دعوة لأممية أمريكية وإلغاء الأممية الدولية

 

 

ضمن حزمة الأفكار الدولية التي باتت مطروحة وبقوة على ساحة النقاش الدولي اليوم يأتي التساؤل عن وضع منظمة الأمم المتحدة وهل باتت مؤسسة خارج إطار الزمان الأمر الذي يستدعي وضع علامة استفهام حول الحاجة إلى وجود مؤسسة أو مؤسسات دولية جديدة في ظل عالم بات يتسم بوجود أقطاب متباينة وبخاصة بعد ملامح نهايات الانفراد الأمريكي بمقدرات العالم عبر العقدين الماضيين ولعل أحد أهم الأصوات التي علت في الآونة الأخيرة طارحة هذه القضية للنقاش العام كان المفكر الياباني الأصل الأمريكي الجنسية فرانسيس فوكاياما، المشهور برؤيته عن نهاية التاريخ، تلك الرؤية الدوجمائية تقريبا والتي عاد لاحقا ونقدها بذاته قبل أن يفعل الآخرون والشاهد أن فوكاياما يذهب إلى أن حرب العراق قد كشفت حدود المؤسسات الدولية الموجودة وخصوصا الأمم المتحدة وهي التي كان يحبذها الأوروبيون بوصفها الإطار العملي الصحيح من اجل العمل الدولي المشروع غير أن المنظمة الأممية لم تكن قادرة لا على المصادقة على قرار الولايات المتحدة للذهاب إلى الحرب ولا على إيقاف واشنطن عن العمل مستقلة بنفسها ومن كلا المنظورين كان إخفاق الأمم المتحدة بينا.

إذن، هل يمكن أن يخلص المرء إلى القول إن العالم اليوم لم يعد يمتلك ما يكفي من المؤسسات الدولية التي تستطيع أن تسبغ الشرعية على العمل الجماعي، وإن إنشاء مؤسسات جديدة تستطيع أن توازن على نحو أفضل متطلبات الشرعية والفاعلية هو الواجب الأسمى للجيل القادم؟

من بين الأفكار الجديدة المطروحة اليوم في هذا الشأن في حقل السياسة الدولية فكرة إنشاء “رابطة الدول الديمقراطية” أو “جامعة الديمقراطيات” بمعنى وجود كيان دولي مستقل لا يقبل في عضويته غير الدول التي تتمتع بمستوى متقدم من الحكم الديمقراطي الرشيد وقيامها بشكل مستقل بعيد عن هيئة الأمم المتحدة.يكتب “توماس كاروثرز” نائب رئيس قسم الدراسات في مؤسسة كارنيجي للسلام الدولي عبر مجلة ال “فورين بوليسي” مؤخراً، مشيراً إلى أن مشروع برنستون الخاص بالنظر الى مستقبل أمريكا قد مهد لهذه الفكرة وطور اثنان من جماعة العمل هما “ايفودادلير وجيمس ليندسي” الرأي في مقالة عنوانها “يا ديمقراطيات العالم اتحدي” وقد لقيت تجاوباً عند عدد من أنصار اليمين الأمريكي المحافظ من أمثال روبرت كاجان، كما شجعها المرشح الجمهوري لانتخابات الرئاسة الأمريكية جون ماكين...لكن ماذا عن ملامح هذا الاتحاد الجديد؟ يمكن إجمال روح الفكرة بالسعي إلى إقامة رابطة تعد كسند تعول عليه الولايات المتحدة في استمالة التأييد لسياستها الخارجية وخطط تدخلها حيث ترى التدخل مناسباً ويرى جون ماكين على نحو خاص أن الرابطة هي علاج لضعف التضامن بين 100 دولة ديمقراطية غداة الحرب الباردة ولاستشراس الأنظمة الاستبدادية  من وجهة نظره  التي نزعت إلى انتهاك حظر انتشار السلاح النووي وإلى ارتكاب المجازر والمقطوع به أن الفكرة ليست إلا شكلاً جديداً من أشكال الالتفاف الأمريكي على العالم إذ يخشى أن تكون تلك الرابطة قناعاً تتستر وراءه رغبة في تفويض البت في عضوية الرابطة إلى السياسة الأمريكية دون غيرها، فالولايات المتحدة هي مصدر المشروع وإليها يعود أمر المبادرة إلى توجيه دعوات التداول والمشاورة.يمكن القول إن الفكرة المتقدمة ليست إلا ابتكاراً جديداً “لأمم متحدة أمريكية” انطلاقاً من قناعة مؤداها أن التجربة التاريخية الأمريكية قد قادت الأمريكيين إلى الاعتقاد بأن الديمقراطية هي السبيل الناجح إلى إشراك الناس والدول في التصدي لمعالجة المشكلات المستعصية غير أنه يحق لنا أن نقطع سيل الاسترسال الأيديولوجي الأمريكي بتساؤل عن مدى قناعة العالم بجدوى الرؤية الأمريكية للديمقراطية، ولتكن منطقة الشرق الأوسط على سبيل المثال هي إطار البحث والاستقصاء والقياس على التجربة والحاصل انه من خلال التجربة المريرة التي عاشتها الأمم المتحدة إزاء أزمة العراق وامتهان واشنطن للشرعية الدولية كان البعض يرى أن شهادة وفاة الأمم المتحدة قد كتبت بمداد جف سريعاً غير أن واقع حال الأزمة الإيرانية وإشكالية البرنامج النووي أثبتت أن الروح لا تزال تدب وموصولة في جسد المنظمة الدولية حتى وإن أوقعت على طهران العقوبات، لكنها بحال من الأحوال لن تكرر مأساة الاستسلام للاستبداد الأمريكي، ولا يحسب أحد من المراقبين السياسيين اليوم أن واشنطن قادرة على طرح فكرة ضرب إيران أو غزوها على مجلس الأمن. وليس معنى هذا أن واشنطن أو تل أبيب لا يمكنهما الإقدام على مثل ذلك الهجوم، لكن المعنى والمبنى هو أنه ستكون هناك حسابات لمواجهات دولية لم تكن حاضرة في حال إشكالية العراق، وسيكون مجلس الأمن ولاشك الموقع والموضع الذي ستلجأ إليه دول العالم في محاولة للملمة أشلاء البشرية قبل الدخول في الحرب العالمية الرابعة، وليس “جامعة الديمقراطيات” التي تسعى إليها واشنطن وعند أصحاب فكرة الرابطة الأممية الديمقراطية الجديدة أنه يمكن تقسيم العمل بينها وبين الأمم المتحدة فترعى الرابطة السلام والأمن العاملين  أي احتكار القوة  وتنصرف الأمم المتحدة إلى معالجة قضايا التعليم والتنمية والصحة أي ما يمكن أن يعد مقبولاً شرعياً.

هل في الحديث بداية أجندة سرية لأمم متحدة تتشكل بالطريقة التي تريدها واشنطن وترى أنها تستحقها؟

في كل الأحوال فإن الأمم المتحدة وعلى حد قول أمينها العام الأشهر داغ همرشولد لم توجد لإدخال البشرية إلى الجنة بل لإنقاذها من الجحيم. على أن علامة الاستفهام إلى أين ستأخذها تنظيرات فوكاياما وخطوط مشروع برنستون؟

* كاتب مصري

وكل ذلك بحسب المصدر المذكور نصا ودون تعليق.

المصدر:alkhaleej.co.ae