الديمقراطية التوافقية..هل هي صورة الحل الأخير للعراق في الوقت الراهن؟!

 

سيف الدين كَاطع

 

 

اذا كان الهدف هو اقامة دولة مدنية حديثة فليس امامنا سوى العمل بآليات الديمقراطية العددية!.

انبثق مفهوم الديمقراطية التوافقية، منذ عقود عدة، بعد ان تبلور واصبح نموذجاً بديلاً من الديمقراطية التنافسية او الديمقراطية التمثيلية، التي عبرت عن اكتمال الشروط القانونية والسياسية في سياق تكون دول ومجتمعات موسومة بقدر كبير من التلاحم البشري والانصهار الاثني والاستقرار السياسي ومعززة بثقافة سياسية تكرس قواعد التنافس والتداول والتمثيل..لكن الديمقراطية التوافقية تكاد تختلف عن هذا التوصيف، اذ تولد وتنبع من شروط يطبعها الانقسام المجتمعي والتباينات الاثنية والعرقية والجهوية وضعف الوحدة الوطنية وصعوبة الاستقرار السياسي وعسر ديمومته وتواتر موجات العنف الاجتماعي، وترد في التاريخ الراهن نماذج للديمقراطية التوافقية، سواء في العالم المتقدم كحالات (سويسرا وبلجيكا والنمسا وهولندا) او في بلدان العالم الثالث مثل (الكونغو وماليزيا ولبنان ورواندا)..وقد حدد المعنيون اربع خصائص للديمقراطية التوافقية، تقوم عليها الصيغة الكلية لهذا النوع من الممارسة السياسية، منها مايتعلق بتكوين (كارتل حكومي) او تحالف كبير يضم المكونات الرئيسة للمجتمع التعددي، ووجود مبدأ الاعتراض او (الفيتو) وفق نظام يتفق عليه بين الاطراف، النسبية سواء على صعيد المقاعد البرلمانية او اعضاء الحكومة او الوظائف المهمة في الحكومة، فضلاً عن مدى قدرة كل مكون من مكونات الديمقراطية التوافقية على ضبط امور مكونه وتمثيل هذا المكون على نحو جيد، وبهذا تضمن الديمقراطية التوافقية لكل مكون الاستقلال في ادارة شؤونه من دون تدخل عموم المكونات الاخرى المشتركة في عقد الديمقراطية التوافقية.

