ليكن جديراً بلقب "الجديد"...العراق ووجوب العودة إلى المفاهيم الديمقراطية

 

باقر الفضلي

العملية السياسية و(العراق الجديد).. !؟

”العملية السياسية”؛ العنوان الذي يصلح لكل شيء ، والذي يستخدمه الجميع، والذي يختبأ وراءه الجميع، بدءً من شواطيء القارة الأمريكية، وإنتهاءً بشواطيء الخليج..!

لم يعتد العراقيون على إستخدام هذا المصطلح إلا بعد آذار/ 2003 الذي إقترن بإلاحتلال الأمريكي للعراق وإنهيار النظام الدكتاتوري. فهو على أي حال مصطلح جديد في عالم السياسية العراقية، ولم يتبلور كمفهوم له دلالاته وأسسه الفكرية وجذوره التأريخية حسب، بل ولد بغتة وطرح في الإستخدام وتداوله الجمهور ، دون التعمق بمغزاه أو الإحاطة بغاياته..!

ومهما قيل ويقال من تفسيرات أو تأويلات للمصطلح، فهي في كل ما تعنيه بالنسبة للمواطن العادي، مجرد تعبير جديد يعني بالنسبة له، "السلطة" بكل مفاصلها ونشاطاتها المختلفة، أو على أقل تقدير، مجرد مرادف لغوي لها. ومع كثرة ترديده على ألسنة الجميع، فإنه أصبح يكتسب مدلوله من خلال مقاصد الجهة التي تستخدمه..!

فالعملية السياسية على صعيد التفسير الرسمي القائم، تعني غالباً ما يُدعى ب"العراق الجديد"، تفريقاً لها عما كان عليه العراق في عهد النظام الدكتاتوري السابق، وهو تفسير شمولي في كل أبعاده وتصوراته، وليس من اليسير رسم خطوط واضحة المعالم للمقارنة بين العراقَين (بفتح القاف)، القديم والجديد، ناهيك عن تحديد أوجه الإختلاف والشبه بينهما بصورة دقيقة..!

فالتعريف شبه الرسمي السائد لمصطلح "العملية السياسية" بأنها تعني "العراق الجديد"، وهذا ما يتلمسه المرء من خلال التصريحات المتناوبة للمسؤولين والسياسيين العراقيين بوجه عام، فهو من الغموض بقدر ما عليه المصطح نفسه، وإذا ما سلم المرء بهذا التعريف، فإن الأمر سيتمحور تلقائياً حول فرضية المقارنة بين العهدين كما أسلفت أعلاه، وطبقاً لذلك يحتم واقعُ الحال، البحثَ عن معايير معينة للجِدّةِ (بكسر الجيم)، يحدد المرءُ من خلالها أوجه الإختلاف بين العهدين، هذا من جهة، ومن جهة أخرى، أن يكون الإختلاف ذا سمة إيجابية لصالح البديل، وهو هنا " العراق الجديد"، ومنه يصبح تعبير "الجديد" مكتسباً لمعناه المطابق شكلاً ومضموناّ كما إفترضه المنادون به..!

وكي تكون معايير الجِدّة (بكسر الجيم) أكثر ثباتاً ودقةً، فإنه يصبح ومن نافل القول، أن تنصرف تلك المعايير الى تحديد أمرين مهمين، هما (الشكل والمضمون) ومدى تلازمهما، وإن كان هذا من حيث الواقع، أمراّ مفترضاًّ في الأمور السياسية، وفي ظروف المقارنة بين عهدين متداخلين متشابكين، كما هو عليه الحال في الشأن العراقي بصفة خاصة؛ مما يدفعنا الى وضع الكثير من علامات الإستفهام والخطوط تحت تسمية "الجديد" ، التي يقرنها المسؤولون بتسمية العراق القائم الآن لتبدو من صفاته المكتسبة، ناهيك أنه لا يعطينا فهماً واضحاً ودقيقاً لمدلول مصطلح "العملية السياسية"..!

فإن كان الجديد في العراق، يتجسد فيما يتباين ويختلف عما كان عليه الوضع فيما سبقه من عراق آخر في ظل النظام السابق، فلا بد أن يكون هذا الإختلاف ظاهراًّ ومتميزاً في أمور عديدة، ترسم بمجملها صورةً تختلف من حيث الشكل والمضمون عن صورة النظام السابق، حيث يصبح من المسوغ التمسك بمصطلح "الجديد" كحقيقة موضوعية قائمة، ينبغي الدفاع عنها للسبب المذكور..!

