الإنتخابات الأمريكية القادمة: هل ستكون نهاية المحافظين ؟

 

فريد زكريا

 

 

في سياق المشاكل الحالية، تبدو شعارات المحافظين في غير زمانها الصحيح، مثل مشاهدة برنامج تلفزيوني قديم من سبعينات القرن الماضي المحافظون محبطون هذه الأيام. والكثيرون منهم يعتقدون أن حزبهم - الحزب الجمهوري - ضل سبيله من خلال التخلي عن مبادئه فالجمهوريون قلما يحبون سياسات جورج دبليو بوش، باستثناء سياسته الخارجية وتعيينات المحكمة العليا إن سياساته الداخلية تتضمن توسيع الرعاية الصحية التي تمولها الحكومة (تغطية تكاليف الأدوية الموصوفة من قبل طبيب)، وزيادة تمويل قطاع التعليم، في حين أنه يتلكأ في تأييد الكوبونات المدرسية وحرية اختيار المدارس وقد وقّع بوش أيضا قانونا لإصلاح تمويل الحملات الانتخابية وأيد مشروع قانون كان سيسمح للأجانب المقيمين في الولايات المتحدة بشكل غير قانوني بالسعي إلى الحصول على الجنسية الأمريكية أما الكونغرس، بقيادته الجمهورية، فهو أسوأ، لأنه أسرف في الإنفاق بشكل غير مسؤول. والحزب الآن على وشك تسمية جون ماكين مرشحه الرئاسي، وهو الرجل الذي انشق عن الحزب في مسائل أساسية عدة وصوّت مع الديموقراطيين. بالنسبة إلى المحافظين، فإن العودة إلى المبادئ الأساسية هي الطريقة الوحيدة لاستعادة السلطة.

ديفيد فروم، وهو كاتب سابق لخطابات بوش، يعارض هذا الرأي وقد كتب في كتابه الجديد بعنوان Comeback (العودة): "على العكس، تظهر الأدلة أن إدارة أكثر ثباتا على مواقفها ومبادئها وأكثر محافظة كانت ستثير نفور الشعب أكثر من إدارة بوش غير الشعبية". وبحسب الأدلة التي يقدمها فروم، فإن كل سياسات بوش التي يشجبها المحافظون هي في الواقع واسعة الشعبية. فنسبة التأييد الشعبي لتغطية تكاليف الأدوية الموصوفة من قبل طبيب تتراوح بين 80 و90 بالمائة والشعب ينظر إلى كل سياسات بوش التي يؤيدها المحافظون بارتياب شديد. فأغلبية الأمريكيين يعتبرون التخفيضات الضريبية التي يقترحها بوش "لا تستحق العناء"، ويفضلون زيادة الإنفاق أو تخفيض عجز الميزانية بدلا من تخفيض الضرائب. في المجال الوحيد الذي لايزال فيه بوش يحظى بتأييد كبير بين المحافظين ـــ وهو السياسة الخارجية ـــ تراجع الدعم الشعبي أيضا. وفقا لمركز بيو للأبحاث، فإن نسبة الأمريكيين الذين يعتقدون أن القوة العسكرية يمكن أن تقلل من مخاطر الإرهاب انخفضت إلى حد كبير بين عامي 2002 و2006، من 48 بالمائة إلى 32 بالمائة لقد ازداد نفوذ حزب المحافظين في سبعينات وثمانينات القرن الماضي لأنه اقترح حلولا ملائمة لمشاكل تلك الحقبة - حيث كانت الاشتراكية لاتزال فكرة اقتصادية جدية، وكانت نسبة الضرائب تبلغ 70 بالمائة، وكانت الحكومة تضبط أسعار النفط والغاز الطبيعي ومعدلات الفائدة على الحسابات الجارية وعدد القنوات التلفزيونية. وبدا أن الثقافة تتعرض لهجوم متطرفين على هامش المجتمع. كانت حقبة ساد فيها الركود والتضخم الاقتصادي والإجرام في الداخل، والهزيمة والانسحاب في الخارج. ومن ثم ظهرت مارغريت تاتشر ورونالد ريغان، ومعهما مجموعة من الأفكار عن كيفية إصلاح العالم.