الديمقراطية التوافقية وآليات الادارة الناجحة

يرى الكاتب والباحث سعيد فرمان، ان الديمقراطية وبفعل الستراتيجية العالمية الجديدة، باتت اكثر الكلمات والمصطلحات شيوعاً وتداولاً في المرحلة الراهنة، واصبحت حاضرة كمفهوم سياسي وثقافي وايديولوجي على لسان مختلف الفئات والشرائح الاجتماعية والثقافية والفكرية، وحتى الفئات الشعبية هي الاخرى لم تستطع ان تكون بمنأى عن استخدام هذا التعبير الذي بدأ يكتسح الحياة السياسية والثقافية والاعلامية، ويطرق ابواب الانظمة والقوى التقليدية في منطقتنا من دون اي اذن او موعد مسبق..ويواصل فرمان القول، ان الديمقراطية هي من حيث المنشأ والانتماء اوروبية، فقد ولدت ونمت في المجتمعات الاوروبية، وهي النتاج الطبيعي لتطور وتقدم تلك المجتمعات من خلال عملية مخاض عسيرة دامت قروناً من الزمن، وكلفت الكثير من التضحيات في سبيل تثبيتها وترسيخها كممارسة لادارة وتنظيم الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية في الدول الاوروبية والغربية، لقد شهدت المجتمعات الاوروبية ـ الغربية، حالة من نهوض علمي وصناعي وابداعي مذهل، ماسمح لها ببناء وتشييد نماذج حضارية ـ مدنية متطورة ومتقدمة، بالتزامن مع تناول قضايا الشعوب والقوميات في منطقتها، وحلها بالركون لمنطق الاعتراف بالتنوع والاختلاف القومي والاثني، من خلال بناء الدولة القومية ـ الوطنية، ومعالجة الاستثناءات او المتبقيات في هذه الظاهرة ـ ظاهرة بناء الدول القومية ـ وفق آليات العمل والممارسة الديمقراطية، ومبادىء الحرية وحقوق الانسان والمسوغات العلمية لوحدة الجنس البشري، ان مسألة المقاربة والموازنة بين مجتمعات متطورة قطعت اشواطاً كبيرة جداً في عملية التقدم والارتقاء في جميع مجالات وجوانب الحياة كالمجتمعات الاوروبية ـ الغربية التي شيدت نظماً ومؤسسات ديمقراطية (وان كانت ليست كاملة بالمعنى المطلق)، وبين مجتمعات متخلفة ما زالت تعاني من مشكلات عديدة ومتنوعة، وتنتمي في احسن الحالات وافضلها لمنطقة الريف العالمي، ان لم نقل لمنطقة البداوة لجهة التصنيف الحضاري والصناعي العالمي، ويضيف فرمان، بأن هذه المقاربة قد تأتي للتأكيد على اهمية معرفة وتشخيص السياق التاريخي الذي تطرح فيه مثل هكذا رؤى وحلول لقضايا المنطقة المعقدة، والمتداخلة مع بعض البعض، ولكي تكون المعالجات والحلول ناجحة ومفيدة، ولكي لا تتكرر اخطاء وعيوب الماضي الذي ما زال بعضنا يحاول الاحتماء بمنظومته الفكرية والسياسية، كحالة تعبير عن عدم المقدرة في الولوج، الى الحاضر واستشفاف المستقبل، وعليه فالسياق التاريخي الراهن لمنطقتنا كما هو واضح لا يستدعي الديمقراطية وفق آلياتها ونموذجها الغربي المتطور، ذلك النموذج الذي نأمل في الوصول اليه بشكل طبيعي ومتدرج بعد ان يتم تخطي هذه المرحلة التي لايمكننا الا ان نسميها بالانتقالية والمؤقتة، اما الشكل او النموذج الذي نحتاجه في هذه المنطقة كحالة انتقالية ومؤقتة هو النموذج الديمقراطي التوافقي، او التوافق الديمقراطي وذلك لاسباب عديدة منها حالات الفقر والتخلف وتدني مستويات التعليم والمعرفة وانتشار الامية والجهل بين عامة الشعب وسيادة منطق العلاقات والقيم العشائرية والقبلية والدينية ومحدودية رقعة تواجد الفكر الليبرالي ـ العلماني وتواضع تاثيره على الساحة السياسية والاجتماعية وتهميش مؤسسات المجتمع المدني، وتغليب المفاهيم الغيبية والقبلية على سواها من المفاهيم والنصوص القانونية والدستورية والحضارية.

ويختم سعيد فرمان قوله، بان مسألة التوافقات التي تطرح لحل مشكلاتنا سيسهم في خلق المناخ الملائم لتقليص مساحات الاختلاف والتباين بين الشعوب، والاسراع في تجاوز الظواهر السلبية التي رافقتنا، كما انه ايضاً يهيىء الارضية المناسبة للانتقال الى عصر ومرحلة المجتمع الديمقراطي المتطور، الذي لايمكن ان يقوم الا في جو ومناخ حضاري متقدم، تنتفي فيه آليات القمع وتضاف فيه حقوق الانسان وحقوق القوميات والاقليات وجميع المكونات الاخرى..

