ثقافـة الاستقالـة  في مجتمعاتنا

 

عـدنان شـيرخان

 

قبل نحو ثلاث سنوات، وفي صيف العام 2005 شب حريق في دار الثقافة في محافظة بني سويف المصرية اثناء عرض مسرحي، عمت الفوضى المكان ولم تتمكن فرق الاطفاء الوصول مبكرا، مما أدى الى مقتل 46 مواطنا، بينهم مسرحيون معرفون وصحفيان كبيران، وعانى المصابون بحروق مختلفة من تردي خدمات الاسعاف الطبي التي قدمت لهم.

يومها قدم وزير الثقافة المصري فاروق حسني استقالته الى الرئيس المصري مبارك، شعورا منه بالتقصير، وتحمله المسؤولية عن مقتل العشرات، واعتذارا ضمنيا لعوائل الضحايا، وكشفت ردود غريبة من مواطنين مصريين الى صحف ومواقع على الانترنيت كم من السنوات الضوئية تبعدنا عن الديمقراطية، بعض المواطنين اعرب عن استغرابه من استقالة الوزير، آخرين قالوا ان اللجوء الى الاستقالة في مثل هذه الحالات تقليد غربي اوروبي ، مواطن قال ان الوزير اراد لفت الانظار اليه، وهو يعلم مسبقا ان الرئيس مبارك لن يقبل استقاله، لانه عنده وزير مكين بدليل انه يتبوء هذا المنصب منذ 18 سنة فقط، وهو من قيادات الحزب الوطني حزب الرئيس الحاكم، ومن الجدير بالذكر ان استقالة فاروق حسني هي ثاني استقالة يتقدم بها وزير منذ ثورة يوليو 1952، بعد استقالة وزير النقل الاسبق ابراهيم الدميري بعد كارثة احتراق قطار الصعيد عام 2002.

تعرف الاستقالة في الدول الديمقراطية على انها ثقافة تحمل المسؤولية، وهي ثقافة ليست فقط غائبة وغير معروفة ومفهومة في مجتمعاتنا، بل تقابل بالاستهزاء، باعتبارها هزيمة وانسحاب لا تليق بالفرسان، واذا لم يكن الوزير (عندنا) فارسا، فمن سيكون غيره. وتصور من جهة اخرى على انها طعنة للرئيس او رئيس وزراءه، لانها قد تتخذ ذريعة على سوء ادارته، لان اختار من اعضاء حزبه او طائفته وعشيرته الاقربين وترك الوطن بطوله وعرضه، وتقف (نظرية المؤامرة) بالمرصاد لتحليل دوافع الاستقالة كما حدث مع الوزير فاروق حسني الذي لم يقبل الرئيس مبارك استقالته اول الامر.

حري بنا ان نحاول تفهم لماذا يلجأ وزير نقل اوروبي الى الاسراع بتقديم استقالته عندما يخرج قطار عن سكته في اقاصي البلاد ويقتل بضعة مواطنين ويجرح آخرين، ومطالبة اعضاء في مجلس العموم البريطاني باستقالة وزير الخزانة أليستر دارلنغ بعد ضياع ملفات فيها معلومات عن ملايين البريطانيين والمقيمين في احدى الدوائر التابعة لوزارة الخزانة.

الاستقالة والاسراع بتقديمها تعني اولا الاعتراف بالخطأ المهني، وهذا يعني ان الوزير او المسؤول يعترف بضعف متابعته للمسوؤلين الادنى، وعدم نجاحه بأختيار من هو الاصلح للمركز الوظيفي، وهي تهدف الى اعلاء شأن قيمة المسؤولية الأدبية والالتزام الاخلاقي للموقع الوظيفي, الاستقالة وتحمل المسؤولية هما عمل شجاع، وسيؤدي شيوع ثقافة الاستقالة الى انتشار وتقبل مفهوم تحمل المسؤولية والمحاسبة والمراقبة.

ثقافة الاستقالة أمر معروف وشائع ومفهوم في الدول الديمقراطية العريقة، وتقابل باحترام ولكنها لا تعفي من المساءلة والملاحقة القضائية. ويحتاج امر شيوعها كثقافة الى حاضنة شعبية تتفهمها، وهي لا تقدم دائما بسبب حريق او قطار جامح او سقوط طائرة، بل يجب ان تحدث لاسباب اخرى تتعلق بأنتهاكات حقوق الانسان ومساحة الافق الممنوح للحريات العامة، وكأعتراض على مستوى الاداء الحكومي، وتفشي الفساد الاداري والمالي، وربما تكون مرتبطة باخطاء سياسية تأريخية ، او بالثبات والاصرار على موقف كأستقالة الرئيس الفرنسي الراحل ديغول الشهيرة العام 1969، عندما ربط مصيره السياسي بنتيجة استفتاء شعبي طالب خلاله بتعديل عضوية مجلس الشيوخ وأعطاء صلاحيات موسعة لمجالس الاقاليم، وعندما لم تات نتيجة الاستفتاء كما اراد، استقال وانسحب بهدوء من الحياة السياسية بعد تأريخ وطني حافل بالمفاخر. مثل هذه الامثلة توضح معدن من الرجال يعتقدون ان ذاتهم اعظم من كراسي الحكم، وان لا وجود لاية انواع من اللواصق والمثبتات بينهم وبين الكراسي التي يجلسون عليها، وان استقالاتهم تعني لهم اشياء اكبر واعز من بقائهم في المنصب.

من المؤسف القول : ليس من المنتظر ان تشهد دول العالم الثالث بداية صحوة لفهم معنى ومغزى العلاقة بين الذات والكرسي، لان الفرق كبير وهائل في ان تكون خارج السلطة وداخلها، المركز والوظيفة الرفيعة في هذه الدول تعني القوة والنفوذ والمال والجاه، وايجاد فرص عمل ممتازة لعشرات من العائلة والعشيرة والحزب، الذين لاتجد ما يميزهم الا علاقة القربى او الانتماء لطائفة او حزب المسؤول، ومع خلو المشهد من اية التزامات سياسية او اخلاقية تبدو الاستقالة للمسؤولين في دول العالم الثالث أنتحارا لا داع ولا معنى له.

وكل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا ودون تعليق.

المصدر:sotaliraq-3-3-2008