وللتوصل الى إكتشاف مثل هذه الحقيقة، لابد والعودة الى معايير المقارنة في أوجهها المختلفة، حيث أنها تتوزع على مستويات متعددة، منها على سبيل المثال؛ المستوى الإجتماعي، المستوى الإقتصادي، المستوى الثقافي، ولكل من هذه المستويات متفرعات عدة، بعضها متداخل أو متشابك في حلقات ترتبط بعلاقات سببية معقدة، كما ويدخل ضمن هذه المعايير؛ شكل نظام الحكم وطبيعة مؤسسات الدولة، بالإضافة الى منظمات المجتمع المدني وحدود حرياتها وما تتمتع به من إستقلالية يكفلها الدستور، وطبيعة الحياة السياسية ومقوماتها الدستورية. ولا تخرج عن هذا الإطار المعايير المتعلقة بالموقف من المرأة ومناسيب ضمان حقوقها الإجتماعية والسياسية، وكذلك مناسيب وحدود التمسك بحقوق الإنسان وغيرها من المعايير الأخرى. ومع كل هذا وغيره، المستوى العام لحالة الأمن والإستقرار التي تهيمن على البلاد..!

وفي كل هذه الأمور يكون (المواطن)، هو المعيار الأساس والمقياس في تلمس مدى مطابقة كل ما تقدم مع حقيقة ما يتلمسه هذا المواطن على صعيد الواقع الملموس، ومدى ما يعكسه هذا الواقع إيجاباً على حريته وإقتصاده وأمنه..!

إن جميع هذه المعايير تمتلك مجتمعة أومنفردة أشكالها ومضامينها لتشكل بمجموعها وحدة متكاملة لصورة بلد أو عهد يمر فيه ذلك البلد، لتميزه عن غيره من البلدان، بما تضفيه عليه من سمات خاصة تكون في النهاية، الفاصل في تحديد هويته أمام البلدان الأخرى طبقاّ للمعايير الدولية والحضارية القائمة..!

ولغرض أن تكون أوجه المقارنة بين ما هو قديم وبين ما هو جديد أكثر دقة، لابد لنا الركون الى نفس المعايير كمقياس لحالة الإختلاف بين الوضعين أو الحالتين. ولست هنا في معرض الغوص في تفاصيل هذه المعايير على أرض الواقع، فمن خلال مقارنة ظاهرية للحالتين نجد أنفسنا أمام حالة من التناقض بين ما كنا نتمناه وبين ما هو أمر واقع الآن، وقد يعزي البعض هذه الحالة من التناقض، الى طبيعة الظروف الإستثنائية التي واجهت العملية السياسية وفي مقدمتها الإرهاب..!

فعند تصويرنا "للعملية السياسية" بأنها تعني "العراق الجديد" فهذا يعني بأنه جديد بكل المقاييس التي أشرنا اليها فيما تقدم، وذلك مقارنة بما كان عليه العراق في ظل النظام السابق؛ والمعني بالجِدّة (بكسر الجيم) هنا، هو (الأفضلية) شكلاً ومضموناً، محسوباًّ وفقاً لمعايير المقارنة المعنية..!

فالى أي مدى والحال، يمكن توصيف "العملية السياسية" القائمة الآن، بأنها تعكس حقيقة "العراق الجديد"، أو بمعنى آخر أن الجديد في الواقع العراقي الراهن، يعكس أو يتطابق ولو شكلاً مع أهداف هذه العملية..؟

لا أظنن أن هنالك من جامع يجمع بين الإثنين ، إذا ما أخذنا بمقاييس المقارنة أعلاه، لا موضوعياً ولا شكلاً، كما وأن مدلولات "العملية السياسية"، هي ليست تفسها مدلولات "العراق الجديد" كما يعبر عنها جزافا، إضافة الى أنها " العملية السياسية"، لا يمكن أن تكون مرادفاً لغوياً أو مفاهيمياً، لمصطلح "العراق الجديد" بالمعنى الذي يعلنه أصحابه..!؟

فإذا ما أخذنا بالتفسير السائد في الساحة السياسية حول مفهوم "العراق الجديد" والذي يَرِدُ كثيراً على ألسنة المسؤولين، بإعتباره يعكس المعنى المراد به من مصطلح "العملية السياسية"، فسوف نوقع أنفسنا في مَطبِ عالَمٍ من المتناقضات التي لا نهاية لها، وهو في تقديري إستخدام غير موفق للتوصيف، حيث لا جامع بين المصطلحين من حيث المدلول أوالشكل..!

