الأوراق الفيدرالية -15-

الكسندر هاملتون

 

1 ديسمبر، 1787

إلى أهالي ولاية نيويورك:

 

في ثنايا الورقات السابقة جهدت، أيها المواطنون الأعزاء، أن أبسط أمامكم في ضوء واضح ومقنع أهمية الاتحاد لسلامتكم وسعادتكم. فنشرت أمامكم شبكة من الأخطار التي سوف تتعرضون لها إن سمحتم لذلك الوثاق المقدس الذي يربط بين أفراد الشعب الأمريكي معاً، إن ينفصم أو تتفكك عُراه، بفعل الطموح أو الحقد، نتيجة للغيرة أو سوء التمثيل. وفي مساق البحث الذي سأرافقكم على طوله، سوف تلقي الحقائق التي أنوي غرسها في أذهانكم رسوخاً أكبر مما مضى، بفضل الوقائع والمناقشات التي لم تكن ملحوظة حتى الآن. فإذا بدا الدرب الذي عليكم أن تسيروا فيه، متعباً أو مزعجاً في بعض أماكنه، فتذكروا أنكم الآن تسعون وراء المعلومات عن موضوع تستدعي خطورته أن يشغل اهتمام شعب حر. فالطريق الذي عليكم أن تسلكوه هو بحد ذاته درب فسيح، قد زادت من صعوبة السير فيه، وبغير ضرورة لذلك، تعقيدات وضعتها المغالطات في الطريق. وسيكون الهدف الذي أسعى إليه هو أن أزيح تلك العقبات من طريق تقدمكم، بصورة مختصرة قدر المستطاع، دون التضحية بالفائدة لحساب السرعة.

أثناء متابعتي للخطة التي وضعتها لنفسي لمناقشة الموضوع، وجدت أن النقطة التالية في البحث من حيث الترتيب هي "عدم كفاية الكونفدرالية الحالية للحفاظ على الاتحاد". وقد يُطرح سؤال: ما الحاجة القائمة للتعليل أو الإثبات لتوضيح وضع لا تجري مخالفته ولا هو مشكوك فيه، وضع توافق عليه أفهام جميع فئات الناس ومشاعرهم، ووضع تقبل حقيقته خصوم الدستور الجديد وأصدقاؤه على السواء؟ من الواجب بالفعل الاعتراف بأنه مهما تباين الخصوم والأصدقاء في نواح أخرى، فإنه يبدو بصورة عامة أنهم انسجموا في إحساسهم على الأقل؛ بأن هناك نقائص هامة في نظامنا الوطني، فمن الضروري أن يُعمل شئ ما لإنقاذنا من الفوضى الوشيكة. لم تعد للحقائق التي تؤيد هذا الرأي الآن مجالات للتفكير فيها. لقد فرضت نفسها فرضاً على خواطر الناس بأوسع نطاق، حتى استطاعت آخر الأمر أن تستلّ الاعتراف بها، ممن يرجع إلى سياستهم الخاطئة النصيب الأكبر في إيصالنا إلى النهاية التي وصلنا إليها. وكان ذاك اعترافاً من غير طيب خاطر منهم بحقيقة وجود تلك النقائص في منهاج حكومتنا الفدرالية، النقائص التي طالما نبه إليها وشعر بالأسف لوجودها الأذكياء من أصدقاء الاتحاد.

