بدعة التوافقية في الديمقراطية العراقية وشلل إتخاذ القرار

 

شمخي جبر

التوافقية وانتظــار القرار

بعد 9 نيسان 2003 كان على السياسيين الاسراع الى بناء الدولة ومؤسساتها المنهارة والمدمرة او التي حلتها قوات الاحتلال، إلا ان الطبقة السياسية التي طفحت على السطح السياسي سارعت الى السلطة وتقاسمها ولم تفكر بمؤسسات الدولة وبنائها، وطبيعة هذه الطبقة ومرجعياتها السياسية والثقافية فضلا عن المعاناة الطويلة من الحرمان والتهميش التي عاشتها المكونات العراقية، جعلت من هذه الطبقة السياسية تنطلق في برامجها السياسية من مصالح فئوية ضيقة.

لم تضع في حسابها ومجال تفكيرها للمصلحة الوطنية اي اهتمام، منطلقة من مخاوف الماضي وعقده،حتى صرح بهذا نائب رئيس الجمهورية طارق الهاشمي في احد لقاءاته عن هذه المخاوف المتبادلة بين المكونات العراقية.

ومن الجدير بالذكر ان القوائم الانتخابية التي دخلت الانتخابات الاخيرة اكدت على مبدأ التوافق والمحاصصة، اذ ان هذه القوائم والكتل بنيت على اساس فئوي (سنة ، شيعة، اكراد) وبقيت القوائم التي تقع خارج هذا التقسيم على الهامش،لان المشهد المجتمعي جرى استدراجه وحصره داخل هذا الخانق او الخندق الضيق ،فشكلت الطبقة السياسية التي كانت احد مخرجات العملية الانتخابية عاملا من عوامل المشكلة والعقبة الاساسية امام تطور التحول الديمقراطي، فبدلا ان تكون جزءا من الحل للوضع السياسي المتأزم كانت هي المشكلة.

اذ كان اي قرار سياسي او اقتصادي يراد اصداره لابد ان يمر بعملية توافق، ووجود عوامل الشك والريبة والمخاوف المتبادلة بين السياسيين تعرض هذا القرار الى الكثير من المماحاكات والمطالبات المقابلة من اجل تمريره. وليس ببعيد عنا اصدار ثلاثة قرارات في ان واحد وفي تصويت واحد، بعد ان وقعت هذه القرارات (القوانين) في مطب المصالح الفئوية، فبقيت غائصة في حفرة المصالح الفئوية، الى ان خرجت ببدعة  عدها الكثيرون على انها خروج على القيم الديمقراطية. اذ بقيت القوانين الثلاثة (قانون مجالس المحافظات، والعفو العام، وموازنة 2008)في ادراج هيئة الرئاسة لمجلس النواب او في الاروقة السياسية الى ان تم بعث الطمأنينة في قلوب المكونات الثلاثة بالتصويت عليها دفعة واحدة.فكيف حدث هذا؟

كل هذا وغيره يحدث لانعدام الثقة بين المكونات السياسية الرئيسة (اكراد، سنة، شيعة) فالاكراد يريدون حصتهم من الموازنة (17 بالمئة) والسنة يريدون اصدار العفو العام ، وكل يغني على ليلاه بغض النظر عن المصالح الوطنية والايمان بالتحولات الديمقراطية، ولاجل ارضاء كل هؤلاء وفي وقت واحد، صدرت هذه القوانين حزمة واحدة وبتصويت واحد،حتى لايقال ان هناك غالبا ومغلوبا في الحسابات الفئوية.

يتفق الكثيرون على ان انتظار التوافق على اصدار اي قرار يفضي الى تأخر اصدار هذا القرار وضعف تأثيره وتجاذب اتجاهاته حسب مراكز القوة والقرار وعلى وفق مصالح القوى المطلوب توافقها عليه، ومن هنا فان هذا القرار يفقد لحظته التاريخية وعملية الحسم السياسي، وقد يرى البعض ان هذا الامر يجعل من عملية التوافق نافعة للقرار وانضاجه وتهذيبه، ولكن هل يعني الخروج عن التوافق في اصدار القرار وهيمنة فئة معينة على اصداره ومن ثم استثمار نتائجه؟

من الممكن ان تكون هذه الفئة كذلك اذا كانت لا تشتمل على التنوع المجتمعي ولاتصدر برنامجها ومن ثم قراراتها على وفق مصالح فئوية ضيقة.

ولكن الى متى ستبقى عملية الترضيات وتوزيع الحصص بين المكونات العراقية؟ الا يمكن ان يوجد مشترك تتفق عليه هذه المكونات؟ وهل يبقى القرار السياسي والاقتصادي يراوح مكانه مخنوقا بالمصالح الضيقة لهذا الطرف او ذاك؟ يقول الكاتب محمد عبدالجبار (بسبب هذا النظام توقفت العملية السياسية من الناحية الفعلية في العراق). وهذه امثلة لهذا التوقف:

لم يستطع البرلمان اكمال العملية الدستورية، بشأن تعديل الدستور حسب الجدول الزمني المحدد دستوريا.

 لم يستطع البرلمان تشريع الكثير من القوانين المهمة والمفصلية مثل قانون النفط.

 لم تستطع الطبقة السياسية الاتفاق على مرشح بديل للمرشح الاول لرئاسة الحكومة، ابراهم الجعفري، الا بعد اربعة اشهر، وحينما اتفقت على نوري المالكي، لم يستطع هذا تشكيل حكومته، الا في الساعات الاخيرة من المهلة الدستورية.

لم تستطع الحكومة ترميم نفسها برغم استقالة حوالي نصف اعضائها.

لم يستطع البرلمان تعيين رئيس جديد له، رغم قراره اقالة الرئيس، الامر الذي اجبره اخيرا على التنازل عن قرار الاقالة ودعوة الرئيس المقال الى تولي مقاليد منصبه مرة اخرى.

ولا احد يدري مالذي سوف يحصل لو شغر منصب رئيس الجمهورية لأي سبب كان.

ولاادري لماذا لانستفيد من تجارب الاخرين، فنبدأ من حيث انتهوا حتى نتجاوز ماوقعوا فيه من اخطاء واخطار ، اذ قدم لبنان درسا جديدا على ان التوافقية والمحاصصة الطائفية نظام عقيم.

 ويرى الكثيرون ان الوضع سيبقى على ماهو عليه مادامت الكتل الكبيرة مهيمنة على الحراك السياسي، وبدون كسر الجدار الطائفي والعرقي والعبور الى الى الفضاء الوطني الرحب، لا يمكن الخلاص من المحاصصة، ولا يتم كل هذا بدون وجود كتلة تاريخية وطنية تحمل الهم الوطني وتطرح خطابا وطنيا يحتضن كل المكونات العراقية ويرعى مصالحها.

وكل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا ودون تعليق.

المصدر:alsabaah