التوافقية في مجتمع فتي ديمقراطيا

 

علي عبدالسادة

 

 

لم تخرج القراءات التي تحاول التصدي للبحث عن (نسخة عراقية) للديمقراطية التوافقية من حدود المقاربات التي لا تسمح لنا بإطلاقها مفهوما يتحول الى قاعدة تشتغل عليها الحياة السياسية في البلاد. أزعم ان ذلك يعود الى "فقر نسبي" في عدد البحوث التي تحركت في إطار أوضاع الشرق الأوسط كما ان الفرد في المجتمعات العربية، بشكل عام، لم يتلق ما يسد حاجته المعرفية لطبيعة آليات ومفهوم الديمقراطية التوافقية. لذلك .. فأننا عندما نتلقى، في العراق، كالدارسين المتعلمين، المقاربة الناجعة للمفهوم مع أوضاعنا المعقدة والمتداخلة بفعل عوامل محلية وإقليمية. فأن الحذر من استهلاك التعريف المقتبس من دائرة الاصطلاح الضيقة بطريقة مجردة سيكون ضرورة حتمية لضمان نجاح النموذج الوطني في بناء شكل السلطة.

بحسب التلخيص الذي قدمه شاكر الانباري لكتاب الباحث الهولندي أرنت ليبهارت، فان مقولة مثل :الديمقراطية التوافقية هي آلية اقتسام السلطة والشراكة فيها عبر ائتلاف حكومي واسع (يتعاون فيه كل) زعماء وممثلي مكونات المجتمع التعددي. تطرح أسئلة مهمة، تبدو، عراقية، ملحة للغاية: ما هوية هذه المكونات؟ وكيف تم تصنيفها وعلى أي أساس؟ هل سيبقى معيار التعددية التي تتطلبها الديمقراطية التوافقية مرهونا بتقسيمات أثنية وطائفية وعرقية؟ ماذا لو تحول الى معيار يستند القيمة المدنية لا المناطقية والاثنية أو المذهب السياسي لا الديني، التنمية وضروراتها لا الشعارات الفئوية المؤقتة.

ماذا سنفعل، ونحن مقيدون في ظرف تاريخي معين بآلية لتشكيل المؤسسة الادارية (التعيينات في المناصب المهمة وفقا للحصص)، في حال تغيرت حجم المكونات الممثلة في الائتلاف؟ والسؤال الاهم هل الائتلاف الذي سينتج عن الديمقراطية ائتلافاً للسلطة أم أئتلافاً للمجتع؟ ... يبدو انها أسئلة معقدة كما هو المخاض العراقي في صناعة المشهد الوطني بعد عام 2003 في كل الاحوال فان الخوض في امكانية تحقيق نسخة عراقية للمفهوم يقودنا الى قراءة ملفات أساسية في بنائه وأرسائه ما دام هو خيارا وطنيا لشكل السلطة في البلاد.

خيار العقلانية

ان التوصل الى اتفاق بشان تشكيل ائتلاف واسع يضم جميع القادة والزعماء السياسيين يتطلب التوصل الى درجة معينة من التوافقات على قضايا جوهرية تتعلق باقتسام السلطة ومأسسة الحصص وتأمين مصالح الاقليات عبر منح نسب متبادلة متفاوتة من الفيتو بين الفرقاء. ان كل هذا لن يتم من دون أبداء مرونة سياسية في التعاطي مع آليات التفاوض بشأن تلك المفردات وتقديم تنازلات تشكل بمجموعها الصيغة الوطنية للديمقراطية التوافقية.

أن التعنت والتخندق وراء سواتر عالية من الاصطلاحات والتعابير الفئوية سيجعل من طريق الاستقرار - التوصل الى صيغة واقعية للمفهوم موضوع البحث- امراً صعبا. وفي حالة العراق فان عسر التوافقات السياسية يقترن- شئنا أم أبينا - مع تفجر قنوات عنفية محلية وتدخلات عوامل خارجية جعلت من الموقف اكثر سوءا.  لذلك كان فتح الملف المتعلق بشكل السلطة، طوال السنوات الماضية، ترافقه أزمات عصيبة تعقد من المشهد وترفع فيه حدة التداخلات على اكثر من صعيد، في وقت أثارت هوية الدولة الاحباط في مفاصل الحياة السياسية.

