الرابح الحقيقي في الانتخابات الباكستانية

 

ويليام فاف

 

أميركا... الخاسر الحقيقي في الانتخابات الباكستانية 

تأتي الانتخابات الباكستانية الأخيرة لتشكل هزيمة مدوية لأميركا وسياستها في آسيا الوسطى بقدر ما هي خسارة لحليفها الأقرب، الرئيس برويز مشرف. لكن على رغم انتكاس الرهان الأميركي فإنه من غير المرجح أن ترتدع إدارة الرئيس بوش، أو تتراجع المعارضة "الديمقراطية"، ناهيك عن المؤسسة الأمنية في الولايات المتحدة، بسبب قناعة راسخة لدى الجميع مؤداها أن التحالف العسكري مع باكستان يمهد الطريق لتحقيق الانتصار على "طالبان" في أفغانستان، ودحر فلول "القاعدة" المتمركزة في المناطق الحدودية، وبأن هذا الانتصار ضروري وجزء لا يتجزأ من الحرب الشاملة على الإرهاب. ومن هنا، على سبيل المثال، يمكن فهم الضغوط الشديدة التي مورست على حكومة الرئيس مشرف للتدخل ضد القوى القبلية الناشطة في المناطق الحدودية مع أفغانستان.

والواقع أنه لا يمكن فهم خسارة مشرف للانتخابات البرلمانية الأخيرة بمعزل عن تلك الضغوط التي وصلت أحياناً إلى تهديدات أطلقتها أميركا بالتدخل الأحادي في المنطقة، وهو ما اعتبره الكثير من الباكستانيين بمثابة تدخل غير مقبول من واشنطن. ومع ذلك، وعندما يتعلق الأمر بباكستان وأفغانستان، فقلما تطرح، أسئلة من قبيل: لماذا البحث عن هذا الانتصار أصلاً؟ ومن هي تلك الأطراف المطلوب هزيمتها؟ فما لا يفهمه الأميركيون هو أن التجاذب القائم هو جزء من محاولة تمتطيها الأغلبية الإثنية في المناطق القبلية الباكستانية، أي البشتون، (حوالي 40 مليون نسمة) لاستعادة دورها الأساسي الذي كانت تضطلع به في الماضي.

والحال أن التركيبة الإثنية للحكومة الأفغانية ومدى تمثيلها لكافة الجماعات الإثنية في البلاد ما كان لها أصلاً أن تتحول إلى قضية تنشغل بها الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي، لأنها قضية تخص الأفغان أنفسهم، بالإضافة إلى جيرانهم في باكستان.

توفر الانتخابات الباكستانية الأخيرة فرصة للولايات المتحدة كي تنهي مغامرتها العسكرية والسياسية في منطقة آسيا الوسطى، لأنها لن تفضي سوى إلى الفشل.

وبالرجوع إلى التاريخ نجد أن "البشتون" لعبوا دوراً محورياً في تشكيل تاريخ المنطقة لأكثر من 3 آلاف سنة. وإذا كانوا قادرين على البقاء طيلة الفترة السابقة والتغلب على الإسكندر الأكبر، والإمبراطورية البريطانية، فمن الطبيعي أن نتوقع قدرتهم في التغلب على جورج بوش، فضلاً عن "جون ماكين" و"باراك أوباما"، و"هيلاري كلينتون". ولن نجني أي انتصار من مقاتلتهم وإهدار المزيد من الوقت في ملاحقتهم دونما تمييز ذكي للأهداف. بل إن كل ما نستطيع القيام به هو التوسط بين "البشتون" والجماعات الإثنية المنافسة للتوصل إلى اتفاق يشمل الحكومة الأفغانية، وهي الإمكانية التي حاولت بعض الأطراف البريطانية استكشافها في مراحل سابقة. والأهم من ذلك أنه لا توجد أدنى مصلحة لدى "البشتون" في مهاجمة الأميركيين، أو الأوروبيين خارج أفغانستان، أو التدخل في قضايا الشرق الأوسط في أي جانب من الجوانب، إذ لماذا يزجون بأنفسهم في أمور بعيدة عنهم تماماً ولا تمت إليهم بصلة؟

