السلطة في باكستان... ومستقبل برويز المجهول

 

 

للمرة الأولى منذ أن بسط سيطرته على السياسة الباكستانية في انقلاب العام 1999 يبدو وكأن رئاسة ''برويز مشرف'' بدأت تنفرط حباتها من بين أصابعه، فالهزيمة الكبيرة التي تعرضت لها القوى السياسية التي تدين له بالولاء في الانتخابات البرلمانية ليوم الإثنين الماضي، بالإضافة إلى تقاعده من منصبه كقائد للجيش الباكستاني في شهر نوفمبر الفائت، يعني أن الرجل فقد قاعدة الدعم الأساسية ولم يعد بحوزته سوى سلطة صورية قد لا تسمح له بالاستمرار طويلا في الرئاسة، وبحسب المراقبين للشأن الباكستاني ليس أمام ''مشرف'' سوى خيارات محدودة. فإذا اختار المواجهة واستخدام سلطات الرئاسة المتبقية في حوزته فإن قوى المعارضة، التي باتت تسيطر على البرلمان، ستتعنت في مطالبها لتَدخل البلاد في حالة من الفوضى والتأزم السياسي، وإذا أعاد تقديم نفسه في الساحة السياسية كرجل دولة يقوم بدور المصالحة، فإن الأحزاب قد تدير له ظهرها، رافضة مساندة زعيم فاقد للشعبية.

الأكثر من ذلك، أن الهزيمة التي منيت بها القوى الموالية للرئيس الباكستاني في الانتخابات الأخيرة تعني أن الولايات المتحدة، التي كانت تعتمد على ''مشرف'' يتعين عليها فهم الواقع السياسي الجديد الناشئ في البلاد والسعي إلى التعامل معه، وفي هذا الإطار يقول ''دانيال ماركي'' -الخبير في الشؤون الباكستانية من مجلس العلاقات الخارجية الأميركي-: ''لقد توثقت العلاقة بين مشرف والولايات المتحدة، لذا سيثير رحيله أسئلة كثيرة في واشنطن، عن كيفية تدبير علاقة الشراكة بين الطرفين وأين تتجه مستقبلا لطلب المساعدة سواء على الصعيد التكتيكي، أو على المدى البعيد''. لكن حتى هذه اللحظة لا تبدو مغادرة مشرف لمنصبه وشيكة، رغم أن ''نواز شريف'' طالب بتنحي الرئيس، وتعهد ''آصف زرداري'' بعرض القضية على البرلمان، بالطبع تُعتبر مواقف حزب الرابطة الإسلامية الفصيل التابع لـ''نواز شريف'' وحزب الشعب الباكستاني، باعتبارهما الفائزين الرئيسيين في الانتخابات البرلمانية، مهمة للغاية في تحديد مصير ''مشرف''.

لكن رغم مطالب الحزبين بتنحي الرئيس، رفض ''مشرف'' أي حديث عن التنازل، لا سيما وأن الحزبين مازالا في طور تشكيل الحكومة الائتلافية التي ستجمعهما معا، وهي العملية التي ستستغرق وقتاً طويلا، ومع استمرار وجود خمسة مقاعد شاغرة في البرلمان الباكستاني، حصل حزب الشعب على 88 مقعداً، في حين حصد حزب الرابطة الإسلامية فصيل ''نواز'' على 65 مقعداًن ولم ينل فصيل الرئيس ''مشرف'' داخل حزب الرابطة الإسلامية سوى 37 مقعدا في البرلمان الباكستاني، ويبدو من خلال التصريحات التي أدلى بها ''مشرف'' بعد ظهور النتائج، أنه يراهن على مقاربة تعاونية، على الأقل هذا ما تشي به نبرته التصالحية بعدما أكد أنه مستعد للتعاون مع أي شخص يتولى السلطة في إشارة إلى رئيس الحكومة المقبل، والواقع أن مشرف لن يكون أمامه من خيار آخر سوى التعاون مع رئيس الوزراء، لا سيما إذا تمكن الحزبان الفائزان من تشكيل حكومة ائتلافية.

يعبر عن هذا المأزق الذي بات يواجهه ''مشرف'' بعد هزيمة أنصاره في الانتخابات الأخيرة ''رسول بكش ريس'' -أستاذ العلوم السياسية في جامعة لاهور- بقوله: ''لم يعد مشرف يملك أوراقا للعب''، مضيفا: ''إذا حاول الرئيس مشرف استخدام صلاحياته لتحدي المجلس التشريعي الجديد، أو حله، فإن المعارضة السياسية ستشل البلاد بمكالمة تلفونية''، وبرغم الارتباك الواضح الذي بدا على مسؤولي السياسة الخارجية الأميركية بسبب تجاذبات السلطة في باكستان وانتقالها من مشرف إلى المعارضة، إلا أنه على المدى البعيد قد يصب ذلك في المصلحة الأميركية، وهو ما يوضجه ''دانيال ماركي'' -الخبير في الشؤون الباكستانية- بقوله: ''قد يكون من الأفضل للولايات المتحدة إقامة علاقات ثنائية تستند إلى قاعدة مؤسسية سليمة، كتولي حكومة مدنية زمام السلطة في إسلام أباد''، مضيفا: ''فقط الأحزاب الشعبية تستطيع تعبئة الجماهير لمساندة السياسات الرامية إلى استئصال جذور التطرف الإسلامي''.

ويبقى السؤال الأهم، ماذا سيحل بالرئيس مشرف؟ يقول بعض المسؤولين الذين يعرفونه، إنه سيدرك عمق الأزمة التي يمر بها وسيتصرف بحكمة، وهذا ما يؤكده ''محمد شاه'' وزير سابق- بقوله: إنه رجل ذكي ويعرف أنه ليس في موقف يسمح له بإملاء شروطه، وحتى لو حاول التمسك بالسلطة فسيكون ذلك صعبا، ويرى المحللون السياسيون أن الأيام والأسابيع المقبلة ستكون بمثابة اختبار لغريزة ''مشرف'' الأسطورية في البقاء والاستمرار في الساحة السياسية، وحسب ''إكرام سيجال'' -مدير تحرير دورية مختصة في الدفاع- سيحاول ''مشرف'' التعاون مع الأحزاب الفائزة والتعايش معها، لكن إذا تعذر عليه ذلك فإنه سيضع خطط الخروج تماماً من السلطة، لا سيما أنه يعرف جيدا بأن الجيش لن يقف إلى جانبه هذه المرة إذا تحدى البرلمان. لكن في حالة اختيار ''مشرف'' المواجهة فإن زعيم حزب الشعب الباكستاني، كما قال، لن يستثني السعي إلى مقاضاته. وهو أمر ممكن في حال تأمين ثلثي الأصوات في الجمعية العامة ومجلس الشيوخ، ومع أن هذا الأخير مازال يضم العديد من حلفاء ''مشرف'' لأن موعد تجديد الانتخاب لن يعقد إلا بحلول العام المقبل، إلا أنه من الممكن تخلي نواب مجلس الشيوخ عنه إذا تبين لهم عسر موقفه. بيد أن الجيش، وفقا للمراقبين، قد لا يسمح بتعرض قائدهم السابق للإهانة، لا سيما إذا وصلت الأمور إلى حد المتابعة القضائية.

وكل ذلك بحسب المصدر المذكور نصا ودون تعليق.

المصدر:alitihaad-24-2-2008