تصنيف

يمكننا القول -على صعيد معيار الهوية في الديمقراطية التوافقية- ان المكونات المجتمعية المحلية في البلاد المستمرة في غرقها باختلافات تتعلق بالطائفة واللهجة والقومية والمناطق وحتى الثقافة، لن تستمر كجزء أساس في حركة المجتمع، ما لم تتبرأ من مثل هذه التباينات للتحول الى شكل آخر يتخذ من منظومة القيم ومفردات التنمية البشرية والحرية العامة ومعايير حقوق الإنسان ودرجة التعليم، وغيرها من مقومات الحياة المدنية، أساسا للاختلاف.

حينئذ فان المراقب، وحتى النخب، تدرك أن بقاء مجانسة الديمقراطية التوافقية مع ما يوفره النظام النسبي في الانتخاب لعبة خاسرة، وإنهم سيجبرون على  مسك بوصلة حاجات الفرد والتحرك بموجبها ان الوصف القسري لهوية جماعة ما تتفق على انتخاب ممثليها على وفق معايير الطائفة أو القومية أو العرق، لن يكون أبديا ولن يتصف أصحاب هذا الرهان بالتخطيط الستراتيجي للعبة الانتخابات، أن عليهم التمعن في حراك الناس وفقا للمصالح لا الهوية الفرعية فالجمهور الذي يتظاهر من اجل تحسين خدمات بلدية أو رفع نسبة مخصصات تقاعدية او مطالبات بتوفير الكهرباء وغيرها لا يمكن حصره بفئة تعتمد معيارا ضيقا، أنهم خليط من تصنيفات فرعية قديمة جمعتهم اليوم معايير الحاجة..عندها سيكون الحديث عن حصص التمثيل النسبي على أنها ثابتة لا تتغير، ضرب من ضروب القصور السياسي في مجتمعات يكون عندها الفرعي الفئوي طارئاً مؤقتاً، والحاجة ضرورة ملحة دائمة.

التعيينات

من الطبيعي ان أشكال الهوية والتصنيف وحجم قاعدة الكتل ستطرح اشكالا  اخر:بعض منظري الديمقراطية التوافقية يطالبون بضمان التمثيل القائم وفق أسس طائفية دستوريا. وهم يرومون بذلك الى تحديد حجم حصة المكون في المناصب والتعيينات التي يستوجب تناسبها مع نتائج أوراق الاقتراع ان مثل هذه الحجة تعتمد-كما أسلفنا- على ثبات القاعدة الانتخابية لمكون ما. ولكن ما العمل اذا ما تغير حجم التمثيل النسبي في الائتلاف. لنضرب المثال التالي: على مدى سنوات في لبنان فقد المسيحيون أكثريتهم في التمثيل النسبي داخل الائتلاف الحاكم لصالح المسلمين بدءا من مطلع ثلاثينيات القرن الماضي ما ادى الى خلل في نظام التعيينات والمناصب الطائفية التي اتفق عليها. حتى آل الوضع الى الانفجار-وبفعل عوامل أخر- في منتصف سبعينيات القرن الماضي.

في أنظمة حديثة للديمقراطية التوافقية يعالجون مثل هذا الاشكال باتباع امرين؛ الاول: آلية (مرنة) في التعيينات لتستوعب تغيرات ديموغرافية، حتى لا تكون المأسسة غير المرنة موطن ضعف في النظام. اما الثاني: وضع ستراتيجية بعيدة المدى لتحويل معيار الانتخاب الى معيار مدني يشتغل على مساحات أوسع فضاءً وأكثر شمولا لمفردات التصنيف المجتمعي وفي هذا الباب لا بد من التذكير بان المجتمعات التي أعتمدت الديمقراطية التوافقية كنهج ثابت للحكم فيها، هي تعددية بمفهوم يختلف تماما عن ما هو لدينا..ففي بعض الدول الاوربية- الائتلاف يكون بين الكاثوليكيين والبروتستانت، او الكنيسة بشكل عام والقوميين-تصنف التعددية على انها مجتمع تختلط فيه الشعوب جغرافيا لكنها تتنافر اجتماعيا؛ بمعنى كل ما يتعلق باللغة والدين.