الديمقراطية التوافقية وشروط نجاحها

ان اقتران الوحدة بالتنوع، هو من الخيارات والاهداف المستحبة في العقائد والمناهج السياسية، وهو اقتران يؤسس لتكوين وطن مستقر وبناء، وفي تاريخنا السياسي، مشاهد كثيرة من هذا النوع، ولكن في هذا التاريخ وجهاً آخر، فالعلاقة بين المكونات الدينية والطائفية والمذهبية في المنطقة من جهة، وبين مشاريع الانصهار الوطني من جهة ثانية، لم تتقدم دوماً على طريق التكوين الوطني المستقر، وانما تحولت في كثير من الاحيان الى علاقة بين انماط من محاولات الالحاق، من ناحية وحالات التشظي والتشطير والانقسام من ناحية اخرى، ولتلافي هذا المنحى في المستقبل لابد من القاء نظرة سريعة على الشروط والظروف التي كانت تحول العلاقة بين الوحدة والتنوع الى علاقة بين مشاريع الحاق وتشظ والعكس بالعكس، والى اكتشاف الدروس المستفادة من التجارب السياسية، تسعى بعض الحكومات العربية الى تطبيق معادلة الوحدة والتنــوع فيما هي تاخذ بالمـبادىء التالية:

اولاً ـ فكرة الدولة القومية والوحدة القومية/ الترابية، التي تعد انه من حق كل قومية ان يكون لها دولة مستقلة، وان الدولة القومية، هي دولة  القومية الواحدة التي تنفي كل ماغيرها من القوميات، وهذه الفكرة مأخوذة اساساً من الفكر القومي الاوروبي.

ثانياً ـ على الاقرار والاعتراف بالتعددية الدينية والطائفية كامر واقع لايمكن تجاهله والقفز فوقه لانه متجذر في تاريخ المنطقة.

ثالثاً ـ عد التعددية امراً واقعاً ولكنه في الوقت نفسه شأن عابر.

واستناداً الى هذه المبادىء، تجري محاولات لاقامة نظم سياسية تشابه الانظمة السياسية الموجودة في بعض دول العالم مثل هولندا وسويسرا وبلجيكا والنمسا وماليزيا، والتي تدعى بنظام الديمقراطية التوافقية، وهذا النظام يرمي، كما وصفه مؤسسوه، الى تحقيق الاستقرار الديمقراطي والوحدة الترابية في المجتمعات التي تتسم بالانقسمات الحادة اي الى تطبيق سليم لمعادلة الوحدة والتنوع، فهل ادى هذا النمط من الانظمة الى تحقيق الغاية التي ينسبها اليه علماء اجتماع مثل (ارند ليبهارت) الذي يعد الاب الفكري للديمقراطية التوافقية..

الديمقراطية التوافقية والعراق الجديد

في هذا المحور، لدينا باحثون ومعنيون عدة، قد تتقاطع رؤاهم وتوجهاتهم في تصنيف هذا الحال او ذاك، ذات الصلة بممكنات الحل العراقي والاكثر صواباً وتناسباً مع الظروف الحالية والمستقبلية للعراق، فقد يرى الباحث العراقي هشام علي، بان السبب الرئيس في الصراع الحاصل في الوقت الراهن هو سياسي وليس طائفياً، بالرغم ان الطائفية في العراق ما زالت تعد السياسة جزءاً منها، ويعتقد هشام محمد علي بان البداية قد تكون غير مشجعة عندما اهمل الساسة من الشيعة التعاون مع الساسة الكرد، وكذلك اهملوا دور الساسة من السنة، فادت محاولات اثبات السنة لوجودهم السياسي الى صراع زعزع الوضع العام في البلاد، ما اثر سلباً على التجانسات الاجتماعية، فتحولت المشكلة السياسية الى مشكلة شخصية (طائفية ـ عرقية) حشد لها كل طرف مايستطيع من تكتلات داخلية وخارجية، اصطحبت معها اجندات جديدة واطماعاً مبيته مازاد الصراع حدة وتعقيداً وصل حد القتل على الهوية والتهجير القسري.

وفي هذا السياق ولاجل ضمانة صيرورة العمل بالنظام التوافقي، يطالب الباحث محمد علي بضرورة ان تاخذ النخب اماكنها الصحيحة في قيادة جماعاتهم من خلال قدرتهم على تحشيد وتهيئة الجماهير وقت الحاجة، بسبب عدم مقدرة الديمقراطية بمعناها المعروف.(حكم الاكثرية) في التجارب التاريخية من خلق دول مستقرة مزدهرة من واقع غير متجانس، فرضت الديمقراطية التوافقية، نفسها كبديل لايجاد انسان افضل في مثل هذه البلدان التي اثبتت التجارب عدم قابلية الانظمة غير الديمقراطية على صهر الفئات السكانية المختلفة معاً رغم المحاولات العديدة التي انتجت معظمها فئات اكثر تعصباً لذاتها المحدودة..

