انتخابات 2008 : هل تعيد ثقة الأميركيين بالسياسة ؟

عمرو حمزاوي

 

 

من اليسير تفسير عزوف المواطنين عن المشاركة في الحياة السياسية وإدارة الشأن العام في نظم الحكم السلطوية وشبه السلطوية استناداً إلى ضعف آليات المشاركة وهشاشة مصداقيتها ومحدودية فاعليتها. أما عندما تصبح الظاهرة نفسها مرضاً تعاني منه الديموقراطيات المستقرة خصوصاً في الغرب الأميركي والأوروبي، فإن مسارات ومضامين البحث في المسببات والتداعيات تختلف جذرياً.

فبعد تصاعد لم يتوقف منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية (1945) رصدت دراسات علم السياسة المقارن ابتداءً من سبعينيات القرن الماضي تراجعاً بيناً في إقبال الغربيين على التصويت في الاستحقاقات الانتخابية، وتلك بلا جدال تمثل أهم لحظات مشاركة المواطنين السياسية وللتدليل، تتابع انخفاض معدلات المشاركة في الانتخابات الرئاسية والتشريعية الأميركية لتتقلص من ثلثي المواطنين ذوي الأهلية الانتخابية طوال الخمسينيات والستينيات إلى ما يقل عن نصفهم في انتخابات 2000، في حين لم تتجاوز نسبة إدلاء البريطانيين بأصواتهم في انتخابات 2001 و2005 التشريعية حاجز الستين في المئة في استكمال للصيرورة السلبية منذ نهاية عقد الخمسينيات، الذي دأب خلاله ثلاثة أرباع المواطنين على المشاركة وتطابقت الحالات الفرنسية والألمانية واليابانية مع ذات المشهد التراجعي وإن تفاوتت المعدلات، فجاءت النسبة في فرنسا واليابان قريبة للغاية من مثيلتها في بريطانيا لتستقر عند حدود الستين في المئة في انتخابات الألفية الجديدة، بينما وقف انخفاض مشاركة الناخبين الألمان عند حد السبعين في المئة متدنياً من نسبة مشهودة في انتخابات 1957 (87 في المئة) وانتخابات 1972 (88 في المئة).

تضع ظاهرة عزوف المواطنين الغربيين عن المشاركة مجموعة من التحديات التحليلية أمام باحثي علم السياسة المقارن. فمن جهة، يصعب الدفع بهشاشة ومحدودية مصداقية آليات المشاركة في الديموقراطيات الغربية كنسق تفسيري في ظل نزاهة العملية الانتخابية ودوريتها ومركزية أدوار السلطات القضائية والتشريعية في الرقابة على الأجهزة التنفيذية المنتخبة والمعينة على نحو يؤسس بحق لمبادئ حكم القانون وتداول السلطة والمحاسبة والشفافية كواقع سياسي فعلي. من جهة أخرى وعلى نقيض خبرة المجتمعات السلطوية وشبه السلطوية، لم يتواكب عزوف الغربيين عن المشاركة السياسية مع انتكاسة شاملة لاهتمامهم بالشأن العام. فقد تبلورت تدريجياً مساحات بديلة لدينامية المواطنين إن في ثنايا منظمات المجتمع المدني الحقوقية والمطلبية أو في إطار التطور الكمي والكيفي السريع لتكنولوجيا الاتصال والإعلام بما رتبه من انقلاب غير مسبوق في فاعلية الأدوار الرقابية للرأي العام. لسنا إذاً في الغرب بصدد مواطنين انكفأوا على ذواتهم وشؤونهم الخاصة متجاهلين لأحوال مجتمعاتهم، بل إزاء عزوف متصاعد عن السياسة - أو سأم منها كما يشير المصطلح الألماني البليغ (Politikverdrossenheit) المستخدم في هذا السياق - يخصم من القبول الشعبي بالديموقراطيات المستقرة ويزج بها في أتون أزمة شرعية حقيقية وواقع الأمر أن جل البحوث الميدانية التي أجرتها مؤسسات أميركية وأوروبية من خلال استطلاع آراء عينات تمثيلية من المواطنين توافقت على مركزية ذيوع ثلاث قناعات بين غالبيات واضحة في الغرب في تفسير ظاهرة العزوف عن السياسة.