أما إذا كان الهدف من هذا التوصيف، هو لتقرير وجود حالة جديدة، فلا خلاف على ذلك، ولكن ما هو الجديد في هذه الحالة؟ فهذا ما ينبغي البحث فيه وتفكيك مفرداته، وفقاّ لمعايير المقارنة، قبل إطلاق التعابير والمصطلحات كيفما إتفق..!

الفارق الجوهري بين الأمرين يكمن في الحقيقة، في الفارق بين طبيعتهما، فلكل مصطلح من المصطلحين سماته وخصوصيته وتوصيفه الخاص به. ولكي يستقيم الأمر، لابد لنا من تشخيص العلاقة السببية بينهما، أو بمعنى آخر، الرابط الذي يصبح معه من المناسب والجائز الحديث عن تلك العلاقة وطبيعة النتائج التي تترتب عليها..!

فالحديث عن "عراق جديد"، يعني من الناحية التطبيقية، خلق حالة جديدة تتميز في شكلها ومضامينها عن حالة "عراق آخر"، سابق في تأريخه ووجوده لما هو قائم الآن، ويختلف عنه جذرياً، شكلاً ومضموناً أوعلى أقل تقدير، في الأسس والأطر والبناء المؤسساتي، طبقاً لمعايير المقارنة بين الحالتين المار ذكرها فيما تقدم. فالحديث عن مقارنة عراق بنظام دكتاتوري، يستوجب من حيث المنطق، الحديث عن النقيض، أي بمعنى آخر الحديث عن (عراق ديمقراطي)، وذلك كي يستقيم المعنى، وكي ينتفي الغموض عن مصطلح "العراق الجديد" ، هذا إذا ما كنا نبتغيه حقاً من وراء هذا الشعار..!

ولبناء مثل هذه الحالة "العراق الديمقراطي"، يستوجب الأمر بالضرورة، إيجاد وخلق مستلزمات ذلك؛ من وسائل وآليات ونظم سياسية وحكومية وإدارية، تبنى على أسس من المفاهيم والمباديء التي ليس فقط تساعد على خلق الحالة الجديدة حسب، بقدر ما ترسي القواعد الصحيحة لهذا البناء الجديد، وتضفي عليه كل سمات العراق الجديد المختلف في شكله ومضمونه عما كان عليه في السابق، أي سمات (العراق الديمقراطي) المطلوب بنائه..!

وكل هذا وبإيجاز، ما يمكن أن نطلق عليه، أو ما يمكن تسميته ب "العملية السياسية"، ومن هنا يصبح الإرتباط بين المصطلحين أكثر تجانساً وإقتراباً؛ فبقدر ما تكون العملية السياسية، مستوفيةً لشروطها ومقوماتها، من آليات تتسم بالجِدَّةِ والشفافيةِ والديمقراطية، وبكل ما يفرقها عن آلياتِ ووسائلِ النظامِ القديم، وذلك من حيث الشكل والمضمون، بقدر ما ستأتي نتائج البناء للحالة الجديدة أكثر توافقاً مع ما يفرقها عن الحالة السابقة في الشكل والمضمون أيضاً، وليس الشكل فقط؛ وفي هذه الحالة يمكننا الحديث عن "عراق جديد " بسمات إيجابية..!

فالعملية السياسية في العراق، إذا ما أُسِسَت على ضوء المباديء الحضارية الحديثة، التي تجد مكانها في دستورٍ ديمقراطيٍ يُجمِعُ عليه الشعب؛ ويُكرِسُ لنظامٍ سياسيٍ ديمقراطي في كل تفاصيله، ويعتمد (المواطنةَ) أساساً للعملية السياسية، ويؤسِسُ لنظامٍ إنتخابي ديمقراطي، يُبنى على أساسِ القوائم المفتوحة، مع قانونٍ ديمقراطي لتشكيل الأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني ، ويضعُ الدينَ في منجىً من السياسة والسياسةَ في منجىً من الدين، فعلى ضوء تلك الخطوط العامة، يمكن التوصل الى حالة من الإنسجام في الربط بين المصطلحين؛ "العملية السياسية " و"العراق الجديد" المبتغى، وبعكسه يصبح من السابق لأوانه، الحديثُ عن عراق جديد بسمات ديمقراطية..!