الكاتب العراقي جاسم المطير رأى من زاويته المسألة على النحو التالي:

شكل اسلوب ومفهوم (الديمقراطية التوافقية) ومنذ بدايات المرحلة الحالية بعد التغيير في 9 نيسان 2003 لاسيما عند تشكيل مجلس الحكم الانتقالي كخط اول، وبعدها تم استخدامه في اطار العلاقة بين الاحزاب والقوى الوطنية التي تقف وراء المجلس وتدعمه كخط ثان ويعتقد المطير، انها تجربة اولى في الوظيفة الحزبية العراقية، كما انها اكتشاف ايجابي حققته الحركة الوطنية العراقية لادارة مهمات الفترة الانتقالية وتعزيز دور الدولة وتنمية قدراتها الاستقلالية في ظل الاحتلال الاجنبي، وكذلك لوضع الاسس الوطيدة لتشييد البناء التحتي لمرحلة لاحقة، هي مرحلة البناء الاقتصادي والاجتماعي والعلمي والثقافي.. ويستطرد المطير انه لايمكن القول، ان الديمقراطية التوافقية، قد حققت الكثير حتى الان، لكن بالامكان الاستنتاج، انها اصبحت منهجاً واسعاً قابلاً للتطبيق، كما ان استمرارها وتناميها يؤديان حتماً الى انبعاث قوى وجديد لفتح الطريق امام ديمقراطية حقيقية في العلاقة الوطنية داخل المجتمع، الذي يعزز بالتالي بنيان المؤسسات الديمقراطية الجماهيرية ومؤسسات المجتمع المدني غير الحكومية، كما سيقدم معنى جديداً وعقلانياً لمفهوم الشورى الاسلامية، في الوقت الذي يمكنه ان يوفر فرصاً لنشوء تجربة فيدرالية عراقية خالصة في كردستان العراق...في حين حدد الكاتب والاعلامي محمد عبدالجبار الشبوط رؤيته بالقول:

تبقى الديمقراطية التوافقية هي السائدة والحاكمة على مجمل العملية السياسية، اما في حال توصيفنا لكيفية اشتغال حكومة الاكثرية النيابية، فيستدعي الامر، المناداة بالديمقراطية العددية، مضيفاً، اننا لو حددنا مواصفات حكومة الوحدة الوطنية فيجب ان نتعامل بمبدأ الديمقراطية التوافقية والانتقال من نوع الى آخر من الحكومات يتطلب تغيير نوعية المجال السياسي لها، والمجال السياسي المطلوب للانتقال يشمل قانون الاحزاب وقانون الانتخاب، كما يتطلب تشكيل برلماني جديد على اساس آليات الديمقراطية العددية، التي يجب ان يجسدها قانون جديد، للانتخابات واخر للاحزاب، وهذه اشتراطات غير متوافرة الآن.

وقبل هذا يتطلب الانتقال في بناء الدولة، اذ يرى الشبوط في ضرورة الانتقال هـذه من دولة التكوينات الى دولة المواطنين، وهذا التحول الذي يجري الحديث المتسرع عنه هذه الايام، لو تم، لن يكون مدروساً وسوف يتم بادوات الديمقراطية التوافقية وليس الديمقراطية العـددية، وفي ظرف انقسام مجتمعي عمودي وافقي خطير ومهدد بحرب اهلية واسعة النطاق، مايعني ان التحول سوف يعني اجراء عملية قيصرية في ظل ظروف غير مؤاتية لها...ويخلص الشبوط في القول، اذن لايمكن الخروج من الازمة باستخدام نفس الادوات التي اوجدتها، اي ادوات المحاصصة الطائفية، وانما لابد من استخدام ادوات جديدة، واذا كان الهدف هو اقامة دولة مدنية حديثة، فليس امامنا سوى الآليات الديمقراطية العددية.

وكل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا ودون تعليق.

المصدر:alsabaah