صراع الأجيال في احزاب المشهد السياسي العراقي       

 

د. مهدي السعيد

 

يبدو ان تاريخ الصراع بين المكونات السياسية العراقية، (اي الحركات والاحزاب والتيارات) لم ينقطع في وتيرة تقدمه الى الان، وهذه ربما تكون احدى سمات الطابع الحيوي لهذا التاريخ، ولكن، حينما نقول ان حركة الصراع تشمل المكونات السياسية، فلا يعني ذلك ابداً، عزلها عن حركة الصراع في داخل المؤسسات السياسية ذاتها.

وقد يكون هذا النوع من الصراع الذي ندعوه بـ"صراع الاجيال" اكثر اهمية وتأثيراً على واقع هذه المؤسسات، وخير دليل على ذلك جملة الانشقاقات والتمردات التي حدثت في هذه الاحزاب على مدى الزمن الماضي منذ تأسيسها والى الان.

والملاحظ هنا، ان جميع الاحزاب العراقية الرسمية وغير الرسمية، الموسمية والدائمة، قد تعرضت الى الكثير من هذه المشاكل، بل وان بعضها الحالي لا زال الى اليوم يعاني من هذه المشاكل.

ولم تقتصر الانشقاقات والخلافات والتمردات التي ضربت الاحزاب والحركات السياسية على الاحزاب العربية وانما ايضاً على الاحزاب الكردية والتركمانية وغيرها.

وفي مجمل التاريخ المأزوم الذي مرت به الحركات السياسية العراقية، كان هنالك ثمة مؤشر على ان جوهر هذا الصراع، هي المفاهيم والافكار التي تمثل اتجاهين متعارضين في داخل المؤسسة السياسية، وهذين الاتجاهين يمثلان اجيالاً سياسية مختلفة، جيل المخضرمين او "الحرس القديم" وجيل "الشباب المتنور" او "الواعد".

وفي معظم تلك الصراعات كان الفوز من نصيب "الحرس القديم" لانه يمتلك خبرة عالية في التلون مع المستجدات والمناورة السريعة وقدرة على تزييف الوقائع، واذا اقتضى الامر استخدام الوسائل القذرة في تدمير الجهة "المنتفضة" التي تمثل الرأي الجديد او المتطور او "الواعد". 

طبعاً، في اغلب الاحيان يهزم جيل الشباب، لانه قليل الخبرة في الصراع السياسي وفي نمط الحياة المليئة بالمؤامرات والانتهازية، اضافة الى انه في الواقع لم يخرج بعد كلياً من نطاق "الطاعة الابوية" او "المقدسة" تجاه الزعماء او بالاحرى تجاه "الحرس القديم"، لذلك فانه بسبب هذه القدسية يفوت الفرصة التاريخية لاستكمال حركته منصاعاً، الى جملة اعتبارات، مثل النصيحة، او الثقة او التجبجب او قلة المستلزمات المادية او غيرها.

ولكن في النتيجة، خسارة المعركة، التي من الممكن ان تكون ماضية باتجاه النصر الاكيد، لو تعامل معها جيل الشباب من منطق "التجديد الحتمي" للحركة او الحزب او التيار، بعد جملة اخفاقات حقيقية، وفرت رأياً عاماً داخل هذه المكونات السياسية ضد قيادة "الحرس القديم"، وكما يقول احد مهندسي الثورات العالمية "تشي جيفارا"، ان التردد يقتل الثورة، وهنا لنبسط الامر ونقول: ان التردد يقتل التجديد والتطور.

ان الواقع السياسي العراقي الحالي، يتسم بسيطرة "الحرس القديم" كلياً على شؤون الحركات والاحزاب السياسية، ولا توجد اي مؤسسة سياسية عراقية في الوقت الحاضر تقاد من قبل شباب متنور وواعي وعلى درجة عالية من الثقافة والحنكة السياسية. والسبب ليس في عدم وجود مثل هؤلاء الشباب، وانما بطريقة هيمنة "الحرس القديم" على مقدرات هذه الاحزاب والحركات، حيث عقدوا فيما بينهم حلفاً داخلياً، ثم عقدوا في نفس الوقت حلفاً خارجياً مع الاحزاب الشبيهة، وحاصروا اي محاولة لظهور حالة جديدة في هذه الاحزاب، حيث باستطاعتهم دحرها وتدميرها في مهدها، باستخدام مختلف الاساليب، بما في ذلك التشويه والتخوين وغيرها.

 بيد ان التجربة لا فقط العراقية، وانما العالمية ايضاً، تشير الى قرب نهاية جيل السياسيين القدماء "الفاشلين" الذين يحكمون المشهد السياسي العراقي الحالي، وهذا ما تؤكده تطورات القضية العراقية عموماً، وشهادات المسؤولين الاميركان وايضاً الاوروبيين، فضلاً عن ما يكتب في الصحافة الغربية عموماً.

لقد فشل "جيل الحرس القديم" في قيادة العملية السياسية في العراق، وعليه فان هنالك تحركات وارهاصات في داخل هذه الاحزاب، فرضتها طبيعة التطورات التي جرت وتجري حالياً، فجيل من المثقفين والدارسين الشباب بدأ يظهر اما على جانب حركاتهم السياسية التقليدية ولكن بافكار جديدة، او بعيداً عنها، حيث اخذوا يعبرون عن ارائهم التجديدية الهامة، ويكتبون في الصحف ومواقع الانترنيت، ويجذبون المزيد من قواعد احزابهم وحركاتهم السياسية اليهم، واخذ الجيل القديم "جيل الحرس القديم"، يشعر بمواضع الخطر، ولكن ربما تشكل هذه المرحلة، اخر مرحلة تاريخية في حياة هذا الجيل، بعد ان اختبره الشعب العراقي، وايقن بفشله كلياً في قيادة مستقبل العراق، ولان افكاره أصبحت بالية وقديمة، فان العراقيون يبحثون حالياً عن الجديد، والواعد، لذلك اخذوا يعقدون الامال على جيل الشباب، وهذا ما ستؤكده الظروف الجديدة القادمة التي ستجتاح العراق مستقبلاً.

وكل ذلك بحسب المصدر المذكور نصا ودون تعليق.

المصدر: wasatonline