خلال العقود الثلاثة التالية، جُربت معظم سياساتهم. الكثير منها كان ناجحا. وغيرها لم يكن فعالا، لكن في كل الأحوال، تغير العالم إلى حد كبير مع مرور الزمن. اليوم، "بعد ثلاثة عقود من تخفيض الضرائب، لم يعد معظم الأمريكيين يدفعون ضريبة دخل عالية"، كما كتب فروم. وتم الحد من التضخم، ولم يعد يبدو أن الاقتصاد يخضع لقيود مفرطة، ولم يعد الإجرام يلازم تفكير الناس. وأثبتت الثقافة متانتها، وفي الواقع أصبحت أغنى وأوسع بفضل تنوعها. في الخارج، تحقق النصر في الحرب الباردة وباتت أمريكا تتربع على عرش عالم يزداد رأسمالية. مهما كانت مشاكلنا، فإن تعزيز القوة العسكرية واتخاذ المزيد من القرارات الأحادية ليسا الحل.

إن عالم اليوم يعاني من مشاكل مختلفة. فالنمو الاقتصادي لم يرفع معدل أجور الأمريكيين كثيرا ومعظم العمال قلقون بشأن الرعاية الصحية، ومعظم الشركات التجارية مستاءة من ازدياد نفقات الرعاية الصحية. والعولمة تُعتبر تهديدا يؤدي إلى تنافس حاد من عشرات البلدان ولايزال خطر المجموعات الإسلامية المسلحة حقيقيا ومستمرا، لكن قلة من الأمريكيين يعتقدون أنهم يفهمون هذه الظاهرة أو يعرفون الوسيلة الفضلى لمواجهتها. وهم يعتبرون أن إدماننا على النفط والتدهور البيئي يشكلان خطرا حقيقيا على استقرار ونجاح مستقبلنا. والأهم من ذلك أن نظرة الأمريكيين إلى الدولة تتغير. فهم لا يريدون تضخيم البيروقراطية - أظهر استطلاع للرأي العام الماضي أن أكثريتهم (57 بالمائة) لايزالون يعتقدون أن الحكومة تصعّب على الناس التقدم في الحياة - لكنهم يريدون حكومة أذكى، يمكنها مساعدتهم على أن يكونوا بأمان ومستقرين ومهيأين جيدا للتحديات السياسية والاقتصادية. في هذا السياق، تبدو شعارات المحافظين في غير زمانها الصحيح بشكل غريب، مثل مشاهدة برنامج تلفزيوني قديم من... سبعينات القرن الماضي .كتاب The Emerging Democratic Majority (الأغلبية الديموقراطية الناشئة) الذي كتب عام 2002 يشرح أنه ربما لهذه الأسباب العامة، فإن النزعة المحافظة في السياسة الأمريكية تتلاشى بسرعة. لقد استعادت بعضا من شعبيتها لفترة وجيزة بعد هجمات 11 سبتمبر، عندما كانت مشاعر الخوف والقومية المتزايدة لصالح الحزب الجمهوري. لكن النزعات واضحة. يشير مؤلفا الكتاب جون بي جوديس وروي تيكسيرا إلى أن مجموعات كبيرة عدة بدأت تصوت لمصلحة الديموقراطيين بشكل مستمر: النساء وأصحاب المهن الحائزون على شهادات جامعية، والشبان والأقليات. نظرا إلى السخط السائد في الآونة الأخيرة بسبب قانون الهجرة، فإن المعركة لنيل تأييد اللاتينيين والأمريكيين من أصول آسيوية هي معركة خاسرة على الأرجح بالنسبة إلى الجمهوريين. فكلتا المجموعتين أيدت الديموقراطيين بشدة في انتخابات عام 2006 إن الإيديولوجيات السياسية ليست معزولة عن محيطها. وعليها أن تواجه مشاكل العالم الحالية المواطنون المحافظون يفهمون ذلك، وربما هذا هو السبب - بالرغم من إلحاح قادتهم الإيديولوجيين - الذي دفعهم إلى التصويت لماكين. يبدو أنه يفهم أن عالما جديدا يتطلب تفكيرا جديدا.

وكل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا ودون تعليق.

المصدر:newsweek