سباق الرئاسة الأميركية...كأس العالم الانتخابي

 

 

تيموثي جارتون آش

 

 

كان ياما كان في البيت الأبيض

لقد أصبحت الانتخابات الرئاسية الأميركية مرادفاً سياسياً لمباريات كأس العالم لكرة القدم، والدليل أن نصف العالم يتابع مشاهدتها عبر شاشات التلفزيون، ويكاد الجميع يعلمون أسماء نجومها ومرشحيها، بينما يدرك الكثيرون قوانين اللعبة الانتخابية نفسها. وإن كنت من المتشككين في صحة ما أقول، فما عليك إلا أن تبدأ حواراً مع أي من المواطنين غير الأميركيين في أي بقعة من بقاع الأرض، وسوف تصل إلى نهاية لحوارك معه بالسؤال: أيهما تؤيد هيلاري كلينتون أم باراك أوباما؟ لكن ومع ذلك، فربما لسنا نحن الأوروبيين على إلمام كاف بقواعد اللعبة الانتخابية الأميركية، كما نعتقد. وهذا ما يثير دهشتي إزاء الثقة التي يتحدث بها صحفيونا البريطانيون عن معرفتهم التامة بالسياسات الأميركية.

فعلى سبيل المثال، سمعت أحد مراسلي إذاعة ''بي بي سي'' وهو يقرأ تقريرا حول الموضوع: ''وبالطبع فإن ولاية أوهايو تعد من الولايات الترجيحية في الحملات الانتخابية الأميركية''؛ وعلى حد علمي، فإنه من الصعب أن يسمع المرء أي ادعاء جريء كهذا في أي من التغطيات الصحفية الأجنبية للحملات الانتخابية الجارية حالياً في أميركا، وفيما سمعت، فقد صاح مذيع في إحدى القنوات الإذاعية الأخرى، مطالباً أحد مستمعيه بأن يبعث إليه رسالة إلكترونية يخبره فيها عن أي من المرشحين الرئاسيين يؤيد؟ يبدو الأمر كمرادف سياسي لمباراة كبرى من مباريات كأس العالم، فليس من عجب أن تنشد أنظار العالم كله إلى هذا اليوم.

وبالطبع فإن هناك ما يبرر مثل هذا الانفعال إلى حد ما؛ فمما يهمنا جميعاً معرفة من هو الرئيس الأميركي المقبل، خاصة بعد ما فعلته إدارة جورج بوش الحالية بالمؤسسة الرئاسية في واشنطن، وبالقدر نفسه يهمنا بالطبع من هو الذي سيخلف الرئيس الصيني الحالي ''هو جنتاو'' أو نظيره الروسي ''فلاديمير بوتين''؛ لكن ومع ذلك فما من أحد يبعث إلى أصدقائه برسائل إلكترونية أو رسائل نصية قصيرة عبر الهواتف النقالة ليسألهم عن المرشحين الذين يؤيدونهم لخلافة هذين القائدين، الصيني والروسي. والسبب أن معظم الجمهور يكاد لا يعرف من يكون ''هوجنتاو'' أو ''بوتين'' أصلاً، وإذا ما حظيت الانتخابات الرئاسية الأميركية بكل هذا القدر من الاهتمام الدولي، فإن أحد العوامل الرئيسية المفسرة لهذا الاهتمام، كون السباق الرئاسي الأميركي، أشبه بساحة لسباق الخيول المثيرة، أو شاشة لعروض المسلسلات الدرامية المشوقة. ومن جانب الأوروبيين، فإن أهم ما يشدهم إلى السباق الرئاسي الأميركي، كونه يعبر عن وجود المؤسسات السياسية التي يفتقر إليها الكثير من الأوروبيين، ومثلما تلمع نجوم المسلسلات التلفزيونية المشوقة، تتلألأ كذلك في سماء السياسة الأميركية أسماء المرشحين الرئاسيين الأقوياء، وتشتد حمى التنافس والمناظرات الانتخابية المشوقة بين كل من ''هيلاري كلينتون'' و''جون ماكين'' و''باراك أوباما'' و''هاكابي''... إلى آخر القائمة.

