المساعدات وتفكك باكستان

 

ديفيش كابور- أرفيند سابرامانيان

 

 

عانت الديموقراطية سلسلة من الانتكاسات عام 2007، والكثير منها يعود إلى النفط. فتدفق الإيرادات النفطية ساعد فلاديمير بوتين على تعزيز حكمه الاستبدادي في روسيا، وهوغو تشافيز على نشر السياسات الشعبوية في فنزويلا، ومحمود أحمدي نجاد على مواجهة الغرب. وفي الوقت نفسه، كانت قوة مماثلة تفعل فعلها في باكستان فلأكثر من 50 عاما، حصدت باكستان أموالا غير مكتسبة ملأت خزانتها وأبقت الدولة الهشة قائمة لكن في هذه الحال، لم تأت الأموال من الأرض بل من مساعدات عسكرية وغير عسكرية هائلة، أتت بشكل رئيسي من الولايات المتحدة والصين والسعودية. لكن في حين أن المصدر مختلف، فإن تأثير كل هذه السيولة النقدية في باكستان كان مدمرا بقدر الثراء النفطي في أماكن أخرى من العالم: مضخما حجم القوات المسلحة ومؤديا إلى وضع غير مستقر يسوده العنف، حيث يتعذر للأسف تجنب عمليات الاغتيال مثل تلك التي أودت بحياة بي نظير بوتو.

من المستحيل فهم مشاكل باكستان الحالية من دون النظر إلى المساعدات الهائلة التي جمعتها باكستان خلال نصف القرن الماضي» وإلى تأثيراتها السلبية. فمنذ تأسيسها، سعت باكستان جاهدة لإقامة توازن مع الهند، موطدة علاقاتها مع أي دولة مستعدة لمساعدتها. هذا لم يكن صعبا قط: في خمسينات القرن الماضي، قدمت واشنطن مساعدات سخية مقابل وقوف باكستان عسكريا ضد قوات الاتحاد السوفييتي. ثم، بدءا من ستينات القرن الماضي، هبت الصين التي تعتبر الهند عدوتها للمساعدة أيضا. كما تدفق المزيد من المال من الدول الشرق أوسطية الغنية، وخصوصا المملكة العربية السعودية وقد شهدت ثمانينات القرن الماضي الحرب الأفغانية ضد السوفييت، حيث لعبت باكستان دور الوسيط الأساسي مزودة المجاهدين بالعتاد ومقدمة الدعم لهم» الولايات المتحدة وحدها قدمت 3.5 بلايين دولار خلال تلك الفترة. كما أن وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (سي آي أيه) والاستخبارات السعودية قدمتا الأموال والتكنولوجيا المتطورة لوكالة الاستخبارات الباكستانية (آي أس آي)، وهو ما جعلها أسوأ الأطراف سمعة وأكثرها زعزعة للاستقرار في البلاد. وقد جمعت باكستان مبلغا إجماليا ضخما من المساعدات الأجنبية وصل إلى 58 بليون دولار بين عامي 1950 و1999، ما أتاح لها أن تصبح من أكثر البلدان إنفاقا على الشؤون العسكرية في العالم. وبعد هجمات 11 سبتمبر، تضاعف سخاء واشنطن» وقدمت لباكستان منذ ذلك الحين أكثر من 10 بلايين دولار من المساعدات وقد كانت العواقب وخيمة، لأسباب شبيهة بتلك التي أدت إلى ما يسمى بلعنة الثروة النفطية. وتظهر دراسات معمقة أنه حينما تجني الحكومات أموالا غير مكتسبة (يسميها علماء الاقتصاد بـ"الإيجارات") من النفط وغيرها من الموارد، غالبا ما تنقطع الصلات السليمة بينها وبين سكانها. فبعد تحررها من اعتمادها على الضرائب، تبدأ الحكومات بإنفاق الأموال بشكل اعتباطي وفي غياب الضرائب، يشعر السكان بأنهم غير محفزين بشكل كاف لمراقبة مجرى الأمور بدقة. والنتيجة هي الفساد وسوء الإدارة وغير ذلك من المساوئ .

