التحول الديمقراطي والركود السياسي

 

 

هل الركود السياسي في العالم العربي هو الذي دفع بآلاف من الشباب العرب إلى أن يلجأوا إلى المدونات و"الفيس بوك" لكي يعبروا عن آرائهم السياسية، أو يخصونها بخلجات أنفسهم، أو يودعونها إبداعاتهم النثرية والشعرية؟

لعل هذا أحد التفسيرات المهمة لهروب الشباب إلى العالم الافتراضي، مادام العالم الواقعي بمشكلاته المتعددة وبالقيود والحدود التي يضعها أمام أجيال الشباب المتتابعة، أصبح بمثابة الحاجز الأصم الذي يمنع الشباب من إسماع صوتهم لمجتمعهم وللعالم معاً!

ويبقى السؤال ما هو سر الركود الذي ألقى بظلاله الكثيفة على مجمل الفضاء السياسي العربي؟ لعلنا نتذكر أن الدعوة للتحول الديمقراطي العربي ارتفعت منذ عقد من الزمان على الأقل وكان أصحاب هذه الدعوة هم أحزاب المعارضة ومؤسسات المجتمع المدني والمفكرون والمثقفون العرب بشكل عام.

وربما شجعهم على ذلك انهيار الاتحاد السوفييتي عام 1991، والذي كان عاصمة النظم السياسية الشمولية في العالم - إنْ صح التعبير - غير أن هذا الانهيار سرعان ما تبعه انهيار مماثل في دول أوروبا الشرقية التي سرعان ما تحررت من الهيمنة السوفييتية، وانطلقت عبر مسارب شتى تجاه الديمقراطية والليبرالية وبالإضافة إلى ذلك علا صوت العولمة بتجلياتها السياسية، والتي تتمثل في الديمقراطية والتعددية واحترام حقوق الإنسان. وقد صاحب ذلك ضغوط من النظام الدولي ممثلاً في الدول الغربية الكبرى وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد الأوروبي على الدول العربية، لكي تحقق التحول الديمقراطي. ورافق هذه الضغوط نمو مؤسسات المجتمع المدني العالمي، والذي أصبح في العقود الأخيرة فاعلاً أساسياً من فواعل النظام الدولي بالإضافة إلى الدول. ومعنى ذلك أنه منذ سنوات انضمت مطالب الداخل العربي مع ضغوط الخارج الأجنبي، لكي تدفع الدول العربية الشمولية والسلطوية في طريق الديمقراطية وربما عبرت "مكتبة الإسكندرية" عن هذه الحركة المزدوجة التي ضغطت لتحقيق الديمقراطية العربية تعبيراً صحيحاً وذلك في مؤتمر "قضايا الإصلاح العربي: الرؤية والتنفيذ" الذي انعقد في الإسكندرية في الفترة من 12 إلى 14 مارس 2004، بالاشتراك مع عدد من مؤسسات المجتمع المدني العربية. وقد ضم المؤتمر عشرات المثقفين العرب من كافة الاتجاهات الفكرية والسياسية، بالإضافة إلى عدد ممن يمثلون فكر الأحزاب السياسية. وقد عكست آراء أعضاء المؤتمر إلى حد كبير مطالب الجماهير العربية، الذين قدموا رؤية متكاملة للمطالب الجماهيرية العربية.

وقد صدرت عن المؤتمر وثيقة بالغة الأهمية عرفت "بوثيقة الإسكندرية"، وأصبحت لها منذ أن صدرت أصداء عالمية عميقة، لأنها عبرت عن الرأي العام العربي في لحظة تاريخية فاصلة، أصبح فيها المزاج العالمي- إنْ صح التعبير - يركز على ضرورة إنجاز التحول الديمقراطي، وخصوصاً في الدول التي مازالت تخيم عليها سحابات الشمولية والسلطوية ويلفت النظر أن وثيقة الإسكندرية في طرحها لقضية الإصلاح السياسي قدمت له تعريفا جامعاً مانعاً أنه "كافة الخطوات المباشرة وغير المباشرة التي يقع عبء القيام بها على عاتق كل من الحكومات والمجتمع المدني ومؤسسات القطاع الخاص، وذلك للسير بالمجتمعات والدول العربية قدماً، وفي غير إبطاء ولا تردد، وبشكل ملموس في طريق بناء نظم ديمقراطية".

وقررت الوثيقة أن الديمقراطية "تعني ذلك النظام الذي تكون الحرية فيه هي القيمة العظمى والأساسية بما يحقق السيادة الفعلية للشعب الذي يحكم نفسه بنفسه من خلال التعددية السياسية التي تؤدي إلى تداول السلطة. وتقوم على احترام كافة الحقوق في الفكر والتنظيم والتعبير عن الرأي للجميع، مع وجود مؤسسات سياسية فعالة على رأسها المؤسسات التشريعية المنتخبة والقضاء المستقل والحكومة الخاضعة للمساءلة الدستورية والشعبية، والأحزاب السياسية بمختلف تنوعاتها الأيديولوجية"وقد سبق لنا أن عبرنا عن رأينا في هذه الفقرة في مقال سابق بقولنا "الواقع أن مطالبة الوثيقة بتطبيق الديمقراطية بهذه المعاني المحددة تعادل عملية إعادة اختراع السياسة من جديد في العالم العربي"! والواقع أنه صدق توقعنا لأن إعادة اختراع السياسة من جديد في العالم العربي فشلت فشلاً ذريعاً، ودخلنا في مرحلة ركود سياسي. ولعل السؤال الذي يفرض نفسه الآن: لماذا فشلت عملية إعادة اختراع السياسة وحل محلها الركود الثقيل؟

أعتقد أن السبب يكمن في أن وثيقة الإسكندرية أصرت على أن تقدم المطالب الديمقراطية في سقوفها العالية، بدون مراعاة عملية للواقع السياسي العربي. ولذلك بدت كما لو كانت مقترحات "يوتوبية" تسعى إلى تأسيس المدينة الفاضلة السياسية العربية، حتى لو كان ذلك ضد التيار الشمولي والسلطوي الجارف!