والحقيقة أنه يمكن القول، بشئ من القبول، إننا بلغنا في الإذلال الوطني مرحلته الأخيرة تقريباً. فبالكاد بقي مما يجرح الكرامة أو يحط من قدر أمة مستقلة شئ لم نمارسه. أهناك أي ارتباطات تقتضي الإنجاز نحن مشدودون إليها بكل حبل، ولا يزال يحترمها الناس؟ هذه هي موضوعات الانتهاكات المخزية المتواصلة. هل في ذمتنا ديون للأجانب ولمواطنينا تم التعاقد عليها وقت كنا في أحرج الخطر، لصيانة وجودنا السياسي؟ إنها مازالت لا تجد مورداً مناسباً وكافياً لسدادها. هل لدينا أراضي قيمة ومراكز مهمة في ممتلكات دولة أجنبية كان علينا أن نسلمها بسرعة إلى أصحابها منذ عهد طويل؟ إننا ما زلنا نحتفظ بها، وإن كان ذلك ضد مصلحتنا، لا أقل مما هو ضد حقوقنا. هل نحن في ظرف يتيح أن نثور على العدوان أو ندفعه؟ ليس لدينا قوات حربية ولا خزينة عامرة، ولا حكومة. بل هل نحن حتى في ظرف يتيح أن نحتج أو نعترض بكرامة؟ إن التهم المحقة التي في ذمتنا بخصوص المعاهدة نفسها يجب أولاً أن تصفى. هل نحن مخولون بحكم الطبيعة والتعاقد المشترك – إلى اقتسام حر مع الغير في الإبحار في المسيسبي؟ هل الوفر العام في بلادنا مصدر لا يمكن الاستغناء عنه عند بروز خطر عام؟ يبدو أننا قد هجرنا سبب وجوده يوم وقع فكان الملاذ الأخير الذي لا يمكن التخلص منه. هل التجارة ذات أهمية في الثروة الوطنية؟ إنها في الدرك الأدنى من الانحدار. وهل الاحترام في أعين القوى الأجنبية ضمان ضد العدوان الأجنبي؟ إن استكانة حكومتنا تمنع تلك القوى حتى من التعامل معنا. إن سفراءنا في الخارج هم مجرد مواكب مهرجانية للسيادة المصطنعة. هل إن هبوطاً في قيم الأشياء وفي العقار هو أحد أعراض البؤس الوطني؟ إن سعر الأرض المحسنة في معظم مناطق بلادنا لهو أدنى مما يمكن أن تسمح به مساحة الأراضي البور المعروضة في السوق، ولا يمكن تفسير ذلك إلا بنقص الثقة الفردية والثقة العامة الذي ينتشر إلى درجة تبعث جزع جميع فئات المواطنين، والذي يولد اتجاهاً مباشراً إلى بخس قيمة الملكية من كل نوع. هل الوفر الخاص هو صديق الصناعة وراعيها؟ إن ذلك النوع العظيم الفائدة من النشاط الذي يتعلق بالاقتراض والإقراض قد أصبح الآن في أضيق الحدود جراء الشعور بعدم الاطمئنان أكثر من كونه نتيجة لعدم توفر المال. ولتقصير قائمة من النقاط التي لا تبعث على السرور ولا التوصية، لربما يكون مطلوباً الآن التساؤل عن المؤشر القائم على الفوضى العامة، والفقر، وعدم الاعتبار الذي قد يلحق بمجتمع مبارك مثل مجتمعنا يتمتع بميزات طبيعية كالتي عندنا، ولا يشكل جزءاً من كتالوج أسود يعرض سوء حظنا العام؟

إن هذا الوضع المحزن الذي دُفعنا إليه بفضل تلك الحقائق والتوصيات، سوف يحول دون تبني الدستور المقترح؛ وهو وضع لن يكتفي بأنه أفضى بنا إلى حافة الهاوية، بل يبدو مصمماُ على أن يجعلنا نغوص في الفوضى التي تنتظرنا في القاع. من هذا الوضع أيها المواطنون، دعنا ننطلق مدفوعين بكل حافز يؤثر في نفوس شعب متنور. دعونا نتخذ موقفاً حازماً لصالح سلامتنا، لصالح هدوء بلدنا وكرامتنا، وسمعتنا الحسنة. دعونا آخر الأمر نحطم ذلك السحر القاتل الذي طالما أضلّنا بإبعادنا عن جادة السعد والازدهار.

