لماذا يعمل حكم بوتين على تهديد روسيا والغرب؟

 

مارتن وولف

 

 

على الأقل جَعَلَ القطارات تسير في مواعيدها. هذه العبارة قيلت عن بنيتو موسوليني، الدكتاتور الفاشي الذي حكم إيطاليا من عام 1922 إلى عام 1943. الآن يقال الشيء نفسه تقريباً عن فلاديمير بوتين، الرئيس الروسي المتسلط. ربما يكون قد سحق براعم الديمقراطية الهشة، لكنه على الأقل أعاد الاقتصاد والدولة وروسيا إلى احتلال مكانها في العالم.

هذه النظرة يؤمن بها بوتين نفسه. في الأسبوع الماضي فقط قال: "لقد عملنا لاستعادة البلاد بعد ما شهدناه في التسعينيات من الفوضى والدمار الاقتصادي وتفككك النظام القديم". لكن هذه الحجة تشكو من قصور، وهي حجة فاسدة، كما يجادل مايكل ماكفول وكاثرين ستونر فايس (وكلاهما من جامعة ستانفورد) في مقالة قوية.*صحيح أنه بين عام 1999، أي السنة التي تولى فيها بوتين منصب رئيس الجمهورية، وعام 2007 توسع الاقتصاد الروسي بنسبة 69 في المائة لكن 11 اقتصاداً من أصل 15 اقتصاداً من جمهوريات الاتحاد السوفياتي السابق توسعت بنسب تفوق ما حدث في روسيا والواقع أن جمهورية قرغيزستان هي الجمهورية الوحيدة التي كان أداؤها سيئاً للغاية. وصحيح أن عدداً من جمهوريات الاتحاد السوفياتي السابق انتفعت من فورة النفط والغاز. لكن الشيء نفسه حدث مع روسيا، إذ قفزت صادراتها من النفط والغاز من 76 مليار دولار عام 1999 إلى 350 مليار دولار في السنة الماضية. ومع ذلك توسع الاقتصاد الروسي بنسبة تقل عن توسع الاقتصاد في أوكرانيا.

عانى الاقتصاد الروسي، شأنه شأن جميع البلدان التي مرت في عصر ما بعد الشيوعية، من هبوط مبدئي حاد، وصل إلى أدنى مستوياته عام 1998. والبلدان التي عملت على الإصلاح الاقتصادي بعزم كبير، مثل بولندا، خرجت من الهوة بسرعة أكبر وهي الآن أكثر تقدماً بكثير. مرة أخرى أقول إن تعافي روسيا لم يكن مميزاً بأي حال من الأحوال. فأداء إستونيا الصغيرة كان أفضل بكثير من أداء روسيا. ولعل هذا هو السبب في أن الكرملين يكره هذه الدولة البلطيقية كرهاً شديداً.

الحقيقة البسيطة هي أن من الخطأ أن ننسب الفضل في الانتعاش الاقتصادي إلى بوتين. أولاً بدأ الانتعاش مع تخفيض العملة عام 1998. ليس هذا فحسب، لكن معظم الإصلاحات التي قام عليها التحسن الاقتصادي بدأ العمل عليها أيام الحكم الكريه للرئيس بوريس يلتسين، حتى وإن لم تؤت أكلها في عهده. في ظل حكم بوتين لم يحدث تقدم يذكر في الإصلاحات الهيكلية. وهذه هي واحدة من النقاط الرئيسية التي أثارها أنديرس أسلوند، وهو باحث من الطراز الأول، في كتاب ممتاز جديد.**

يمكن القول إنه من عدد من الاعتبارات المهمة، فإن الإصلاح الاقتصادي تراجع إلى الوراء، خصوصاً فيما يتعلق بالدور المتزايد دائماً وأبداً للدولة في القطاعات الحيوية في الاقتصاد. هذا الانقلاب في المواقف مرتبط مباشرة بالزعم الكاذب الثاني حول بوتين، وهو أنه استعاد مكانة الدولة. هذا الكلام صحيح فقط إذا قبلنا بتعريفه للدولة القوية، وهو أن الدولة كيان هائل القوة لا يخضع لقانون ولا للمنافسة السياسية.

قضى بوتين على جميع أشكال الاستقلال في التلفزيون وفي معظم الصحافة، ودمر الاستقلال الذاتي للحكومات الإقليمية، وجرد البرلمان من قوته، وأنهى عملية التنافس على السلطة. إن التباعد السياسي بين أوكرانيا التي تزداد حرية، وروسيا التي يزداد نظامها تسلطاً، واضح بمثل ما هو مثير للقلق والنتيجة هي وجود دولة لا تتمتع بالكفاءة وإنما هي متغطرسة مفرطة. الفساد منتشر في كل مكان. وبوتين نفسه يخبرنا بهذا: "إن نظام الدولة مثقل بأعباء البيروقراطية والفساد ولا يوجد فيه حافز للتغير الإيجابي، دع عنك أن يكون هناك تطور ديناميكي". لكن هذا أمر لا مفر منه حين يتركز هذا القدر الكبير من السلطة، دون مساءلة، بين يدي شخص واحد. حين تدمر الدولة المؤسسات المستقلة، فإنها بذلك تبتر أطرافها بنفسها وتصبح عملاقاً أعمى مصاباً بالشلل.

