ماذا بقي من أحزاب مصر؟

 

د. وحيد عبد المجيد 

 

عبَر "حزب التجمع" اليساري المصري محطة من أخطر محطات الأزمة الداخلية التي تهدده، لكن دون أن يتجاوز هذه الأزمة. فقد انتهى مؤتمره العام السادس، الذي عُقد مطلع الشهر الجاري، بسلام. وتجنب انفجاراً كاد يعصف به جراء تصاعد الصراع داخله. وساعد على ذلك أن التيار المعارض لرئيسه الذي تم التجديد له (د. رفعت السعيد)، لم يتمكن بعد من خلق التعبئة الكافية لإطاحته. لذلك أتاح فوزه على منافسه العنيد (أبو العز الحريري) في اقتراع ديمقراطي احتواء الصراع الذي تصاعد بينهما قبيل المؤتمر العام.

غير أن نجاح التيار المعارض في إطاحة الأمين العام (حسين عبدالرازق) القريب من رئيس الحزب، خلق توازناً قلقاً مؤداه ترحيل الأزمة الداخلية إلى مرحلة لاحقة، وليس حلها. ومع ذلك تبدو أزمة الحزب هي الأقل خطراً على الإطلاق بين أحزاب المعارضة الأساسية. فلم يخرج حزب "الوفد" بعد من الأزمة الممتدة التي قادت إلى إقصاء رئيسه السابق نعمان جمعة عام 2006 عبر صدام عنيف مازال صداه مدوياً في تفاعلات الحزب الداخلية. وفي الوقت الذي يبدو مصير الحزب معلقاً بدعاوى قضائية يجري تداولها في المحاكم المصرية، سجل حزب "الجبهة الديمقراطية" الجديد رقماً قياسياً في سرعة الانفجار الداخلي. فلم يمض عام ونيف على تأسيس هذا الحزب الذي بدا حينها واعداً، حتى انفجر من داخله على نحو يكاد يعصف به.

أما الحزب الناصري، الذي أصبح هيكلاً عظمياً خاوياً، فهو يمثل حالة فريدة، إذ يبدي رئيسه ضياء الدين داوود استعداده للتنحي. لكنه مضطر للبقاء في موقع لا تؤهله له ظروفه الصحية بسبب عنف الصدام بين اثنين من الطامحين لخلافته، عنف وصل حد التراشق بالأيدي بين أنصارهما.

في غياب أية فرصة لتداول سلطة الحكم، تصبح السلطة داخل الحزب هي غاية المنى، ويبدو الصراع عليها هدفاً يعلو على غيره!

وهكذا يصبح التساؤل مشروعاً عما يمكن أن يبقى من هذه الأحزاب عندما يحل موعد الانتخابات البرلمانية والرئاسية في عامي 2010 و 2011 على التوالي، والتي سترسم في الغالب صورة مصر القادمة.

إذا كان هذا سؤالاً مفتوحاً تنتظر إجابته ما سيحدث داخل هذه الأحزاب، يظل السؤال عن تفسير هذا الذي يحدث، وما سيترتب عليه، موضعاً لخلاف بين اتجاهين تقليديين ينظر كل منهما إلى أزمة الحياة الحزبية في مصر من زوايته.

أول هذين الاتجاهين يفسر تفاقم أزمة الأحزاب بالقيود الخانقة التي فُرضت عليها منذ اللحظة الأولى للانتقال نحو التعددية الحزبية في مصر. إذ بدأ ذلك الانتقال بفتح حوار في عام 1974 حول مستقبل "الاتحاد الاشتراكي" أسفر عن تأسيس ثلاثة منابر ثابتة في داخله، ومروراً بإطلاق اسم تنظيمات عليها، ثم بإعلانها أحزاباً سياسية مستقلة في افتتاح الدورة البرلمانية لعام 1976. ويندرج النظام الحزبي الذي أقيم بمقتضى ذلك التحول، ضمن ما يطلق عليه النظم التعددية المقيدة التي تعتبر نمطاً هجيناً يجمع بين النظام التسلطي المغلق والنظام الديمقراطي المفتوح، ويطلق عليه البعض نظاماً تسلطياً مفتوحاً. ورغم أن هذا النظام يقوم على الأحزاب السياسية من حيث المبدأ، فهو يضع قيوداً على تأسيسها وعلى أنشطتها، ويفرض حصاراً عليها.

وشهدت الفترة الأولى لهذا النظام في أواخر السبعينيات مغالاة في تقييد أحزاب المعارضة واستهدافاً لحزبيها الرئيسيين حينئذ، وهما "التجمع" و"الوفد" عبر ضربات تشريعية وإدارية وأمنية متلاحقة فرضت عليهما تجميد أنشطتهما جزئياً داخل المقرات بالنسبة للأول وبشكل كامل في حالة الثاني.

ويرى المؤمنون بأن أزمة الأحزاب المصرية تكمن خارجها، أي في البيئة السياسية والقانونية المحيطة، وفى طبيعة النظام الذي تعمل في ظله، أن العوامل الخارجية -الموضوعية هي المسؤولة عما آلت إليه هذه الأحزاب الآن على هامش المجتمع.