صحيح، كما لوحظ سابقاً، أن الحقائق التي هي أعند من أن تقاوم قد خُلقت نوعاً من القبول العام للفرضية المجردة التي مفادها أن هناك نقائص حقيقية في نظامنا الوطني؛ إلا أن فائدة التسليم بذلك من جانب الأعداء القدامى للإجراءات الفدرالية قد حطمتها المعارضة القوية لمعالجته اعتماداً على المبادئ الوحيدة التي بوسعها أن تتيح له فرصة النجاح. ففي حين يقرون أن الحكم في اتحاد الولايات معدوم القدرة على الحركة، نجدهم يتنافسون في عدم منح ذلك الحكم تلك السلطات الضرورية لتوفير تلك القدرة. ويبدو أنهم لا يزالون يسعون إلى أهداف منفّرة ولا يمكن الرجوع عنها؛ إلى هدف توسيع السلطة الفدرالية دون تضييق سلطة الولاية؛ وإلى سيادة الاتحاد مع الاستقلال الكامل لأعضائه. إنهم لا يزالون، في أفضل تقدير، يرغبون، بتكريس أعمى، في زيادة هيمنة المارد السياسي بحكم الواقع. ومن شأن ذلك أن يخلق ابتذالاً كاملاً للنقائص الرئيسة للكونفدرالية والتي هي ضرورية لبيان أن الشرور التي نمارسها لا تنبع من عيوب صغيرة أو جزئية، بل من أخطاء أساسية في هيكلة البناء، أخطاء يتعذر إصلاحها دون إجراء تغيير في المبادئ الأولى والأعمدة الأساسية في نسيج البناء نفسه.

إن الرذيلة العظمى والجذرية في هيكل الكونفدرالية القائم موجودة في مبدأ التشريع للولايات، أو الحكومات، في قدراتها مندمجة معاً أو بصورة جماعية، وبصفتها متميزة مضادة للأفراد الذين تتكون منهم تلك الولايات. ومع أن هذا المبدأ لا يتقاطع مع كل السلطات المفاوضة إلى الاتحاد، فهو يتخلل ويحكم السلطات الأخرى التي على فعاليتها تعتمد بقية السلطات. وإلا فيما عدا قاعدة توزيع الحصص، فإن اتحاد الولايات يملك حقاً غير محدود في طلب الرجال والأموال؛ إذ ليس لاتحاد الولايات هذا أي سلطة لأن يجمع الرجال أو الأموال من خلال تعليمات يصدرها هو إلى المواطنين الأفراد في أمريكا. والنتيجة التي تترتب على ذلك هي: مع أن قرارات اتحاد الولايات بخصوص ذينك الشيئين، من وجهة نظرية، هي قوانين ملزمة دستورياً للولايات أعضاء الاتحاد، فهي في واقع الممارسة العملية مجرد توصيات، يكون للولايات أن تنفذها أو تتجاهلها حسب اختيارها هي.

هذا مثل فريد على تقلّب العقل الإنساني وتشكّكه، فبعد جميع التحذيرات والنصائح التي وفرتها لنا التجارب حول هذا الموضوع، لا يزال يوجد بيننا رجال يعارضون الدستور الجديد زيغاً منهم عن مبدأ قد ثبت أنه لعنة الماضي، كما أنه وبكل وضوح، لا يتفق مع فكرة الحكم؛ وهو مبدأ من شأنه إذا تم تنفيذه أصلاً، أن يضع العمل العنيف والدموي للسيف محل التأثير الهادئ اللطيف من قبل المدراء المدنيين.

ليس هناك شئ سخيف أو تتعذر ممارسته في فكرة خلق عصبة أو تحالف بين دولة مستقلة لأغراض معينة محددة يُنص عليها في اتفاقية تنظم جميع تفصيلات الزمان، والمكان، والظروف، والكم، غير تاركة أي شئ لحسن التقدير في المستقبل، وتعتمد في تنفيذها على النية الحسنة لدى الأطراف المشاركين فيها. إن تجمعات من هذا النوع توجد ما بين جميع الأمم المتحضّرة، وتكون خاضعة للتقلبات المعتادة من الحرب والسلام، من حيث مراعاتها وعدم مراعاتها، وفق ما تمليه مصالح أو أهواء تلك القوى. في الأعوام المبكرة من القرن الحالي حدث انفجار وبائي الانتشار في أوروبا لصالح هذا النوع من التجمعات، إذ تأمّل السياسيون في ذلك العهد بشغف أن يحققوا خلال تجمعاتهم هذه فوائد كثيرة لم تتحقق على الإطلاق. وعلى أمل خلق التوازن في القوى في ذلك الجزء من العالم وإقرار السلام فيه، تم استنفاذ جميع مصادر المفاوضات وأنواعها، وتم تشكيل تحالفات ثلاثية ورباعية، لكنها بالكاد كانت تتشكل حتى تنحل، ملقّنة الجنس البشري درساً تعليمياً، لكنه مؤلم، على ضآلة جدوى الاعتماد الذي يوضع في الاتفاقيات التي ليس لها مقوّم أكثر من التزامات النية الحسنة، والتي تضم اعتبارات عاملة للسلام والعدالة إلى جانب أي دافع كان، من المصلحة أو الهوى.