وقد كنتُ دائماً ضد السياسات الأميركية التي تدعو إلى التدخل العسكري، مطالباً بالحد الأدنى من القوة العسكرية لخدمة المصالح الأميركية. لكن مراكز القرار في واشنطن والبيروقراطية المحيطة بها، فضلاً عن السياسيين ووسائل الإعلام أدمنوا، على ما يبدو، المطالبة بالتدخل العسكري كلما برز خطر ما على المصالح الأميركية ولسان حالهم يقول: اقصفوا واغزوا كل دولة تهدد أميركا. لذا فإنني لا أتوقع أن تصغي دوائر القرار في واشنطن إلى النصيحة بشأن ما يمكن أن تقوم به أميركا في باكستان، لكن من المهم تسجيلها على كل حال، رفعاً للعتب وتوضيحاً للرأي. فالواضح أنه لا يوجد أي اعتداء أجنبي، أو تهديد جيوسياسي خطير على الولايات المتحدة في الحالة الأفغانية. وعلى رغم التعاون الذي قد يوجد بين "أسامة بن لادن" وحركة "طالبان"، إلا أن هذا التحالف عابر ولا يملك أي دور طبيعي، أو متأصل في التربة الباكستانية والأفغانية.

كما أن "القاعدة" إنما تعادي الولايات المتحدة لأسباب ترتبط بالدرجة الأولى بالشرق الأوسط مثل التواجد الأميركي العسكري، فضلاً عن الدور الإسرائيلي في فلسطين ومصير الفلسطينيين، والسيطرة على موارد النفط في العراق وغيره. وإذا كان قادة "القاعدة" بمن فيهم "بن لادن" يتخذون من المناطق القبلية الباكستانية مقراً لهم، فذلك لأنها المنطقة الأفضل للاختباء. وهكذا توفر الانتخابات الباكستانية الأخيرة فرصة للولايات المتحدة كي تنهي مغامرتها العسكرية والسياسية في منطقة آسيا الوسطى، لأنه بالنظر إلى الحقائق التاريخية والبشرية، فلن تفضي هذه المغامرة سوى إلى الفشل. وبالنسبة لقادة الأغلبية البرلمانية الجديدة في باكستان الذين يسعون إلى وقف تطور الصراع الديني داخل بلادهم والحيلولة دون اتخاذه طابعاً راديكالياً، فإنهم يريدون ربط علاقات جديدة مع واشنطن. وعلى الولايات المتحدة من جانبها أن توقف تدخلها في الحياة السياسية الباكستانية، وأن توضح للحكومة في إسلام أباد أن تواجد "طالبان" في المناطق الحدودية وتأييد بعض البشتون لها، وتسربهم إلى أفغانستان، إنما هي مشكلة مشتركة بين باكستان وأفغانستان، ولا تستطيع الولايات المتحدة حلها بالنيابة عنهما.

بيد أن السياسة الأميركية وحلف شمال الأطلسي يتبنيان فكرة مفادها أن السيطرة على بلدان آسيا الوسطى ضرورية في الصراع ضد المقاتلين الإسلامويين في الشرق الأوسط. ويبدو أنه بسبب ظهور بعض الأفراد الراديكاليين الذين ينتمون إلى المنطقة في العراق والقوقاز، بالإضافة إلى التوافق الأيديولوجي بين الجماعات المتطرفة ترسخت لدى بعض الدوائر الغربية الفكرة المغلوطة عن وجود حرب عالمية بين الحضارات والديانات. والواقع أن الحرب الدائرة فعلاً هي بين الجماعات الإثنية المتنوعة حول من سيسطر على أفغانستان، وحرب أخرى حول من سيرث العراق بعد انسحاب القوات الأميركية، لكن دون أن تكون لأي واحدة من تلك الحروب علاقة بالأخرى ما عدا أن الجميع مسلمون. غير أنهم كمسلمين مختلفون تماماً سواء في مصالحهم، أو تطلعاتهم، وقد حان الوقت كي تدرك أميركا ذلك.

وكل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا ودون تعليق.

المصدر:alitihaad