فحينما يكون الهدف والمبتغى عراقاً ديمقراطياً، فلا مناصَ من أن تكون الوسيلة للوصول الى ذلك الهدف هي الأخرى ديمقراطيةً في مكوناتها وبالمعنى الحرفي للكلمة، فإن أيَ تناقضٍ وتعارضٍ بين الإثنين، إنما يجعلنا نراوح في مكاننا، إن لم نكن قد تراجعنا خطواتٍ الى الوراء. هذا مع الأخذ بالإعتبار الخصائص الذاتية والموضوعية لطبيعة المجتمع العراقي وخصوصية الظروف التي تحيط به..!

وفي موضوعنا الحالي تصبح "للعملية السياسية"، الأولويةُ في التحضير والبناء، لأنها الوسيلة المشروعة حالياً في خضم الصراع القائم من أجل الوصول الى الهدف المطلوب، وهذا ما يدفع الى القول؛ بضرورة الدعوة الى تقويم مسار هذه العملية، وإعادة إيقافها على قدميها، بعد أن ظلت مغروسة على رأسها في بحر من الدماء والآلام طيلة هذه السنوات..!

من الأمور المشجعة على تقويم مسار العملية السياسية الحالية، هي توفر الهياكل الإرتكازية المتاحة الآن لتلك العملية، والتي جرى تحقيقها خلال الفترة الأولى منها، وأعني بها؛ الدستور وقانون الإنتخابات ومجلس النواب وحرية الصحافة ومنظمات المجتمع المدني وتأسيس النظام الفدرالي وقانون المحافظات..الخ، رغم أنها جميعا يشوبها الكثير من النواقص المبدئية في مجال إشاعة الديمقراطية، مما أفرغ الكثير منها من محتواه الديمقراطي في التطبيق، وغلبت عليها الشكلية دون المضمون. وليس بعيداً عن ذلك ما أشارت اليه بعض القوى السياسية المشاركة في هذه العملية في ندائها الموسوم (مدنيون)..! (*)

فليس من المنطق أن نبني عراقاً ديمقراطياً بوسائل وآليات تتعارض في جوهرها مع مفهوم الديمقراطية كنهج وممارسة عملية في الحياة اليومية للمجتمع وفي إدارة مؤسسات الدولة؛ كما أنه ليس ديمقراطياً في شيء وفي ظل عملية سياسية يراد من خلالها بناء بلد ديمقراطي على أنقاض الديكتاتورية، أن تجري تجزئة الشعب الى مكونات تُبنى على أسسٍ طائفيةٍ أو مذهبيةٍ أو إثنية، خارج إطار المواطنة، وأن تدار وتقاد على أسس من المحاصصة فكان نتيجة ذلك، ما أفرزته "العملية السياسية" القائمة اليوم، من سلبيات على كافة الأصعدة، وما رافقتها من تداعيات كارثية في جميع الإتجاهات وبإعتراف الحكومة، وإن جاء ذلك الإعتراف متأخراً وفي جانب واحد من جوانبها المختلفة..! (**)

من هذا نخلص الى القول ؛ بأن "العملية السياسية" في العراق، لا يمكن أن تنفصل في جوهرها عن هدف بناء دولة العراق الجديد المدنية الديمقراطية ، ولا يمكنها أن تكون خارج نفس الأطر والمضامين التي ينشدها العراقيون لعراقهم الجديد، فأي عملية سياسية خارج ذلك ، لا تعني غير دوامة البقاء في قعر النفق المظلم..!

الأمل أن يدرك الجميع هذه الحقيقة، بعد كل هذه التجارب والتضحيات..؟؟!

------------------------------------------------------

المصادر:

 (*) http://www.madnion.com/

http://www.daralhayat.com/arab_news/levant_news/02-2008/Item-20080229-66dc92a7-c0a8-10ed-017c-(**)4324992f8442/story.html