وفي تصورنا - وقد مضت سنوات الآن على وثيقة الإسكندرية - أنها في حاجة إلى مراجعة جذرية. وهذه المراجعة لا تهدف إلى التنازل عن المطالب الديمقراطية الواردة فيها، وإنما تسعى إلى فهم نقدي لطبيعة النظم السياسية العربية السائدة، كمقدمة لوضع خطط مختلفة ومتعددة، تتفق مع خصائص كل نظام وهذا الفهم النقدي لابد أن يصدر عن تنميط واقعي Typology للنظم السياسية العربية.

النمط الأول هو النظم السياسية الشمولية. وفي هذه النظم تصادر الأصوات المستقلة تماماً، ولا يسمح لأي مؤسسة أيا كانت أن تأخذ المبادرة في أي موضوع. كما أن المجتمع المدني لا وجود له في هذه النظم، وإن حاولت شخصيات مستقلة أن تؤسس جمعيات أهلية فإنها تقمع قمعاً شديداً والنمط الثاني هو النظم السياسية السلطوية. وفي هذه النظم تشتد قبضة النظام على مجمل الحركة السياسية، ولكنه أحياناً ما يترك مجموعة من النوافذ تطل منها بعض الأصوات لكي تعبر عن نفسها وإنْ كان تحت الرقابة الصارمة للنظام. وقد نجد في هذه النظم بقايا من مؤسسات سابقة للمجتمع المدني والذي عادة ما يتم تجميدها والنمط الثالث والأخير هو النظم السياسية شبه الليبرالية والتي تسمح بالتعددية الحزبية وتفتح الباب - وإنْ كان بطريقة مواربة -أمام حرية الصحافة، وتسمح بإقامة مؤسسات للمجتمع المدني، وإنْ كان بضوابط معينة.

في ضوء هذا التنميط نستطيع أن نفهم لماذا لم تحقق وثيقة الإسكندرية وعودها، ولماذا ساد جو من الركود السياسي الثقيل على الفضاء السياسي العربي؟

من الواضح أن النظم الشمولية العربية أياً كانت نوعيتها، وسواء سيطر عليها حاكم مفرد، أو حزب أوحد، أو عائلة مالكة واحدة، لا تستطيع أن تغير جلدها بسهولة وتنتقل من الشمولية إلى الديمقراطية. هذه العملية البالغة الصعوبة والتي تحتاج إلى توافر شروط متعددة لم تتم في أي بلد إلا من خلال انقلاب عسكري أو ثورة شعبية، كما حدث فعلاً في بلاد أوروبا الشرقية بعد سقوط الاتحاد السوفييتي ومن ثم فمطالبة هذه النظم الشمولية بالتحول الديمقراطي فيه في الواقع نظرة خيالية غير واقعية. إن بعض هذه النظم لم يستكمل بعد مقومات الدولة الحديثة. فليس فيها دستور، ولا سيادة للقانون، ولا تفصل بين السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية، ولا صحافة حرة بالمعنى الحقيقي للكلمة، ولا مؤسسات مستقلة للمجتمع المدني، فكيف يتصور أن تختفي الشمولية - هكذا - وينقلب الميزان لصالح الديمقراطية؟

لو كنا عمليين حقاً لقدمنا لهذه النظم أجندة مطالب أساسية تتعلق بضرورة وضع دستور، والفصل بين السلطات، وتطبيق مبدأ سيادة القانون، وذلك كمرحلة أولى قبل الانتقال إلى التعددية الحزبية والانتخابات الدورية وقد تكون المهمة أسهل بالنسبة للنظم السلطوية لأنها في الواقع نظم قلقة، وهى وسط بين الشمولية والليبرالية، وعلى ذلك يمكن الدفع بها في طريق التحول الديمقراطي لو قدمنا لها أجندة تقوم على التدرج وليس على التحول الديمقراطي الفوري وتبقى النظم السياسية شبه الليبرالية والتي لا تحتاج إلا إلى دفعة قوية في سبيل التحول الديمقراطي، باعتبار أن البنية الأساسية للديمقراطية لها ركائز أولية متوفرة فعلاً.

في ضوء ذلك كله، نستطيع أن نفسر لماذا فرت أجيال الشباب العرب من الواقع العربي الضيق إلى الفضاء المعلوماتي الرحب، ينشرون مدوناتهم، ويعبرون فيها عن ذواتهم المحاصرة، أو يسجلون فيها آراءهم السياسية المقموعة.

حرية بلا ضفاف نعم، ولكن ينبغي أن نركز على أهمية بعد المسؤولية الاجتماعية، لأنه لا حرية بغير مسؤولية!

وكل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا ودون تعليق.

المصدر:alittihad-12-6-2008