إذا كان هناك ولايات محددة في هذه البلاد ميالة لأن تعقد فيها بين بعضها بعضاَ، ترابطاً مماثلاً لما سبق، وفي أن تُسقط مشروع "الإشراف الاستنسابي" فإن الخطة سوف تغدو مؤذية حقاً، وسوف تجر علينا جميع الشرور التي سبق أن أحصيتها تحت العنوان الأول من هذه المقالة؛ لكن الخطة في تلك الحال ستكون جديرة بأن تكون منسجمة مع ذاتها على الأقل وقابلة للتطبيق أيضاً. إن تخلّينا عن جميع الآراء الداعية إلى حكم كونفدرالي، سوف يقودنا إلى مجرد تحالف عدواني دفاعي؛ وسيضعنا في موقف نغدو فيه مجرد أصدقاء بدلاء، بل أعداء الواحد منا للآخر؛ لأن غيرتنا المتبادلة، وتنافسنا حين تنمّيها دسائس الأمم الأجنبية، سوف تجعلنا كذلك.

أما إذا كنا لا نودّ أن نوضع في هذا الموقف المهلك، بلا لا نزال مخلصين لخطة حكم يشمل الوطن كله، أو، خطة إقامة سلطة إشرافية يوجهها مجلس عام، وهو الشئ نفسه، فإن علينا نقرر أن ندمج في خطتنا تلك العناصر المساعدة التي تعتبر هي ما يصنع الفارق المميز بين العصبة والحكمة؛ وعلينا أن نوسع سلطة الاتحاد حتى تشمل أشخاص المواطنين – فهم الأهداف الوحيدة المناسبة لأن تحكم.

إن الحكم يتضمن سلطة وضع القوانين. ومن الضروري في فكرة القانون أن يرافقه ردع؛ وبكلمات أخرى، يرافقه جزاء أو عقوبة لمن يعصيه. فإذا لم يكن هنالك جزاء يترتب على العصيان، فإن القرارات أو الأوامر التي تأخذ شكل قوانين في الظاهر، تهبط في الواقع، إلى كونها لا أكثر من نصائح أو توصيات. والجزاء مهما كان، يمكن تطبيقه بطريقتين: طريقة توكيل من المحاكم ووزراء العدلية؛ أو بالقوة العسكرية؛ أي إما بتحكيم الإدارة المدنية أو بحكم السلاح. ومن الواضح أن النوع الأول يمكن تطبيقه على الأفراد العاديين، أما النوع الثاني فالضرورة تقضي باستخدامه ضد المجموعات سياسية أو مجتمعات، أو ولايات. ومن الواضح أنه ليس هناك إجراء عملي في أية محكمة من خلاله يمكن فرض إطاعة القانون آخر الأمر بالقوة. إذ قد يرفض الأفراد والولايات تنفيذ الأحكام الصادرة عليهم لامتناعهم عن القيام بواجباتهم وعند ذاك لن يتم تنفيذها إلا بالسيف. ففي تجمع تنحصر السلطة العامة فيه في يدي الهيئات الجماعية التي تقيمها الفئات التي تكوّن ذلك التجمع، يغدو كل تجاوز للقانون ينطوي على حالة من حالات الحرب؛ ومن ثم يغدو العمل العسكري هو السبيل الوحيد لفرض طاعة المواطنين. وتجمع فيه مثل هذه الحال في الأمور لهو تجمع لا يستحق اسم "حكومة" على التأكيد، ولن يقبل أي رجل عاقل أن يختار ربط سعادته به أبداً.