أما الاتجاه الثاني فيذهب إلى أن العوامل الداخلية الذاتية هي التي أضعفت الأحزاب وأفرغتها من العضوية وأغرقتها في صراعات على المناصب الرئيسية، سواء على المستوى المركزي أو في المحافظات. ويرى هذا الاتجاه أن معظم الصراعات، التي يعتبرها مسؤولة عن أزمة الأحزاب، لم تحدث نتيجة إجراءات اتخذتها سلطة الدولة ضدها، أو عبر تدخل هذه السلطة في شؤونها. ويركز هذا الاتجاه على ما يعتبره أزمتين قاتلتين فشلت الأحزاب في حلهما منذ البداية، وهما أزمة النخبة وخصوصاً في الأحزاب الأساسية التي عرفت قادة تاريخيين أخذوا منها أكثر مما أعطوها، وأزمة التنظيم غير الديمقراطي في مجتمع لا يعرف من ثقافة الديمقراطية والحوار وقبول الرأي الآخر إلا القليل.

غير أن التفسير الموضوعي لأزمة الأحزاب المصرية، لابد أن ينفتح على كلا الاتجاهين، واللذين يصعب الفصل بينهما تحليلياً، بينما لا يفيد أي منهما بمفرده في فهم مشكلات الأحزاب. فلم يكن ممكناً للأحزاب المصرية أن تصبح أرقاماً مؤثرة في المعادلة السياسية حتى لو لم تُفرض عليها أي قيود، لأن أمراضها الداخلية كفيلة بإضعافها. والعكس صحيح أيضاً.

وإذا كان الحصار الذي فُرض على الأحزاب قد أغلق طريق التطور الطبيعي أمامها، فربما كان بإمكانها أن تقاوم لو كانت أكثر مناعة من الداخل. فالحزب كائن حي يتأثر بالعوامل الخارجية، لكن حجم تأثره يتوقف على مدى مناعته الداخلية. ثم أنه ما كان للصراعات الداخلية التي أصبحت مرضا مزمناً داخل الأحزاب المصرية، أن تبلغ هذا المبلغ إلا نتيجة الانسداد السياسي الذي أفقد قادتها وأعضاءها الأمل في منافسة حرة مفتوحة في الساحة السياسية، فوجهوا القسم الأكبر من طاقاتهم إلى الداخل.

وفي غياب أي فرصة أو أمل في تداول سلطة الحكم، تصبح السلطة داخل الحزب هي غاية المنى، ويبدو الصراع عليها هدفاً يعلو على غيره. لقد أدت اختلالاتها من الداخل إلى إضعاف قدرتها على تحمل الأذى الذي تعرضت له من الخارج. وظهرت النتائج سريعة على نحو ما يتبدى في حالتي حزبي "التجمع" و"الوفد" اللذين حصدا إقبالاً وفيراً من قطاعات غير قليلة من المصريين إبان تأسيسهما. لكن سرعان ما انحسر هذا الإقبال، وازداد الميل إلى الانصراف عنهما وعن غيرهما من الأحزاب، بالتوازي مع نزوح كثير ممن أقبلوا.

وليس هناك ما يدعو للاستغراب، والحال هكذا، أن يترافق ارتفاع معدلات الانصراف عن الأحزاب مع ازدياد نسبة الشباب في المجتمع. فالملاحظ أن ازدياداً مستمراً أخذ يحدث في نسبة الشباب في المجتمع المصري، وبشكل منتظم تقريباً، منذ عام 1976 الذي شهد تحويل ثلاثة تنظيمات أقيمت داخل الاتحاد الاشتراكي (التجمع –الأحرار –العربي الاشتراكي) إلى أحزاب، على نحو ما ظهر في التعدادين السكانيين لعام 1986 و1996 على التوالي.

ورغم عدم توفر إحصاءات دقيقة عن عدد الذين انضموا إلى هذه الأحزاب، ثم أحزاب "الوفد" و"الوطني" و"العمل" عند تأسيسها عام 1978، وعن تطور عضوية هذه الأحزاب، ولا عن الفئات العمرية لأعضائها... فهناك من الشواهد ما يكفي لاستنتاج أن نسبة الشباب، وليس فقط عددهم، في هذه الأحزاب كانت أعلى في البداية. وهذه مفارقة لا تقل أهمية عن أخرى، وهى أن عدد أعضاء هذه الأحزاب الآن (إذا استثنينا الحزب الوطني الذي يزعم العكس في غياب ما يثبت ذلك) أصبح أقل الآن مما كان عليه قبل نحو ثلاثة عقود حين كان سكان مصر أقل من نصف عددهم الراهن.

ولا نجد فرقاً جوهريا في ذلك، من حيث المحصلة النهائية، بين أحزاب أعطت اهتماماً ملموسا لتكوين كوادر شبابية بأساليب مختلفة مثل حزب "التجمع"، وأخرى لم يحظ الشباب باهتمام رئيس فيها، مثل حزب "الوفد" الذي اعتمد التوجه نحو الشباب فيه على جهد خاص لبعض قادته في فترة كانت الصورة العامة الشائعة عن هذا الحزب أنه "حزب باشوات".

ومع ذلك انضم إلى حزب "الوفد"، كما إلى حزب "التجمع"، عدد من الشباب لم يكن قليلاً. كما ساندتهما وتعاطفت معهما واقترعت لمصلحتهما في الانتخابات، أعداد أكبر. لكن هذا كله يبدو كما لو أنه تبخر.

وما كان ممكناً لأي قيود سياسية أو إدارية، أو حتى أمنية، أن تفعل ذلك لو أن حالة الأحزاب من الداخل كانت أفضل بدرجة أو بأخرى.

وكل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا ودون تعليق.

المصدر:alittihad-20-3-2008