وفي حين تذهب أولى هذه القناعات إلى العجز البيّن للحياة السياسية وفاعليها عن صوغ حلول ناجعة لمشكلات المواطنين الحياتية، خاصة تلك المرتبطة بفرص العمل ونظم الأمان الاجتماعي في ظل عولمة رأسمالية ضاغطة محركها الأوحد هو الربح ولا تملك السياسة في مواجهتها أدوات للضبط أو الترشيد، تتعلق الثانية بهيمنة قراءة اختزالية لجوهر السياسة، إلا أنها جاذبة لقطاعات شعبية واسعة، ومؤدى هذه القراءة سيطرة المصالح الاقتصادية والمالية الكبرى على عملية صناعة القرار السياسي في الغرب إن من خلال تمويل الحملات الانتخابية للمسؤولين التنفيذيين والمشرّعين أو عن طريق منظومات متكاملة من جماعات الضغط والمصالح لم يعد باستطاعة السياسة كبح جماحها. ثم تلي ذلك أخيراً قناعة أعداد متزايدة من المواطنين الغربيين برمادية وهامشية الحدود الفاصلة بين الفرقاء السياسيين. وحول تلك الحدود تمحورت منذ نهاية الحرب العالمية الثانية ممارسة السياسة في أوروبا اليمين واليسار وأميركا المحافظين والليبراليين وبها ارتبطت مشاركة المواطنين بانتخابات اكتسبت الشق الأكبر من زخمها الشعبي في سياق صراعات ايديولوجية واختلافات برامجية حدية بين القوى المتنافسة على ثقة الأغلبية ومع أن نفراً من باحثي السياسة ذهب في السنوات القليلة الماضية، على وقع الأزمات المجتمعية العنيفة التي اجتاحت بعض مجتمعات أوروبا الغربية مع نهاية حقبة الرفاه بعقدها الاجتماعي الضامن لعدالة الحد الأدنى ولمسؤولية الدولة عن الفئات المهمشة من ضحايا اقتصاد السوق الرأسمالي، إلى توقع الصعود التدريجي لمعدلات مشاركة المواطنين في الحياة السياسية وتوظيف آلياتها وعلى رأسها الاستحقاقات الانتخابية لحسم الصراع الدائر اليوم حول «روح» أوروبا والجوهر الناظم لنموذجها المجتمعي في الألفية الجديدة، إلا أن الثابت أن دينامية ثنائية الأزمة - التغيير هذه عبّرت عن نفسها في فعاليات احتجاجية - عفوية ومنظمة - خارج ساحات الفعل السياسي ولم تؤثر في الأخيرة بشكل جوهري. بالمقابل، تحمل اللحظة الراهنة في الولايات المتحدة الأميركية طابعاً استثنائياً لافتاً. فالانتخابات التمهيدية للسباق الرئاسي، خاصة داخل الحزب الديموقراطي وإن لم تقتصر عليه، تشهد إقبالاً كبيراً من الناخبين المسجلين على الإدلاء بأصواتهم تجاوز للمرة الأولى منذ خمسينات القرن الماضي حاجز الخمسين في المئة في بعض الولايات وقاربه في البعض الآخر وضاعف بالمطلق من معدلات المشاركة إذا ما قورنت بانتخابات 2000 و2004 التمهيدية. كذلك سجل وبنسب مرتفعة انخراط الفئات العمرية الشابة بتقنياتها الاتصالية العصرية ومجموعات الناخبين المتأرجحين في حملات المرشحين المختلفين على نحو أنتج زخماً مجتمعياً حقيقياً للسباق الرئاسي تخطى حدود المدن الكبرى والنخب المهتمة.

نعم أسهمت عوامل من شاكلة التعاقب السريع للانتخابات التمهيدية والإنفاق المالي غير المسبوق على حملات المرشحين الكبار في تحفيز المواطنين على المشاركة، بيد أن مشهد السباق الرئاسي سنة 2008 يدلل على مقدمات تحولات أعمق من أن تختزل في جدول زمني أو بعنصر المال. يبدو المواطن الأميركي اليوم وكأنه يعيد اكتشاف محورية السياسة في تحديد مصير قضاياه الحياتية بعد أن استفاق من غيبوبة سنوات ما بعد 11 سبتمبر 2001 ليدرك الفارق المأسوي بين سياسة الماضي القريب الجيدة (إنجازات إدارات ريغان وكلينتون الاقتصادية والاجتماعية على اختلافها) وسياسة الحاضر الرديئة بإخفاقاتها المتتالية. هو إذاً هذا الوعي الجمعي مقترناً بحلم التغيير الذي يدفع قطاعات واسعة من الأميركيين إلى المشاركة في الانتخابات التمهيدية، بل التصويت فيها خارج سياق التفضيلات التقليدية على نحو قد يعيد خلط حسابات المتوقع وغير المتوقع إن استمر زخمه حتى نهايات 2008 وربما أسس لاستثناء أميركي من قاعدة عزوف الغرب عن السياسة.

وكل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا ودون تعليق.

المصدر:daralhayat