لقد مضى العهد الذي كان يقال فيه أن تجاوز الولايات لتعليمات السلطة الفيدرالية شئ غير متوقع؛ وأن الحس بالمصلحة العامة سوف يهيمن على تصرفات الأعضاء فتتمشى تلك التصرفات في توافق تام مع جميع الضرورات الدستورية للاتحاد. إن هذه اللغة تبدو لغة هجينة في الوقت الحاضر، مثلها مثل جزء كبير مما نسمعه هذه الأيام تقوله الفئة نفسها، حتى بعد أن تلقّينا دروساً كافية من الموحى الأكثر حكمة من غيره، وهو الممارسة. ففي جميع الأوقات كانت الممارسة الفعلية تكشف جهل الناس بالمنابع الأصلية التي ينبثق منها السلوك البشري، وتموّه البواعث الأصيلة لإقامة سلطة مدنية. لماذا تم إنشاء الحكومة أصلاً؟ لأن أهواء الناس لن تنسجم مع ما يمليه العقل والعدالة من غير كابح لها. هل ثبت أن مجموعات الناس تتصرف باستقامة أكثر وعدم تحيز أعظم مما يفعل الأفراد؟ خلاف ذلك هو الذي توصل إليه جميع الذين لاحظوا تصرف البشر، بدقة، وهذا الاستنتاج مبني على أسباب واضحة جليّة. فاحترام السمعة الحسنة ذو تأثير فعال أقلّ حين يتوزع العار بسبب فعل سئ على عدد كبير يأتون ذلك الفعل، مما لو وقع العار كله على رأس فرد واحد. إن روح التحزّب، والجاهزة لأن تبث سمومها وتمزجها بخواطر الجميع، سوف تدفع، في كثير من الأحيان، الأشخاص الذين تتألف منهم الجماعات إلى عدم لياقات ومبالغات يخجلون منها بصفتهم الفردية.

وعلاوة عن كل هذا، فإن في طبيعة السلطة العليا تسرّعاً إلى السيطرة يجعل أولئك الذين خُولوا ممارسة تلك السلطة ينظرون بعين الشر إلى جميع المحاولات الخارجية لكبح عمليات سلطتهم أو توجيهها. من هذه الروح نعثر في كل تجمع سياسي تم تشكيله على أساس أن تضم المصلحة العامة فيه عدداً من السيادات الأصغر، على مثل إلى الانحراف عن المركز لدى الحلقات الدنيا، مثل من شأنه عند العمل أن يخلق لدى أفراد هذه الأوساط رغبة في أن يبذلوا جهداً دائماً للابتعاد عن المركز العام لذلك التجمع. وليس من الصعب أخذ هذا الميل في الحسبان ولا فهمه. إن أصله يعود إلى حب السيطرة. فالسيطرة المقيّدة أو المجزوءة هي في أغلب الأحيان منافس، بل خصم، لتلك السيطرة التي تقيّدها أو تضيّق حدودها. وينبغي لهذه الفرضية البسيطة أن تعلّمنا أنه ما أقل الحكمة لدينا في أن نتوقع ممن عهدنا إليهم بإدارة شئون الأعضاء الخاصيين في الكونفدرالية – أن يكونوا في جميع الأوقات مستعدين، بنفس رفيع طيب، واحترام لا تحيّز فيه ضد الخير العام – أن ينفذّوا قرارات السلطة العمومية ومراسيمها. إذ أن عكس هذا هو ما ينبع من تكوين الإنسان.