في المؤشر الذي وضعه البنك الدولي حول "سهولة القيام بالأعمال"، حصلت روسيا عام 2006 على مرتبة متدنية هي 96 من أصل 175 دولة، وهي أسوأ مرتبة في تاريخها. وبالنسبة لمؤشرات الحكم الرشيد التي وضعها البنك الدولي كذلك، كانت مرتبة الحكومة الروسية من حيث فاعلية الحكم عام 2006 هي الدرجة 38 من الأسفل. وكان مرتبتها من حيث سيادة القانون هي 19 من الأسفل، وبذلك فهي تبعد مسافة كبيرة عن أوكرانيا التي حققت المرتبة 27 من الأسفل وبولندا التي حققت 59 من الأسفل. وإذا حكمنا على الدولة من حيث قدرتها على خدمة الناس وحمايتهم من أصحاب النفوذ، بمن فيهم الدولة نفسها، فإن روسيا دولة عديمة الكفاءة. وحقيقة أن أعداداً هائلة من الروس مرتاحون لدولة من هذا القبيل لا تجعل هذا الأمر غير صحيح، وإنما تجعله فقط باعثاً على الاكتئاب.

والبلدان المجاورة لروسيا، على الأقل تلك التي يستطيع الناس فيها التعبير عن آرائهم، هي أشد عداءً. إن دولة المخابرات الروسية ليست قادرة على أن تفهم أن الخوف والاحترام ليسا صنوانا وإنما نقيضان. ولم يخف بوتين أسفه على انهيار الإمبراطورية السوفياتية ولا استياءه مما أعقب ذلك من توسع الاتحاد الأوروبي، وتوسع الناتو الذي أشعل غضبه. الأمر الذي يبدو غائباً من هذا الخطاب هو السبب الذي من أجله قبلت هذه البلدان، التي طالما اعتادت على الحكم الروسي الحميد المعطاء، أن تعهد بمستقبلها إلى منظمتين تتركز القوة فيهما في يد ألمانيا والولايات المتحدة على الترتيب. لماذا أيضاً، كما يقول إدوارد لوكاس من مجلة الإيكونومست، نرى أن أصدقاء روسيا هم عبارة عن "معرض للبلدان المارقة" تديرها أنظمة طاغية هابطة؟***

بدلاً من الآمال التي عفا عليها الزمن بظهور ديمقراطية روسية نرى أمامنا دولة شبيهة بالفاشية: مشاعر بالوطنية المضطهدة، والاستقواء على الأمم الصغيرة، وعبادة الزعيم القوي، والارتياب في وجود أعداء في الداخل، والنفور من الأجانب ومع ذلك، فإن روسيا دولة تملك السلاح النووي ولديها موارد هائلة من الطاقة. وهذا الأمر يجعل هذا التطور أمراً مثيراً للقلق وباعثاً على الاكتئاب كذلك. فقد اختارت روسيا حكماً قائماً على قيادة البلاد عن طريق الخوف وفضلته على الوعد بالحرية. لا شك أن الأخطاء التي ارتكبها الغرب ساعدت على نشوء هذا الوضع. وأنا أتفق مع أسلوند في أن أكبر خطأ في هذا المقام هو التركيز على الموضوع التافه إلى حد السخف، وهو دين ما بعد العهد السوفياتي، في أواخر عام 1991 وأوائل عام 1992، بدلاً من التركيز على التحدي الذي تمثله مساعدة التحول السياسي والاقتصادي. لكن هذا الأمر أصبح الآن من الماضي. وعلى كل حال فقد كان قرار بوتين ومن حوله هو تحويل روسيا عن طموحها في أن تصبح ديمقراطية خاضعة لسيادة القانون إلى دولة يحكمها طاغية معنى ذلك أن بوتين يشكل إخفاقاً وليس نجاحاً. لكنه إخفاق خطر. فالنظام الذي خلقه نظام لا يمكن التنبؤ بأفعاله، إذ لا يستطيع أحد أن يعلم كيف سيعمل النظام القائم على حكم رجلين بعد الانتخابات. لكن لا يرجح لهذا النظام أن يؤمن تحسينات مستدامة في الرخاء والرفاهية. 

يجب على الغرب أن يشكل من جديد سياسة جادة مشتركة، ويتعين عليه أن يقاوم الجهود لتقسيم الغربيين وتأليبهم على بعضهم بعضاً، ويجب أن يؤَمِّن نفسه ضد الاعتماد الزائد عن الحد على الطاقة الروسية، ويجب عليه أن يجعل روسيا نفسها تدفع غالياً ثمن سعيها لاستعادة سيطرتها السابقة على البلدان المجاورة. لكنه كذلك يجب أن يعيد تأكيد حقيقة قوية، وهي أن الغرب ليس عدواً للشعب الروسي. بل على العكس من ذلك، فإنه ليس أحب على قلب الغرب من وجود ديمقراطية روسية نشطة وواثقة من نفسها، تحتل مكانا في عالم القيم الغربية. وأود أن أؤكد في هذا المقام أن ذلك يعني ضرورة انضمام روسيا إلى حلف الناتو.دعونا نتخلص من الأوهام. نحن لسنا في حرب باردة جديدة، وليس ذلك لأن روسيا لا تعرض على الغرب أيديولوجية جديدة مغرية. لكنه سلام بارد. وهذه مأساة، لكنها حقيقة واقعة كذلك. وهي حقيقة يتعين على الغرب أن يتعايش معها، وربما لفترة طويلة مقبلة.

وكل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا ودون تعليق.

المصدر:aleqt