الأكثر أهمية من هذا، أن جوهر هذا التنافس الانتخابي، ليس بين سياسات متعارضة أو رؤى أيديولوجية متباينة بين المرشحين؛ ففي هذه المرحلة التمهيدية من السباق على أقل تقدير، تكاد المعركة كلها تنحصر في السمات والمزايا الشخصية التي يسعى كل واحد من المتنافسين لعرضها على الجمهور، من خلال حديثه عن نفسه وعن تصوره لأميركا التي تتراءى لمخيلته حين يصل إلى البيت الأبيض؛ فإذا ما تأملنا الخطاب الانتخابي الذي ألقاه ''أوباما'' عشية الثلاثاء الكبير، فإننا نلحظ فيه كثيراً من روح السرد الإنجيلي المترعة بأنفاس القص والحكي، لما احتواه من حديث عن انتشار التغيير على امتداد التراب الأميركي كله، وعن أن ما بدا همساً خافتاً في ''سبرينج فيلد'' قد انتشر مثلما تفعل النار في الهشيم في ولاية ''أيوا''، حيث احتشد الفلاحون والطلاب والعمال وكبار المدراء والمسؤولين، وتدافعوا نحو صناديق الاقتراع على نحو لم يسبق للولاية أن شهدته من قبل، ثم تحدث ''أوباما'' عن كيف جلجلت الأصوات نفسها من ولاية ''نيوهامشير'' عبر صحراء ''نيفادا''، حيث ردد العمال والمدرسون والطهاة مطالبهم بعدم رغبتهم في أن تستمر إدارة البيت الأبيض، من قبل مجموعات الضغط التآمرية مثلما كان الحال في الماضي.

وفي تأويل آخر لهذه القصة، فإنه يمكن سردها على النحو التالي: ''فما بدا خافتاً عبر موقع ''يو تيوب'' الإلكتروني، سرعان ما انتشر واتسعت دائرته ليشق طريقه إلى العناوين الإخبارية الرئيسية بصحيفة ''نيويورك تايمز''، بل وإلى كبرى الفضائيات والقنوات التلفزيونية مثل ''سي إن إن'' و''إي بي سي''و ''وبي بي سي''، حيث تضافرت أصوات جميع المنتجين والمخرجين والمذيعين لتردد صوتاً جماعياً واحداً هو: إنها لحظة المرشح الرئاسي باراك أوباما''. وهكذا يستطيع كل واحد من الساسة والمرشحين المتنافسين فرض قصته الانتخابية على وسائل الإعلام بطريقة أو بأخرى. وهذا هو ما يحسن الأداء فيه بصفة خاصة، المرشح الجمهوري ''جون ماكين''، في هذه اللحظة بالذات؛ غير أن وسائل الإعلام نفسها ربما تفرض قصتها على مرشح ما من المرشحين. وهذا ما يدفعنا إلى القول بتداخل هذه القصص وتمازجها معاً من قبل الطرفين ؟الإعلام والمرشحين، ما يفضي إلى انتشارها وتردد أصدائها على امتداد المعمورة كلها. وعلى أية حال، فإن الجملة التالية هي الاستهلال الأكثر رواجاً الذي تبدأ به قصة ما قبل النوم التي تحكى لجميع أطفال العالم تقريباً: ''في يوم من الأيام كان هناك شابٌ اسمه باراك أوباما....''.

لكن ومهما كانت إرادة ''أوباما'' والإعلام، فإن هناك جمهور الناخبين، وهو الذي يقرر المصير النهائي لأي من المرشحين، وعليه فسوف نظل نجهل مصير جميع المتنافسين الحاليين، إلى أن يأتي يوم فرز الأصوات العظيم في نهاية حمى السباق الانتخابي. وتلك هي قوة الديمقراطية الناعمة.

وكل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا ودون تعليق.

المصدر:alitihaad-9-2-200