من ثم فإنه إذا كان لا يمكن تنفيذ قوانين الكونفدرالية بدون تدخل الإدارات الخاصة، فالأمل ضئيل في تنفيذها أصلاً. إن حكام الولايات الأعضاء ذوي العلاقة، سواء كان لهم حق دستوري في أن يفعلوا أم لم يكن سيباشرون إصدار الحكم في صلاح القوانين أو عدم صلاحها، بأنفسهم. وسيأخذون في اعتبارهم تمشّي الشئ المقترح والمطلوب أو عدم تمشّيه مع مصالحهم أو أهدافهم الآنية، ودرجة الملاءمة أو عدم الملاءمة التي تصاحب تبنيه. كل هذا سيتم، وفي روح من الاهتمام والحرص المتشكك، دون معرفة من لدنهم بالظروف الوطنية وأسباب الوضع.. تلك المعرفة التي هي أساسية للوصول إلى حكم صائب، مع نزوع قوي لصالح الأهداف المحلية عندهم، والتي نادراً ما تعجز عن تضليل القرار. ولا بد أن تتكرر العملية نفسها عند كل عضو من أعضاء المجموع؛ وهكذا يتذبذب تنفيذ الخطط التي تضعها مجالس الاتحاد ككل، تبعاً للقرار الذي يتخذه الرأي الناقص المعرفة والمتغرض، لكل طرف. إن أولئك الذين خبروا سير الإجراءات في الاجتماعات العامة، والذين لمسوا العقبات فيها، حين لا يكون هنالك ضغط خارجي من الظروف يجعل المجتمعين يتوصلون إلى قرارات منسجمة حول النقاط الهامة – يدركون فوراً شدة صعوبة وجود عدد من تلك الاجتماعات، تناقش عن بُعد من بعضها بعضاً، في أوقات مختلفة، وتحت تأثير انطباعات مختلفة – يقدّرون كيف يتشوق أفرادها إلى التعاون في التوصل إلى نفس الآراء والمساعي.

وفي حالتنا الخاصة يغدو، توافق ثلاث عشرة إرادة متمايزة، لكل منها سيادتها – مطلوباً، بحكم الارتباط بالكونفدرالية، من أجل إصدار أي قانون مهم يتخذه الاتحاد. لقد حدث هذا كما كان يجب أن يُتنبأ به. فلم يتم تنفيذ القوانين التي أصدرها الاتحاد؛ وتكاملت انحرافات الولايات خطوة إثر خطوة حتى بلغت أقصى غاياتها، فعطلت، في آخر الأمر، جميع عجلات الحكومة الوطنية وأدت بها على موقف يبعث على الفزع. إن الكونغرس، في الوقت الحاضر، لا يكاد يملك الوسائل التي تُقيم شكل الإدارة، ولا يزال لدى الولايات وقت كاف لأن تتفق على بديل أكثر حقيقة من الظل الحالي لحكومة فيدرالية. إن الأمور لا تصل إلى هذه النهاية الميئوس منها في لحظة. فالأسباب التي تم تحديدها من قبل، قد أفرزت أول أمرها، عدم تساو ولا تناسب في درجات الالتزام بمتطلبات الاتحاد، لا أكثر من ذلك. ثم إن المساوئ الكبيرة التي بدرت من بعض الولايات قدّمت تمهيداً لاحتذاء المثل وإغراءً مهماً للولايات الملتزمة، أو الأقل انحرافاً، فتساءلت: لماذا يتوجب علينا أن نقوم بقدر نسبي أكبر من تلك الولايات الرفيقة لنا، في الرحلة السياسية نفسها؟ لماذا يكون علينا أن نوافق على أن نتحمل أكثر من نصيبنا النسبي من العبء المشترك؟ كان هناك خواطر لا تستطيع أنانية الإنسان أن تقاومها، بل لقد عجز أصحاب النزعة التأملية من الناس، والذين ينظرون قُدُماً إلى النتائج المترتبة في المستقبل البعيد عن أن يصمدوا في وجهها دون خور. إن كل ولاية تخضع لصوت الإقناع، صوت المصلحة الآنية أو الطريق الأنسب، قد سحبت تأييدها واحدة بعد الأخرى، حتى ليبدو أن النصُب الواهن المترنح على وشك أن يقع فوق رؤوسنا فيسحقنا تحت أنقاضه.

الأوراق الفيدالية/الكسندر هاملتون، جميس ماديسون، وجون جاي؛ ترجمة عمران أبو حجلة، مراجعة أحمد ظاهر- عمان: دار الفارس للنشر والتوزيع، 1996. ص 104-113.