للأرباح المتأتية من الموارد الطبيعية تأثيرات سلبية بما يكفي. لكن "الأرباح الاستراتيجية" ــ التي تكتسبها الدول بفضل الدور الذي تلعبه في السياسات الخارجية لدول أخرى - أكثر ضررا فالمساعدات العسكرية بطبيعتها تقوي الجيوش التي تحصل عليها وتجعلها أقل تقبلا للسيطرة المدنية عليها. لقد تنامى نفوذ الجيش الباكستاني إلى حد كبير على مر السنين، وأصبح مقاوما للرقابة الديموقراطية ومترسخا في كل القطاعات الاقتصادية والمدنية والسياسية في البلاد. فحضور الجيش ونفوذه جليان في كل القطاعات، بدءا من القطاع المصرفي وصولا إلى التأمين، ومن الحبوب إلى القرفة. وقد ساهمت المكاسب الاستراتيجية أيضا في جعل باكستان أكثر تطرفا، لأن بعض المساعدات السعودية المخصصة للجهاد في أفغانستان استعملت لتمويل المدارس الإسلامية المتطرفة في باكستان نفسها.

من السهل أيضا التلاعب بالأرباح الاستراتيجية. فالجنرال برويز مشرف، مثلا، تجنب الانتقادات الأجنبية وحافظ على تدفق الأموال من خلال المجادلة بأنه رغم كونه غير معصوم من الخطأ، فإن البديل - أي الإسلاميين - أسوأ بكثير. ولدعم هذه النظرة، لجأ القادة الباكستانيون إلى المراوغات في بعض الأحيان. على سبيل المثال، بحسب الصحافي الباكستاني أحمد رشيد، لم تحرك الحكومة ساكنا قبل مواجهات المسجد الأحمر في إسلام أباد العام الماضي، بالرغم من أن عدد المتطرفين كان يزداد في المجمع - وبالرغم من سهولة القضاء عليهم في تلك الفترة - وذلك من أجل تركيز الاهتمام على "التهديد" الإسلامي الذي تواجهه باكستان، والحاجة إلى المزيد من المساعدات.

هل يمكن لباكستان أن تخرج من هذه الحلقة المفرغة؟ أحد الحلول البديهية يتمثل في تحويل بعض المساعدات العسكرية إلى المجتمع المدني وربط مساعدات إضافية بأهداف محددة مثل مكافحة الإرهاب. لكن من الواضح أن هذا لن ينجح فهو سيتطلب إذعان الجيش الباكستاني، لكن لم عساه يذعن؟ في النهاية، يعرف الجنرالات أنه حتى لو تخلت عنهم واشنطن، فإن الصين والدول العربية ستعوض عن ذلك.

إذن، ما الذي يجدر بواشنطن أن تفعله؟ نظرا إلى امتلاك باكستان أسلحة نووية وانتشار المجموعات الجهادية المتطرفة فيها، لا يمكن للولايات المتحدة أن تتوقف بكل بساطة عن تأييد مشرف وجنرالاته لكن تقديم المساعدة لهم باعتبارهم أهون الشرين سيكون خطأ أيضا. فالمساعدات العسكرية بلا قيود قوضت نمو المؤسسات المدنية. ملالي باكستان وجيشها على علاقة أوطد مما يعتقد بشكل عام . لذلك يجب أن يكون الهدف الأساسي للغرب إبعاد الجيش عن الساحة السياسية والاقتصادية في باكستان. هذا لن يكون سهلا، ولن يحل كل مشاكل البلد. لكنه أفضل أمل في وضع سيئ، وأمل باكستان الوحيد بالاستقرار الحقيقي.

وكل ذلك بحسب المصدر المذكور نصا ودون تعليق.

المصدر:newsweek