربية، وهي الاختلال الكبير في توزيع السلطة والثروة. فقد قام هذا النظام على مرتكزات ثلاثة، الإسلام والعروبة والحكم الوراثي (القبلي أو الطائفي أو العائلي). ولم تعرف البلدان العربية طوال معظم تاريخها مفاهيم مثل المواطنة والمشاركة السياسية والاقتصادية، ناهيك عن أنظمة الحكم الحديثة القائمة على الديمقراطية وفصل السلطات والتمثيل الشعبي ومحاسبة الحكومات.

وعلى عكس الدولة في الغرب التي نجحت (بعد حروب وتطاحن على مدى قرون) في التحول إلى دولة قومية، دمجت الأجناس والطوائف بداخلها، فإن الدولة العربية التي لم تر النور إلا حديثاً، لم يتسن لها ذلك، وحافظت على طابعها الفسيفسائي. وما إن جاء عهد الاستقلال، وبداية تشكل الدولة الوطنية حتى انتقلت إليها مجموعة الأقليات، ككتل اجتماعية بامتداداتها التاريخية والثقافية.

لقد انتهجت معظم الدول العربية (وفي معظم الفترات) أسلوب الإلغاء والتهميش، ولم تعترف بالأقليات كشركاء ومساوين في الوطن وفي الإرث الثقافي والتاريخي المشترك بصورة جدية، وإنما اعتبرتهم مجرد مخلفات لحضارات أو أقوام سابقين تكرّم عليهم المجتمع العربي  فحماهم ولم يتركهم نهباً للانقراض والموت، ومن ثم عليهم أن يشكروا الأغلبية ويعترفوا لها بالجميل بدلاً من أن يطالبوا بحقوقهم!

إن من يقرأ كتب التاريخ العربية يجد أن تاريخ الأقليات يعرض فيها باقتضاب، ودائماً عبر ربطها بأشخاص معينين أو أحداث معينة وليس كوجود اجتماعي وثقافي وديني قائم بذاته.

ولما كانت الدولة العربية الحديثة، ولما كان الواقع العربي نفسه يقوم على أسس قبلية وطائفية ومناطقية، سواء على مستوى أنظمة الحكم أو توزيع القوة والنفوذ داخل المجتمع، فإنه من الطبيعي أن تشعر الأقليات بالحاجة إلى المطالبة بحقوقها والدفاع عن مقومات وجودها، ومن الطبيعي أن تبدأ في البحث عن حلول لمشكلتها، شأنها في ذلك شأن باقي أطراف المجتمع المحرومة.

وقد اتسم تعامل الأنظمة العربية عموما مع مطالب الأقليات بأشكال غاية في التنوع جمعت إلى جانب القسوة والحزم أساليب التذويب والدمج الإجباري، ومنها:

- القمع الداخلي على أيدي الأنظمة التسلطية بمختلف درجاتها ( نظام البعث العراقي ضد الشيعة والأكراد، النظام العسكري المصري ضد الأقباط، النظام الديني السوداني ضد المسيحيين والوثنيين في الجنوب، نظام آل خليفة في البحرين ضد الشيعة، والنظام السعودي ضد الشيعة والإسماعيليين).

- لجأت بعض هذه الأنظمة إلى اتباع أساليب تغيير التركيبة السكانية لزعزعة نفوذ الإثنيات الأخرى (فقد قام نظام صدام بتغيير حدود بعض المناطق والمحافظات ونقل السكان من منطقة لأخرى لإضعاف الأكراد. كما قام النظام البحريني بجلب أعداد كبيرة من السنة من الخارج وتجنيسهم على حساب الشيعة، وكذلك فعلت السعودية عبر نقل أعداد من سكان جنوب البلاد السنة (نجران وعسير) وأعادت توطينهم في المنطقة الشرقية لإنهاء سيطرة الأكثرية الشيعية).

- فرض الثقافة العربية ، وهيمنتهما على مختلف مناحي الحياة في البلدان العربية إلى الدرجة التي لم يسمح فيها بحق أي من القوميات أو الأديان الأخرى، بالتعبير عن نفسها بصورة حرة ومتكافئة.

- تسمية الدولة لنفسها (عربية وإسلامية) وبالتالي دفعت الأديان والقوميات الأخرى، إلى الهامش، وقطعت الطريق عليها للمطالبة بالاعتراف بها جنبا إلى جنب مع العروبة والإسلام.

حاولت أنظمة عربية أخرى فرض الثقافة والقومية العربية في محاولة لتعريب أتباع القوميات الأخرى (على سبيل المثال العراق وبعض دول المغرب العربي)، وفرض المذهب الرسمي للطائفة الحاكمة (معظم الدول العربية) على أتباع الطوائف الأخرى.

تقديم أنظمة عربية لبعض التنازلات في ميادين الثقافة والاقتصاد، كما في حالة دول شمال أفريقيا مع الأمازيغ، والأردن مع المسيحيين وأتباع القوميات الأخرى.

5 - يعتبر لبنان حالة فريدة في العالم العربي، حيت تتمتع الطوائف والأديان فيه بترتيب متفق عليه في تقاسم السلطة.

ترى كثير من الحكومات العربية أن الاعتراف السياسي بالأقليات وما يترتب عليه من حقوق وواجبات، يستهدف تقسيم الدولة والمجتمع، كما يعرضها إلى مطالبات قد تمس سيادتها، مثل الحكم الذاتي وتقرير المصير وما شابه، ولهذا وضعت هذه الحكومات مشكلة الأقليات ضمن القضايا المهددة للأمن القومي، واعتبرتها، في الكثير من ال