هذ التعريف قد لا يتطابق، تماما، مع طبيعة المجتمع العراقي، بغض النظر عن ظرف راهن لا يمكن التأسيس عليه. اذ يمكن ان نعترف بتنافر مشابه لما حدث في أيرلندا الشمالية، لكن اعتصاما واحدا من اجل مطلب جماهيري واحد سيضرب  الكانتونات الموضوعة قسرا في تعددية وهمية.

التحول الى مشروع آخر

هناك امر لا يمكن اغفاله: في المجتمعات التي نجحت فيها الديمقراطية التوافقية -كسويسرا، بلجيكا الهند اندونيسيا وغيرها- لم يكن ترسيخها كآلية لبناء السلطة استباقيا لتأصيل ثقافة الديمقراطية، على الاطلاق. أنها تفرض على المجتمعات تأصيل قاعدة ديمقراطية غير فتية قبل الشروع في تكوين ائتلافات لغرض الحكم لا لبناء قيمة يتم تدوالها على شكل قاسم مشترك بين الجماعات المحلية. بمعنى ان إجهاض تجارب بناء الدولة من اجل توافقات للسلطة، مشروع تدرك فشله كل المجتمعات وثقافة الديمقراطية ليست عملية اجرائية وظائفية يجري التثقيف بها على اقتصارها الاقتراع وكيفية وضع الورقة في الصندوق..أنها ممارسة ثقافية فكرية تشتغل على مشاريع التغيير النهضوية في البلاد. أنني بهذا القول أود دحض ديمقراطية توافقية دون دولة مدنية عصرية تؤسس للمواطنة كقيمة هائلة لدى الفرد. لذا فان الذين يصرفون جهدا في البحث عن قواسم من أجل ائتلاف السلطة، بحسب التوافقية، لا بد لهم من توفيره لمشاريع جادة للتغيير والنهضة وبينما ندرك ذلك علينا معرفة ان ظروفا موضوعية تؤطر حياتنا السياسية أساسها انحسار القيمة المدنية في السلوك الاجتماعي والثقافي والسياسي، واختفاء معايير اختيار المشروع السياسي الملائم لتمدين تلك المنظومة؛ بمعنى أن الحاجة الفعلية للفرد لا تؤسس لاختيار برنامج سياسي يلبيها، في وقت تغذي فيه بعض القوى الميول العصبية لتصبح معيارا طارئا للاختيار . كذلك ارتفاع حدة الميول الفئوية، مهما اختلفت تصنيفاتها الضيقة. ما يضع امامنا مهاما صعبة أعقد بكثير من مجرد التوصل الى أئتلاف واسع للسلطة.

الفخ النائم

أن الاعتماد على معادلات تشبه عمليات رياضية بسيطة في صنع الشراكة من اجل توزيع السلطة، تحديدا، سيجعل من الديمقراطية التوافقية فخا نائما سيوقظه النزاع والتصارع من اجل الحصص في حال تغيرت خريطة الارقام والتمثيل النسبي. وأن اتقاء شر ذلك لا يتم الا بإعادة بناء منظومة القيم وترسيخ مفاهيم حقوق الانسان وحرية الاعتقاد والتعبير والفصل التام بين السلطات وتعزيز قيم المواطنة الحقيقية القائمة على ركيزة مدنية.

ان عشرات المنظرين القانونيين والخبراء في مجال صناعة معادلة المساومات السلطوية لن يتمكنوا من صهر مرحلة مهمة في نشوء الديمقراطيات في العالم: اشتغال الديمقراطية على انها فعل ثقافي حيوي في المجتمع.

وكل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا ودون تعليق.

المصدر:alsabaah