ماكين...رجل حرب قد يقاومها

 

 

صراحته ليست لغزاً

سيتذكر التاريخ ''ماكين'' على الأرجح باعتباره أول مرشح رئاسي ''جمهوري'' يقفز إلى مقدمة السباق بالرغم من فشله في الفوز بأغلبية تفوق النصف في أوساط من يُعرفون أنفسهم بأنهم ''جمهوريون'' في أي من الانتخابات التمهيدية الأولى، فحسب استطلاعات رأي في فلوريدا طالت الناخبين لدى خروجهم من مكاتب التصويت، فإن سيناتور ''أريزونا'' تعادل مع ''ميت رومني'' في أوساط الناخبين الذين يصفون أنفسهم بأنهم ''جمهوريون''، ولكنه تقدم عليه في أوساط المستقلين، كما فاز في ''نيوهامشير'' و''كارولاينا الجنوبية''، ليصبح بذلك في مقدمة المتسابقين المتوجهين إلى ''الثلاثاء الكبير''. الواقع أن انجذاب المستقلين لـ''ماكين'' ليس لغزا، ذلك أنه رجل يتحدث صراحة ويُمتع حين يهاجم زملاءه ''الجمهوريين'' بخصوص مواضيع من قبيل تمويل الحملات الانتخابية وارتفاع حرارة الأرض، غير أن ثمة هوة غريبة في احتضان هؤلاء الناخبين لـ''ماكين''، فهم يكرهون حرب العراق بينما هو مستعد لخوضها لقرن آخر، وهكذا، فإن أكثر مرشح رئاسي تأييدا للحرب منذ نحو عقد من الزمن هو اليوم بصدد الفوز بترشيح الحزب ''الجمهوري'' لانتخابات 2008 الرئاسية بفضل الأصوات المناوئة للحرب!

وحسب استطلاع للرأي أجرته ''لوس أنجلوس تايمز'' و''بلومبورغ'' خلال الفترة ما بين 18 و22 يناير، فإن 66 في المائة من المستقلين يعتقدون أن على الولايات المتحدة أن تنسحب بشكل كامل من العراق في أجل أقصاه 12 شهرا، والحال أن ''ماكين'' قال الشهر الماضي، إن الولايات المتحدة قد تبقى في بغداد لمائة عام أخرى؛ وعلاوة على ذلك، فإنه يعبر دائما عن استغرابه من موقف من يرون أن تلك قد لا تكون فكرة جيدة، حيث قال للصحافيين مؤخرا: ''ذاك ليس هو المقصود! كم من الوقت سنبقى في كوريا؟''؛ ومع ذلك، فقد هيمن ''ماكين'' على 44 في المائة من الأصوات المناوئة للحرب في ''نيوهامشير'' مقابل 19 في المائة لصالح ''رومني''، وذلك حسب استطلاع لآراء الناخبين من قبل ''سي. إن. إن.'' لدى خروجهم من مكاتب الاقتراع، في حين لم يحصل ''رون بول''، الذي يعد المرشح ''الجمهوري'' الوحيد المعارض للحرب، سوى على 16 في المائة من أصوات الناخبين الذين قالوا إنهم يعارضون الحرب، كما حصل الثلاثة على نفس الترتيب في أوساط الناخبين المعارضين للحرب في ''ميشيجان''، رغم أن ''رومني'' فاز بالولاية عموما.

على أن الأمر نفسه يتكرر في حالة الناخبين المستائين من ''جورج دبليو. بوش''، ففي فلوريدا على سبيل المثال، هزم ''ماكين'' منافسه ''رومني'' بـ48 في المائة، مقابل 18 في المائة في أوساط الناخبين الذين يقولون إنهم ''غاضبون'' من الرئيس، وذلك حسب استطلاع للرأي أجرته ''إم. إيس. إن. بي. سي.'' لدى خروج الناخبين من مكاتب الاقتراع. وهكذا، فإن أكثر الناخبين معارضة للحرب بصدد دعم قائد أعلى محتمل للجيش يجعل ''بوش'' يبدو كما لو أنه رجل يمقت الحرب، وقبل أن تكشف إدارة ''بوش'' عن ملامح عقيدتها المتشددة، الحرب الاستباقية، بأزيد من ثلاث سنوات، كشف ''ماكين'' النقاب خلال ترشحه الأول للانتخابات الرئاسية عن مخطط يدعى ''صد الدول المارقة''، ''نشجع فيه سياسيا وماديا القوى داخل الدول المارقة وخارجها'' - مثل العراق وكوريا الشمالية وصربيا - ''للإطاحة بالأنظمة التي تهدد مصالحنا وقيمنا''؛ أما في حال قمعت ''الأنظمة البغيضة'' المحاربين من أجل الحرية، فإن على الولايات المتحدة أن ترد على ذلك بقوة، والجدير بالذكر هنا أن ''ماكين'' كان خلال تلك الحملة الانتخابية قد اختيار المحافظين الجدد لمنافسة ''جورج بوش'' الأكثر ''تواضعا'' بخصوص الشؤون الدولية.

يدافع ماكين عن فكرة تهديد كوريا الشمالية بـ''التدمير''، وهو معروف بمواقفه المتشددة من إيران، وكان قد دعا إلى تدخل عسكري في دارفور، وتأسف لأننا لم نرسل قوات إلى رواندا، كما أنه من المنادين بضرورة تبني سياسة قوية تجاه موسكو وبكين، وخلال القصف الأميركي لكوسوفو في 1999 -عندما علَّق ''ماكين'' على نحو استعراضي حملته الانتخابية الرئاسية لأنه يفضل أن يخسر حملته على أن يخسر الحرب - استقطب السيناتور اهتمام وسائل الإعلام بعد أن دعم التدخل العسكري، في الوقت نفسه الذي انتقد فيه الرئيس على أساس أنه لم يسخر ما يكفي من القوة.

الواقع أن هذا التشدد الكبير يجري في دماء العائلة، فوالده الأميرال ذو الأربع نجوم ساهم في مواصلة الحرب في فيتنام، وألقى محاضرات مشهورة حول دور القوة البحرية الأميركية في جعل العالم مكانا آمنا ومناسبا للديمقراطية، وجدُّه الأميرال ذو الأربع نجوم دافع بقوة عن سياسات ''تيدي روزفلت'' التدخلية، وبالتالي، فإذا كان للولايات المتحدة طبقة إمبريالية، مثلما يقول المؤرخ ''نيال فيرجسون''، فإن ''جون ماكين'' يوجد في مقدمتها، وبالرغم من ذلك، هناك عدد كبير من الناس، الذين أُذهلوا بسحر المرشح، يقنعون أنفسهم بأن شن الحروب إنما هو من عمل الرجال السيئين مثل ''بوش''، وليس ''جون'' حبيبنا.

وقد كتبت صحيفة ''دي موان ريجستر'' - في واحدة من 17000 صحيفة تحدثت بإيجاب عن ''ماكين'' خلال الشهرين الأخيرين- تقول ''إنه يعرف الحرب، وهو أمر نعتقد أنه سيجعله يقاوم فكرة خوض حرب جديدة''، أما بالنسبة لسكان كاليفورنيا الذين يجدون إغراء في مثل هذه التوهمات، فمن الحكمة تذكر الكلمات المشهورة لآخر رجل في عقده السابع ينجح في السعي إلى الرئاسة: ضعوا ثقتكم، ولكن تحققوا.

وكل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا ودون تعليق.

المصدر:alitihaad